عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Apr-2018

نفق الحمام» لجون لوكاريه: أكثر من رواية وأعمق من سيرة*براهيم العريس

 الحياة-لا يبدو على الكاتب الإنكليزي جون لوكاريه أنه سوف يخلد يوماً إلى الصمت ويتوقف عن إصدار الكتب في شكل شبه منتظم. فالمبدع الكبير لروايات التجسس وروايات الحرب الباردة والذي تختلط لديه الأبعاد النفسية لشخصياته مع الأحداث الكبرى مع العلاقات الشخصية التي تكاد تنتمي الى نوع شديد الإنكليزية والخصوصية من الحكايات العائلية، لا يميل الى التقاعد، حتى وإن كانت حركته قد تباطأت وهو يدور من حول تسعينياته، وحتى ولو أن الحرب الباردة لم تعد كما عهدها. وحتى أخيراً ولو أن «جواسيسه الكبار» إما تجاوزوا سن التقاعد أو ماتوا أو اختفوا دون أن يقول لنا أين. جون لوكاريه واسمه الحقيقي دافيد كرومويل، نبع من الحكايات لا ينضب ونعرف أنه غالبا ما يستقي موضوعاته وشخصياته من تجاربه الشخصية أو من تجارب رفاق له- جواسيس وعملاء يشتغلون مع الاستخبارات البريطانية-، ولعل هذا أجمل ما في مساره المهني، الكتابي والاستخباراتي. وهو بالمناسبة ما يغطيه كتابان لهما علاقة مباشرة به أحدهما سيرته كما كتبها آدم سيسمان وروايته التي تبدو حتى الآن من أكثر رواياته ذاتية وتبدو انطلاقاً من ذلك شديدة القرب من رائعته المكثفة التي صدرت قبل سنوات وحوّلت فيلماً مميزاً، «تنكر تايلور...»، ونعني بها «نفق الحمام».

 
> يقول لوكاريه عن «نفق الحمام» إنها «رواية أحداث حقيقية كُتبت من الذاكرة، تدفعك في كل لحظة من لحظات القراءة الى التساؤل عمّا هو حقيقي فيها وعمّا هو من وحي الخيال، والحال أنه إذا كان الكاتب نفسه، وهو صاحب الذكريات، يطرح هذه الفرضية كيف ستكون حال القراء؟ وهو يبرع في هذا، بخاصة من ناحية التوقيت. ومهما يكن من أمر ومنذ «الجاسوس الآتي من الصقيع» (1964) قد عرف بروائيّ الحرب الباردة بامتياز. وها هو يعود... إلى روايات الحرب الباردة، التي كان ثمة اعتقاد بأن «أدبها» انتهى مع انتهائها. أو بالأحرى كما قال لوكاريه، مع صدور روايته «الرحلة السرية» (1990): «مثل دون كيشوت أمضيت حياتي كلها وأنا أرصد تدفق الشر. بعد ذلك، في لحظات يأس رحت أتساءل عما إذا لم أكن أنا نفسي قد أضحيت مساهماً في ذلك التدفق...». بمثل هذا الكلام، كان من المعتقد، إذاً، ان لوكاريه سوف يخلد الى الراحة، لكنه لم يفعل. وكيف يفعل كاتب كان همه الأساس دائماً التوغل في ذلك العالم السري، عالم الاستخبارات، وهو عارف أن هذا العالم لا نهاية له، بحرب باردة أو بدونها؟
 
> هذا في أي حال ما يمكننا استخلاصه من «نفق الحمام» حيث وكما سبق للوكاريه أن فعل في كتاب سابق بديع له هو «الحج السرّي» ها هو يغوص من جديد في عالم «الرفاق» الحقيقيين ليكتب، بالتوازي مع سيرته نوعاً من نصوص شبهها الكاتب الإنكليزي ويليام بويد في مقال له عن لوكاريه بـ «اعترافات» جان جاك روسو من ناحية تعرية الذات والصراحة المطلقة. ومع هذا يأخذ بويد على الكاتب كونه يدور ويدور حول الحقائق من دون أن يغوص فيها. والطريف أن بويد يأخذ مثلاً على هذا الدوران، ما يرويه لوكاريه عن لقائه بياسر عرفات فيما كان يكتب «الفتاة ذات الطبل» روايته «الفلسطينية» ويتساءل بويد: حتى لو كان الحوار حقيقياً ويتوافق على ذلك كاتب السيرة وكاتب السيرة الذاتية، لماذا يستخدم لوكاريه في رواية اللقاء مرة اسمه الحقيقي «مستر دايفيد» ومرة اسمه الكتابي «مستر جون»؟ ما هي الحقيقة هنا وما هو الخيال وبأي اسم كان عرفات يناديه حقاً؟
 
> غير أن هذه التفاصيل لا تفقد «اعترافات» لوكاريه شيئاً من نكهتها الرائعة، يقول بويد ونوافقه نحن إذ لا يجب أن ننسى، هنا، أن المسألة، مع جون لوكاريه، هي على الدوام مسألة التوغل في عوالم أجهزة الاستخبارات تلك، وعملياتها وصراعاتها، وبخاصة خلال مرحلة الحرب الباردة. وكونه قد ساهم مع مواطنَيْه غراهام غرين وسامرست موم في رفع أدب التجسس من دائرة الأدب الشعبي الترفيهي والمثير، إلى عالم الأدب الروائي الكبير. وحسبنا أن نقلب صفحات أي من روايات لوكاريه، كي ندرك هذا، كي ندرك مقدرة الرجل ونصوصه على التوغل في داخلية الشخصيات، وعلى رفع المشاهد العادية إلى مستوى اللحظات الخالدة، وعلى رسم التفاصيل الصغيرة بوصفها عناصر أساسية في عالم يتكامل داخله مع خارجه، ولا يكف شخوصه عن طرح أنفسهم على بساط البحث. وهذا بالتحديد ما يطالعنا في كل صفحة من صفحات «نفق الحمام» حيث نجدنا أمام ضروب اليأس والتساؤل، الخيانة منظوراً إليها على أنها فعل إنساني صرف (كما في رواية «الخلد» حيث يستوحي لوكاريه حياة وخيانة الجاسوس كيم فيليبي الذي هرب الى موسكو حين افتضح أمره وأمر تعامله مع المخابرات السوفياتية). ونحن هنا أيضاً أمام حالات أوديبية (موت الأب في رواية «جاسوس خالص» التي تضعنا على تماس مع الجاسوس الانكليزي مانغوس بيم، حين يختفي غداة رحيل والده، فتعتقد الأجهزة أنه هرب إلى الشرق بسبب خيانة ما... لكن الحقيقة أنه كان قد شاء أن يحتفل بموت والده على طريقته الخاصة فلجأ إلى غرفة فندق في مدينة ساحلية صغيرة وراح يتذكر ماضيه)، ثم نحن أمام عقل سياسي يتأمل مصير الحرب الباردة على ضوء البيريسترويكا ويتساءل عن جدوى كل ما أنفق الجواسيس حياتهم في سبيله، متسائلاً من خدع من؟ من هذا الخلط الغريب والمدهش بين السياسي والروحي الخالص، بين الأسئلة المقلقة واليقين المخادع، بين حياة الذات والآخرين، ترسم «اعترافات» جون لوكاريه مسيرة روائية تؤرخ لنوع من الذهنيات، في نوع من الصراعات، في نوع من العوالم، تعيدنا مباشرة إلى الأعوام الخمسين الأخيرة، وتضعنا على تماس مع عوالم الأغوار المظلمة والصراعات العنيفة والمبادئ والخيانات، ولكن منظوراً إليها على الدوام عبر مرآة الروح، وعبر مرآة الذات.
 
> ودايفيد كورنويل ولد في دورست بجنوب غربي انكلترا عام 1931 لأب كان نصاباً محترفاً، عرف السجن والعز في شكل متلاحق، وأثرت شخصيته على شخصية ابنه تأثيراً حاسماً (كما سيروي لنا جون لوكاريه في روايته التطهيرية «جاسوس خالص»). ودرس كورنويل الألمانية ثم علم في «ايتون» بين 1956 و1958. وعام 1959 بدأ عمله «الديبلوماسي»، كسكرتير ثاني للسفارة البريطانية في بون قبل أن يصبح قنصلاً في هامبورغ. وعام 1961 نشر روايته الأولى «نداء الموت» التي خلق فيها شخصية جورج سمايلي، التي ستصبح شخصية مركزية في معظم رواياته التالية. وهو منذ ذلك الحين راح يخوض حياة مزدوجة: كدبلوماسي ورجل مخابرات باسمه الحقيقي دايفيد كورنويل، وككاتب باسم جون لوكاريه، وظل ذلك دأبه حتى نال جائزتين أدبيتين في العام 1963 عن أشهر رواياته «الجاسوس الذي أتى من الصقيع»، فترك العمل الرسمي وتفرغ للكتابة نهائياً. وهو منذ ذلك الحين أصدر روايات عديدة: «مرآة الجواسيس» (1965)، «مدينة صغيرة في ألمانيا» (1968)، «عاشق ساذج وعاطفي» (1971)، «الخلد» (1974)، «كمثل طالب كلية» (1977)، «توم سمايلي» (1980)، «الفتاة ذات الطبل» (1983) و «جاسوس خالص» (1986) و «بيت روسيا» (1989). وصولاً إلى رواياته الأخيرة التي خرج فيها نهائياً عن قضايا الحرب الباردة وأشرنا إليها اعلاه.
 
> على هذا النحو، مرة كل ثلاثة أعوام، وبصورة شديدة الانتظام، راح جون لوكاريه يرسم تلك العوالم التي تتراوح بين برودة الأماكن والصراعات، وبين حرارة البشر، متنقلاً في شتى الأماكن التي كانت مسرح الحرب الباردة، من ألمانيا إلى النمسا، من موسكو إلى نيويورك، من لندن إلى شمال اسكتلندا، إلى المخيمات الفلسطينية (في روايته المبهمة «الفتاة ذات الطبل») إلى باريس والجنوب الفرنسي والقرى الريفية البريطانية، خالقاً في الوقت ذاته عشرات الشخصيات التي تتتابع لديها، أزمات التساؤل القلق، مع رغبات الهرب، مع نوازع الغدر، مع مشاعر الحب الصارخ، وهذه الشخصيات التي يعتبر جورج سمايلي ومانغوس بيم أشهرها على الإطلاق جعلها قلم لوكاريه تعيش شتى المواقف، وهو ما يفصّله لنا أخيراً في «نفق الحمام» التي بمقدار ما هي «رواية» هي أيضاً سيرة ذاتية ومحصلة حياة، تحمل ما يمكن اعتباره ملخّصاً لأجمل ما تحفل به كتابات جون لوكاريه، عبر سرد لحظات يطرح الكاتب على نفسه فيها كل الأسئلة ولا سيما أسئلة الخوف والإخفاق.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات