عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Jul-2018

يُوصَف حضوره في الفكر العالمي بالقنبلة: ميشال فوكو… موت الإنسان وكونيّة السلطة

 «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: طيلةَ الأسبوع الماضي أحيت مراكزُ بحوث ثقافية وفلسفية فرنسية الذكرى الثلاثين لوفاة الفيلسوف ميشال فوكو الذي ولد في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1926 وتوفي في 25 يونيو/حزيران 1984 بأحد مشافي باريس. وقد عُرف فوكو بالفيلسوف الذي خلق اضطرابا في سكينة الفكر البشري، وذلك بفضل عُمق حفرياته المعرفيّة التي انصبّت على كلّ ما أهمله الفكر البشريّ ونبذ الخوض فيه. وقد تسلّح في ذلك بجرأة بحثيّة جارحة لجسدِ الموروث الثقافي الأوروبي ومُحرِجَة ليقينياته وثوابته الحاكمة لمجالات الجنون والحقيقة والجنسانية والعدالة والسُّلطة والنفسانيات، وبقدرة فائقة على تفكيك البِنْياتِ المعرفيَّةِ المُوجِّهة للسُّلوك الفردي. وهو ما جعله يخترق جدران الفكر الفلسفي من منتصف القرن العشرين إلى بداية القرن الحادي والعشرين، ويحيِّرُ هَدْأةَ قِيَمه بعمقِ ما طرح من أسئلة، حتى صار اسمُه من ألمَعِ الأسماء الفكرية المُعاصِرة حركةً في الدراسات الإنسانية الراهنة، ومن أكثرها ترحُّلاً بين الجغرافيات البشريّة وبين لغاتها التي تُرجم إليها. ولتقديم صورة عن هذا الفيلسوف لذنا بسبيل ما كُتِبَ عنه في وسائل الإعلام بمناسبة ذكرى وفاته، واعتمدنا هنا، وبتصرُّفٍ، مقالة بعنوان: «قنبلة فوكو» كان كتبها الباحث يُوَاكيم دُوبْوِي أستاذ الفلسفة ومؤلِّف كتاب «البيوسياسة من وجهة نظر السينما».

 
موت الإنسان
 
ذهب الباحث يُوَاكيم دُوبْوِي إلى القول إن حضور فوكو في الفكر العالمي شبيه بقنبلة، وإنّ التفكير في الجنون هو الذي قاده إلى مراجعة كل معارف الإنسان في عصور أوروبا، أي إلى إعادة التفكير في ما كان يطلق عليه منذ بداية القرن التاسع عشر «علوم دراسة الإنسان»، وهي العلوم الإنسانوية التي انصبّ جهدها البحثي على البرهنة على وجود الإنسان. غير أنّ جديد فوكو في هذا الأمر هو إعلانه، من خلال هذه العلوم ذاتها، عن موت الإنسان نفسه. 
وهو يعتبر أنّ فوكو قد تخلى عن خطاب الإنسانوية لا لأنه قد وقع تجاوزه، وأننا لم نعد نقدر، بعد الحرب العالمية الثانية، على أن نتحدث عن الإنسان، وإنما لأنّه بالإمكان تطبيق نقد الطبّ النفسي على علوم دراسة الإنسان. حيث يشير في كتابه «الكلمات والأشياء» إلى أن العلوم الإنسانوية قد ظهرت في الوقت ذاته الذي ظهر فيه الطب النفسي، فهما يخدمان المشروع نفسه وهو المتصل بـ«طبيعة» الإنسان، فماذا تطلب العلوم من الإنسان إن لم يكن تطلب حقيقته؟ إنه السؤال نفسه الذي يطرحه الطبيب النفسي: ما هو المجنون والإنسان المجنون؟ هنا يتكرّر المنهج البسيكولوجي نفسه الذي نجده في كل المستويات وفي كل اختصاصات علوم دراسة الإنسان. مجتمعنا يسعى بكل طاقته إلى الوقوف على حقيقة الإنسان، ويريد الإنسان، ولديه تلك «الرغبة في معرفة كل شيء» عنه، ورغم ذلك فخطابه يعمل على خلق القيود التي تعرقل معرفة الإنسان نفسه. وبهذا، يمكن أن نفهم لماذا كان جون بول سارتر أكثر فيلسوف لم يفهم عصره رغم أنه الناطق باسم إنسانوية أصيلة، وبالمُطالِب بحرية الإنسان المطلقة. وعلى نقيض سارتر يُبَيِّن فوكو أن الإنسان ليس سوى اختراعٍ حديثٍ ظهر مع علوم دراسة الإنسان. ومن ثَمَّ، يجب فهم خطاب فوكو على أنه خطاب قطيعة مع الخطاب الإنسانوي، ولا يمكن أن يُقوَّم تاريخيا. لكن فوكو يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذْ يُعلن الموت القادم للخطاب. فتاريخ الحقيقة بالنسبة إليه إنما هو تارخ الحقيقة التي تصنعها خطابات الإنسان. فلا توجد حقيقة مطلقة في الزمن، هناك دوما حقيقة مّا في حقبة تاريخية معيّنة وبين أناس معيّنين. من هنا قال بموضوعية الحقيقة، وباقتراب موت خطاباتها. وقد وقع فهم ذلك الإعلان بشكل خاطئ حين رأى فيه بعضهم خطابا فاشيًا. 
لكن فوكو لا يفعل شيئا سوى ملاحظة تغيُّرِ الخطاب: نظل إنسانويين إلى اللحظة التي يصير فيها ممكنا أن نكون في قطيعة مع الحقيقة، وأن نفكر في التداعيات المترتبة عن علوم دراسة الإنسان. يمكن أيضا اعتبار نقد فوكو للإنسان مثل خطاب تحرير. يقترح فوكو مخرجا للفرد في مواجهة المعيار المؤسساتي للإنسان. يذهب فوكو بالفعل أبعد من ذلك؛ فهو لا يكتفي بنقد الإنسان، أو بالأحرى نقد كل علومه وفلسفاته، وإنما نلفيه يعبِّر جيدا في العنوان الفرعي «أركيولوجيا العلوم الإنسانية» لكتاب 1966 عن هذه النقطة، فهو يضع خطابه الخاص في قطيعة مع الخطاب القائم في مجتمعنا المعاصر. ومن ثم وجبت دراسة تاريخ كل مفهوم والوقوف على أسباب ظهوره وعلى حقيقته ذاتها. 
وإن أمكن له ذلك فلأنه كان يقدمّ في دراساته وجها مناقضا لحداثتنا. أي وجها نقديا. والأركيولوجيا، وهي الاسم الممنوح لهذا الموقف النقدي، لا تُفكر في أشياء المعرفة، وإنّما في الأشياء التي تتركها المعرفة، وتُهمل دراستها، إنها بالتحديد تُمكّن من أخذ مسافة لنقد الوجه الأنتروبولوجي للحداثة. ستستخدم الأركيولوجيا مع فوكو أدوات مفاهيمية جديدة، وبدلا من الاستمرار أو التطوّر الخاصَّيْن بفلسفات تاريخية «قادرة على التحليل النفسي» ستختار الأركيولوجيا مع فوكو تقنية التشذير، أي تجزئة التاريخ إلى أجزاء لتتمكن من توصيفها. وبدلا من الحديث عن الوعي الإنساني اختار فوكو الحديث عن نظام الوعي وبُناه، وبدلا من الحديث عن الفاعلين في التاريخ البشريّ اعتمد تاريخا دون فاعلين. وهو ما يفسّر إعلان فوكو عن موت الإنسان في كتابه «الكلمات والأشياء». حيث يعرِّف فوكو المؤسسة التي تُقَيِّد الإنسان وتسجنه في حالة عادية صارمة على أنها مُحرِّك ذلك التاريخ، وتتخذ هذه المؤسسة شكل المنفى والاغتراب الاجتماعي والسجن والمستشفى والمدرسة. وهذا ما جعل فوكو في نهاية الستينيات يترك لبعض الوقت مسألة المعرفة ويبدأ الاهتمام بالسلطة، وهذا الاهتمام كما سنرى سيَحْمله لتجاوز المفاهيم التقليدية للدولة، ولمواجهة تجربة بحثيّة أخرى أكثر رعبا من الملجأ أو المستشفى : إنه السجن.
 
اختبار قمع السّلطة
 
يقول يُوَاكيم دُوبْوِي إن فوكو، وإلى حدود بداية الستينيات، لم يكن يتحدث عن السلطة: فقد كانت المعرفة وعلم النفس هما فقط ما يشغلان فكره. سيتوجب الانتظار لبعض السنوات حتى ينعكس خطابه، فلا يتحدث بعد ذلك إلا عن السلطة، مبينا أنها الجانب الآخر للمعرفة. لكن قبل ذلك كان عليه أن يختبر السلطة. 
والحق أن فوكو لم يع فعليا تجربة السلطة إلا عندما دخل مدرسة الدراسات العليا في العام 1946 أي عانى كثيرا من النظرة المحتقرة لمثليته الجنسية، كما عانى من العمل الشاق الذي تجبره المدرسة على القيام به. إنه الجحيم اليومي لذلك الشاب النحيف والعصبيّ. كانت ردة فعل فوكو هي الهرب في رحلات ليلية سرية، والإدمان على الخمر، والعجز عن الاندماج الاجتماعي بسبب سخريته اللاذعة، وشعوره الحاد بجنون العظمة. وقد قبل فوكو خلال بعض الوقت أن يخضع لحصص علاج نفسي في الوقت ذاته الذي كان يدرس فيه هذا الاختصاص من أجل بحوثه. ثقته في علم النفس كانت عن عمد. 
لم يكن السفر إلى تونس أول سفر يقوم به فوكو خارج فرنسا، لكنه بكل تأكيد كأن حافزا له للتفكير في المسألة السياسية. سيُقيم في تونس سنتين وسيقدم دروسا في إحدى جامعاتها. واجه فوكو سريعا الأحداث السياسية القاسية التي عاشتها الجامعة التونسية سنة 1967 (قبل سنة من أحداث ايار/ مايو 68 في باريس)، وتمثلت في مواجهات واعتقالات وأعمال عنف (كانت القضية الفلسطينية تلهب عقول الطلبة آنذاك). ظل فعل فوكو النضاليّ في تونس سريًّا، وقد تفاعل مع اعتقال بعض طلبته، بل إنه ساعد الطلبة، في مرات عدة، على الهرب من البوليس، ووفّر الإقامة لبعض الناشطين منهم، كما طبع المناشير الثورية في بيته. والمؤكَّد أنّ هذا لا يعتبر التزاما نضاليا لفوكو بالمعنى التام للكلمة، ولكنه يُحيل إلى أن فوكو قد شارك بطريقته الخاصة في ثورة الطلبة التونسيّين متعرِّضًا في عديد المرات إلى سوء المعاملة من قِبَلِ السلطة التونسية، وهكذا بدأ تجربته السياسية تدخل حيّز التفكير والبحث.
 
السجن ملك مؤسَّسات العقاب
 
تبدأ معارضة فوكو الحقيقية للسلطة والثورة عليها مع إنشائه، صحبة بعض الناشطين السياسيّين، جمعيّة الدفاع عن السجناء، وهو ما خوّل له الدخول إلى السجون ومعاينة أحوال المساجين. وكانت تلك المرة الأولى التي يتمّ فيها الدخول إلى السجون بحرية. كان هدف فوكو واضحا، ويلخّصه بالقول: «نريد حرفيا تمكين المحتجزين من الكلام. هدفنا ليس القيام بدور سوسيولوجي أو إصلاحي. لا يتعلق الأمر باقتراح سجن مثاليّ، اعتقد أن السجن هو بالتعريف وسيلة قمع». وقد مكّنت هذه التجربة اكتشاف عمق السّلطة ومكرها. وكان من الطبيعي أن يؤلّف فوكو كتابا حول السجون، وهو الذي حمل عنوان :المراقبة والعقاب». فالسجن بالنسبة إليه ظاهرة حديثة، ظهر تقريبا في الوقت نفسه الذي ظهرت فيه المستشفيات. وفي هذا الكتاب يصور فوكو تجربة السجن، وخاصة كيف غيَّرَ وضعيةَ المجرم. فالاحتجاز صار يُعوض الإعدامَ. لم يعد الأمر يتمثل في القتل بل في العقاب وبذلك «اختفى في بداية القرن التاسع عشر المشهد الكبير للعقاب الجسدي. ودخلنا في عصر الرصانة العقابية». لقد صوّر فوكو كيف أن آلة التعذيب هذه هي وحش السلطة المعاصرة الأكثر إخافة، والذي لم يعد يبرره أحد سوى من يؤمنون بفضائل تلك السلطة. 
فلم يعد دور السلطة يتجلّى في إصدار الأحكام (رغم كثرة المحاكمات ولوائح الاتهام وصلاحيات السلطات القضائية حول تنفيذ الأحكام) وإنما في مراقبة الفرد مراقبة متواصلة. وهو ما يعني أنّ ما يميز السلطة المعاصرة ليس اتخاذ الإجراءات التعذيبية لجسد السّجين مثلما كان سائدًا قديما، وإنما قيامها بمراقبة مستمرة للسجين. وإنّ أصالة فوكو تتمثّل في وضع نهاية للصورة المتعالية التي كانت للسلطة. لم تعد السلطة مسألة من يمسك بمقاليد الحكم من الرؤساء والحُكّام ورؤوس المال، إنها صارت حاضرةً بيننا دوما، وكونيةً. 
ولا أحد يقدر أن يفلت من قبضتها من دور الحضانة إلى المدرسة إلى المشفى إلى الخدمة العسكرية إلى السجن. وقد توسع فوكو في شرح منطق السلطة حول مسألة السجن في كتابيه: «المراقبة والعقاب» و«إرادة المعرفة» اللذيْن ألّفهما على التوالي في عام 1975 و1976. 
بالنسبة إليه، تبدو السلطة مثل «شبكة قوى» أكثر من كونها عمل طبقة أو جهاز دولة، وهي توجد في كل مكان من المجتمع وبشكل متواصل، وعليه فإنّ السجين لا يعاني القوة المادية التي تسلّط على جسده، وإنما يُجْبَر وراء جدران السجن على تطبيق الأوامر والخضوع للمراقبة ليلَ نهارَ.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات