عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Jun-2017

عصر التعقيد العالمي

الغد-أندرو شينغ
 
نيويورك- لكل قرن، فيما يبدو، عصره الخاص به. فقد أُطلق على عصر النهضة، من منظور فلسفي، اسم عصر المغامرة. وجاء عصر المنطق في القرن السابع عشر، تلاه عصر التنوير. وكان القرنان التاسع عشر والعشرون عصري الأيديولوجيات والتحليلات، على التوالي. أما القرن الحادي والعشرون، فأستطيع أن أزعم أنه عصر التعقيد.
من ناحية، تقدمت العلوم والتكنولوجيا إلى الحد الذي يستطيع فيه الإنسان خلق حياة -بل وحتى تصميم أنواع جديدة منها، من خلال تقنيات التعديل الجيني فائقة التقدم. ويتوقع عالم المستقبليات يوفال نوح هراري الظهور الوشيك "للهومو ديوس": وهو نوع من البشر يستطيع أن "يلعب دوراً فوق بشري" عن طريق التحكم في الطبيعة بوسائل لا حصر لها، بما في ذلك تأخير الموت وقهره في نهاية المطاف. كما أن معظم الاتجاهات التكنولوجية التي حددتها وزارة الدفاع الأميركية بوصفها مهمة في السنوات القادمة لم نكن نسمع عنها قبل ثلاثين عاماً فقط.
من ناحية أخرى، يخضع معظم البشر لحصار مشاعر اليأس والإحباط، بسب التحديات التي نبدو عاجزين عن مواجهتها، بدءاً من التلوث والتغير المناخي، وحتى الراديكالية والإرهاب اللذان لا هوادة فيهما. وقد ساهم التفاوت الاقتصادي -تعززه خسائر الوظائف الناتج عن الأتمتة، والنظم الاجتماعية المتأصلة، وديناميات السلطة السياسية المدمرة- مساهمة كبيرة في توليد هذا الإحساس بالعجز.
في الوقت الذي تصل فيه قوتنا إلى مستوى الخلق، فإن قدرتنا على التدمير تواكبها إلى مستويات غير مسبوقة. وعندما يمكن أن يتسبب إطلاق سلاح واحد في تغيير مسار التاريخ، يصبح وضع نظام أكثر إنصافاً وفعالية أمراً ملحاً. وفي عصر التعقيد الجديد هذا، نحتاج إلى نموذج جديد للتفكير بشأن العالم، ومن ثم، إلى توجيه جهودنا للمضي قدماً نحو السلام والرخاء.
لطالما اقتضت الضرورة أن تسود وجهة نظر عالمية لتشكيل المصير البشري. لم يكن الإسكندر الأكبر ليقهر معظم العالم المعروف في وقته من دون تأثير معلمه الفيلسوف أرسطو عليه. ولم يكن الإسكندر فريداً في ذلك؛ فوراء كل إمبراطورية عظيمة فيلسوف أو مؤرخ عظيم أضفت وجهة نظره العالمية الشرعية، وحتى الأهمية القدسية، على التوجه الإمبريالي. (وحين يُكتب التاريخ بأيدي الضحايا، وليس المنتصرين، سيتلاشى رونق بناء الإمبراطوريات كثيراً).
حيث إننا بصدد وضع رؤية عالمية جديدة لنوجه مستقبلنا، يجب أن نتبنى منظوراً عالمياً حقيقياً. في الماضي، كان تحليل تطور نظرة البشرية إلى العالم يميل إلى التركيز على الغرب، بعد التقدم الذي أحرزته أوروبا -وأخيراً أميركا- بدءاً من الاستكشاف والاستعمار وبناء الإمبراطوريات، وحتى التصنيع وانتشار علاقات السوق والابتكار التكنولوجي.
وفي القرن الحادي والعشرين، يجرى تنقيح هذه الطرح؛ فقد أظهرت الأزمة الاقتصادية العالمية التي نشأت في الولايات المتحدة في العام 2007 هشاشة نموذج البلد المتقدم، وأسهمت في صعود المزيد من وجهات النظر العالمية الجديدة متعددة الأقطاب، حيث الاقتصاديات الناشئة، بقيادة الصين والهند وروسيا، الوضع الراهن بشكل كبير.
في هذه الأثناء، تزايد ارتباط التحديات التي تواجهها الدول، مع وجود الاتجاهات العالمية الكبرى، بدءاً من التغير المناخي وزيادة سيطرة القطاع المالي، التي تتجاوز نطاق الحكومات الفردية. وكما أوضح كلا من عالم الفيزياء المهتم بعلم البيئة، ريتيوف كابرا، وعالم الكيمياء بيير لويجي لويزي في كتابهما الصادر في العام 2014 بعنوان "نظرة النظام إلى الحياة"، فإن المشكلات الرئيسة التي نواجهها في الوقت الحالي هي مشكلات منهجية -كلها مترابطة ومتداخلة. وبالتالي، فهي تتطلب حلولاً منهجية.
في هذا السياق، يحتاج العالم إلى وجهات نظر أكثر شمولية تقبل التعددية والتنوع -من حيث الجغرافيا والتقاليد ونماذج الإدارة الرشيدة- وتعكس تعقيدات الاتجاهات العالمية الحالية وتعززها. ويجب أن يقر هذا النهج ليس فقط بحاجة الدول إلى العمل جنباً إلى جنب لتشكيل العالم، وإنما أيضاً بحدود قدراتنا على تشكيله.
لقد تصرفت البشرية لفترة طويلة في إطار نموذج الحتمية؛ فنحن نعتقد أن بإمكاننا التنبؤ بالنتائج والتلاعب بها. بيد أننا لم نكتشف أي قوانين أو معادلات طبيعية تفسر كيف تطورت الحياة لتصبح على وضعها الحالي، ناهيك عن التنبؤ بكيفية تطورها في المستقبل. لقد بلغت الحتمية منتهاها، ويجب أن يحل محلها نموذج يكون الشك فيه مقبولاً بوصفه حقيقة لا يمكن التقليل من شأنها في الحياة.
في العلوم الطبيعية، يحدث هذا بالفعل. حيث قُبلت نظريات ميكانيكا الكم والنسبية العامة والشك بوصفها طريق المضي قدماً في الفيزياء والرياضيات. وفي علم الأحياء وعلم الأعصاب، يتزايد استحسان النظرية القائلة بأن الحياة تنبثق من خلال الإدراك (الوعي الذاتي والتوليد الذاتي) وتتغير باستمرار، مما يعني عدم وجود "صيرورة محددة مسبقاً" كما يقول عالم الأحياء ستيوارت كوفمان.
أما في العلوم الاجتماعية -من الاقتصاد إلى السياسة- فلم يحدث هذا الانتقال بعد. وما يزال الاقتصاد يسير في مسار خطي على نطاق واسع، مسترشداً بالإطار الحتمي لنيوتن في القرن الثامن عشر. ولكن النظريات الآلية لا يمكنها أن تتعامل مع النظم الحية والمعقدة والكمية غالباً. وفي الواقع، يظل المنطق الاختزالي القائم على الافتراضات التبسيطية، التي تتحكم في الاقتصاد هذه الأيام، منطقاً منقوصاً في أحسن الأحوال، ومن المحتمل أن يكون مغلوطاً في جوهره.
وبالمثل، في السياسة، نستمر في صراعاتنا حتى نصل إلى حلول منهجية، لا سيما أننا لا نستطيع في الغالب الاتفاق بشأن طبيعة المشكلة المعقدة التي نواجهها. ويعكس هذا التصرف جزئياً الطبيعة العالمية للتحديات الحالية وتنوع وجهات النظر التي يجب التوفيق فيما بينها. والأكثر أهمية من ذلك، يعكس حقيقة أن البشر ليسوا عقلاء طوال الوقت -وهي حقيقة سيسعى "اقتصاد عصر التعقيد" الجديد إلى بذل المزيد من الجهد للاعتراف بها. 
على نطاق أوسع، يجب أن تقدر "النظرة العالمية تجاه التعقيد" الجديدة أن السلوك الإنساني ينبثق من كل شيء، بدءاً من السياسة والاقتصاد وحتى الزراعة وعلم النفس -وحتى من التكنولوجيا ذاتها. وفي عصر التعقيدات، تتطلب المؤسسات التي نبنيها وندعمها نهجاً منظماً ينبثق إلى جانب العلوم الطبيعية التي تتقدم بسرعة.
 
*زميل بارز للمعهد الآسيوي العالمي بجامعة هونغ كونغ، وعضو المجلس الاستشارى للـ"يونيب" حول التمويل المستدام، وهو رئيس سابق للجنة هونغ كونغ للأوراق المالية والعقود الآجلة، وهو حالياً أستاذ مساعد بجامعة تسينغهوا في بكين.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات