عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jan-2018

مُسْتَرسَلُ العَلامات

 القدس العربي-توفيق قريرة

تحدّث كثير من العلماء القدامى عن العلامة الوُجُوديّة و العلامَة العَدَمِيّة؛ فأمّا الأولى فهي العلامَة التي يكون لها وُجود صَريحٌ يمكن إدراكه وتعقُّله بوسائطه الظاهرة؛ وأمّا العلامة العدميّة فلا يمكن إدراكها أو تعقّلها بهذه الوسائط، بل بوسائط لا وجود لها. 
ولقد ضَرب بعضُ النّحاة على هذا مثالا تقريبيّا لقَمِيصيْن أبْيَضَيْن يُريد صاحبهما أن يميّز بينهما: سيعمَد إلى أحدهما فيصبغه بلون آخر ويترك الثاني على بياضه. القميص المصبوغ يحمل علامة وجوديّة والقميص غير المصبوغ أي الأبيض تكون علامته عدميّة لأنّه لم يحتج أنْ يصبغه كي ينمازَ. 
تنتمي العلامة الوُجُوديّة والعَلامة العَدميّة كلتاهما إلى فكرة نظام تقابليّ ثنائيّ، فللنّهار علامة عدميّة هي النّور المنبعثُ من الشّمس وللّيل علامة عدميّة هي غياب ذلك النّور، فمن المعلوم أنّ السّواد عدمُ الضّوء. واشتغل النّحاة العرب بهذا التّقابل العَلاميّ الثنّائيّ؛ ففي مقولة التّعيين (التعريف والتنكير) ذكروا للمعرفة علامة وجوديّة (الألف واللام) وذكروا للتنكير علامة عدميّة (غياب ألف التعريف). 
العلامة الوجوديّة والعلامة العدمية تنخرطان في سياق نظام أعمّ من التّفكير في الأشياء تحصرانها مقوليّا في ثنائيّات. التّفكير الثنائيّ التّقابلي هذا هو سِمَة التفكير الكلاسيكيّ عموما؛ ونحن نجده في مواضع كثيرة من تنظيم الإنسان لعناصر الكون: ليل ونهار، حقّ وباطل.. وحكمت الرؤية الثنائيّة على الإنسان بالاعتقاد أنّ الحالة النّقيضة للظّلم هي العدل؛ والحقُّ أنّ بين العدل والظّلم مساحة ممتدّة من درجات الظلم ومراتب العدل تقوى وتضعف. وبعبارة أخرى توجد منطقة وسطى بين المتقابليْن يمكن أن تمثّل عناصر من الكون الذي لا تعترف به العلامات التّقابليّة.
لهذا السّبب مال بعض الدّارسين العرفانيّين منذ بعض العقود إلى فكرة تعوّض في المَقَولة فكرة الثنائيّات بفكرة المُسْتَرْسَل. المسترسل مفهوم مختصره أنّ الأشياء والمفاهيم ليست ثنائيّة الأطراف، بل هي وإن كانت تقع بين طرفين، فإنّ بيْن ذيْنك الطرفين اتّساعا وامتدادا يتمّ في الانتقال بالتّدريج من الشّيء الموسوم إيجابا إلى الشّيء الموسوم سَلبا. بهذا المعنى لا يوجد مرور فُجائيّ من اللّيل إلى النّهار؛ بل هناك استرسال لا ننتقل وفقه من وضوح النّهار وبهره مباشرة إلى حلكة الليل وعتمته. وقياسا عليه فإنّ الخير والشرّ مسترسل من القيم رأساه القيمتان، لكن نجد خيرا أقرب إلى الشرّ وشرّا أقرب إلى الخير؛ ومثاله ما يعرف بـ»الموت الرّحيم» إذ هو شرّ أقرب إلى الخير؛ وفي هذا نفهم اعتبار الشّريعة الإسلاميّة الطّلاق «أبغض الحلال».
إنّ الأوصاف أو النّعوت هي أبرز الألفاظ التي يمكن أن تصنع التّدريج في مفاهيم تبدو لنا على طرفي نقيض. إنّها أكثر العلامات التي تُعيدك إلى الامتلاء الدّلالي الأوّل وتقول لك أعِدْ توزيعه على مسترسل القيم. سنأخذ مثلا دقيقا من القرآن اشتغلت فيه الصّفات علاماتٍ داخل مسترسل برأسين متقابلين. ففي سورة البقرة (بين 67 ـ 71) نقل لحديث بين موسى عليه السّلام وبني إسرائيل حول صفات البقرة التي أمرهم الله أن يذبحوها. كان سؤال بني إسرائيل نبيّ الله سؤالا عَلاميّا تلعب فيه العلامة دورا تمييزيّا، قبل أن تكون لها وظيفة رمزيّة. إنّ أقصى درجات التّمييز أن تكون العلامة مفرِّقة بين متماثلات يصعب التفريق بينها. وهو ما يدّعيه بنو إسرائيل بقولهم: «إنّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَليْنَا» (البقرة ـ 70). تشابُهُ النّوع تختلف درجاته من نوع إلى آخر؛ فمثلا تشابُه النّوع البشريّ يمكن أن تقلّ درجة اللّبس فيه إذا كان الأفراد مختلفين باللون أو بالعمر أو بالحجم.. والإشكال في تشابه بَقَر بني إسرائيل أنّ الفُوْيرقات النّوعيّة على ما يدّعونه قليلة إلى درجة أنّ العلامات الدقيقة أضحت مهمّة، لذلك تحتاج عينا تهدي إليها لا تكون ككلّ العيون. يرى بنو إسرائيل المتشابه في البقر ولكنّ العين الربّانية على المختلف؛ وفي ذلك مفارقة هي كامنة في جوهر البشريّ والإلهيّ . فما يجعل البشريّ بشريّا هو الانغماس في المثيل الكثير وما يجعل الإلهي إلهيّا هو التعالي والتفرّد ورؤية الخلافيّ. وللتّدقيق في السّؤال عن البقرة المعنيّة بصفة أو صفات معيّنة غرضان في هذا المقطع من السّورة: غرض تعييني وآخر اختباريّ يلتبسان معا: الغرض التّعيينيّ يهدف إلى تحديد بقرة بعينها اعتمادا على صفات بذاتها؛ والغرض الاختباريّ يهدف إلى أنْ يختبر بنو إسرائيل نبوّة نبيّهم من ناحية، ويختبر الله بني إسرائيل بأن يوجب عليهم حقّ العقاب عملا بقوله تعالى «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمّرناها تدميرا» (الإسراء ـ 16) . 
اشتغلت العلامات عندئذ بين نقيضين داخل مسترسلات ثلاثة: مسترسل العمر واللّون والدّور. ففي مسترسل العمر تحدّدت البقرة بأنّها «لا فَارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بين ذلك» (البقرة، 68). هذا مُسترسل طرفاه حدّان ثنائيّان هما: البكْر والفارض؛ هو مسترسل زمانيّ إذ البقرة تكون في بدايتها غير منجبة ثمّ تنجب وتتكاثر. وممّا يؤيّد فكرة هذا الامتداد على الخطّ الزّماني عبارة «عوان» التي تعني المتوسّطة في العمر بين الصّغر والكبر؛ ومعلوم أنّ التوسّط هذا يمتدّ ويتّسع بين طرفين أوّله مُلامِس للصّغر والثاني ملامس للكبر، بل إنّ الصغر والكبر نفسيهما متّسعان وليسا حدّين مضبوطين. وهكذا تكون البقرة في مرحلة وسطى في عمر البقر: صغيره علامته عدم الإنجاب، ولكنّ كبيره غير محدّد بهذه الصّفة، لكن هل من اليسير أن تتبيّن هذه العلامة «العوان» في البقرة بيسر؟ 
المسترسل الثاني هو مسترسل اللون فالبقرة «صفراء فاقع لونها». من المعلوم أنّ الألوان تتوزّع على مسترسل هو طيف الألوان ولكلّ لون مقطع هو مسترسل صغير فيه؛ فالأصفر الفاقع أي الصّافي النّاصع ويمكن اعتباره متوسّطا في مقطع الأصفر اللّوني، لكن رغم ذلك لا يمكن تحديده بيسر؛ وتزيده «يسرّ النّاظرين» إمعانا في النّسبيّة.
والمسترسل الثالث يرتبط بدور من أدوار البقر هو الترويض على العمل، لذلك كان طرفاه (ذلول) وما قابلها. فالبقرة يمكن أن تدرّب على الحرث والسّقي، ولكنّ ذلك يكون بعد مدّة قد يعصي فيها بعض البقر هذا الدّور (في تونس «العاصي» من أسماء الثور القويّ). لكنّ البقرة المبحوث عنها هي في طور بين الطورين يعسر ضبطه، فلسنا نعرف متى ستتدرّب البقرة كي نضع للبقر السابق على هذه الفترة سمة أو علامة فهي علامة أعسر من الأولى لا يمكن أن تضبط بها البقرة. هذا العسر في الضبط نجد مفتاحه بعد ذلك: فالحديث في علامات البقرة ينتهي في الآخر إلى أنّ البقرة «لا شية فيها» أي لا علامة فيها بمعنى أنّه لا علامة وجوديّة لها: علاماتها عدميّة لكنْ لا بالتقابل الثنائيّ بل بالمسترسل: الوسط بين طرفي علامتين تقابليّتين علامة ليست كالليل بما هو نقيض النهار، بل هي شيء لا ليل ولا نهار إنّما عوان بين ذلك.
 
٭ أستاذ اللّسانيّات في الجامعة التّونسيّة
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات