عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Feb-2018

منطق المواجهة الإسرائيلية الإيرانية في سوريا *حسن أبو هنية

 الراي-تشير التطورات المتسارعة في سوريا إلى بروز منطق جديد في نمط المواجهة بين إسرائيل وإيران، ففي تطور مهم ولافت، أسقطت الدفاعات الجوية السورية مقاتلة إسرائيلية قصفت أهدافا عسكرية داخل سوريا فجر السبت الماضي، وسرعان ما اتهمت إسرائيل إيران بإسقاط الطائرة، وتنامى الحديث عن منطق المواجهة الجديد الذي يتجاوز حروب الوكالة، وعلى الرغم من حرص البلدين وكافة الأطراف الدولية والإقليمية على التهدئة وعدم التصعيد، فإن حقبة جديدة من الصراع تبرز في المنطقة، لكنها بعيدة عن منطق المواجهة الشاملة نظرا للكلفة الباهظة والعواقب الخطيرة.

 
يستند منطق المواجهة بين إيران وإسرائيل إلى قناعة إسرائيلية بأن الاستراتيجية الأميركية المتعلقة بإيران قاصرة ولا تتوافر آليات فاعلة للحد من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط عموما وفي سوريا خصوصا، فالاستراتيجية التي وضعها فريق الأمن القومي للرئيس الأميركي دونالد ترمب للتصدي لإيران تتضمن مجموعة من العناصر الأساسية تقوم على: تحييد التأثير «المزعزع للاستقرار للحكومة الإيرانية وكذلك تقييد عدوانيتها، وبخاصة دعمها للإرهاب والمسلحين»، وإعادة تنشيط التحالفات الأميركية التقليدية والشراكات الإقليمية كـ «مصد ضد التخريب الإيراني واستعادة أكبر لاستقرار توازن القوى في المنطقة»، وحرمان النظام الإيراني، وبخاصة الحرس الثوري، من تمويل «أنشطته الخبيثة» ومعارضة أنشطة الحرس الثوري، ومواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية والأسلحة الأخرى الموجهة ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وحشد المجتمع الدولي لإدانة «الانتهاكات الجسيمة للحرس الثوري» لحقوق الإنسان و»احتجازه لمواطنين أميركيين وغيرهم من الأجانب بتهم زائفة»، وحرمان النظام الإيراني من المسارات المؤدية إلى سلاح نووي.
 
كل هذه العناصر تتفق مع التوصيف الإسرائيلي، وهي تستند إلى مبررات وذرائع عدة، فبحسب البيت الأبيض إن حكومة طهران تشكل تهديدات للمصالح الأميركية وللاستقرار الإقليمي، ومن بين أبرز هذه التهديدات: السلوك المتهور للنظام الإيراني، وبخاصة الحرس الثوري، واستغلال النظام الإيراني الصراعات الإقليمية لتوسيع نفوذه الإقليمي «بالقوة وتهديد جيرانها»، وتطوير الصواريخ الباليستية وانتشارها، والدعم المادي والمالي لـ»الإرهاب والتطرف»، ودعم «الفظائع التي يرتكبها نظام الأسد ضد الشعب السوري»، والعداء تجاه إسرائيل، والتهديد «المستمر» لحرية الملاحة البحرية وبخاصة في الخليج، والهجمات الإلكترونية ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
 
لا شك أن استراتيجية ترمب النظرية تتماهى مع الطرح الإسرائيلي، فقد عكفت واشنطن منذ تدخلها في المنطقة في إطار بحثها عن حل إقليمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على حشد جبهة موحدة تضم إسرائيل والقوى العربية السنية في وجه إيران عدو واشنطن وإسرائيل اللدود، الأمر الذي دفع بنيامين نتنياهو إلى تقديم اقتراح بـتبني «مقاربة إقليمية» لإنهاء صراع الشرق الأوسط، حيث أشاد بما وصفها «فرصة غير مسبوقة تتمثل في تخلي بعض الدول العربية عن اعتبار إسرائيل عدوا، بل صارت ترى فيها حليفا في مواجهة إيران و»داعش»، القوتين التوأمين في الإسلام /المتطرف/ واللتين تهددان الجميع»، وتتوافق الرؤية المشتركة للمشروع الأميركي الإسرائيلي بـترتيبات «صفقة القرن»، التي تقوم على تصفية القضية الفلسطينية، وإدماج إسرائيل في المنطقة من خلال تأسيس تحالف أميركي إسرائيلي مع بعض دول المنطقة تحت ذريعة مواجهة الخطر المشترك المتمثل بالمنظمات «الإرهابية» والجمهورية «الإيرانية».
 
لا جدال أن إسرائيل كانت الأكثر سعادة بقدوم إدارة ترمب ورحيل أوباما، نظرا للتباين الشديد في رؤية الرجلين لإيران ودورها في المنطقة، فأوباما أنجز الاتفاق النووي مع إيران ونظر إليها كعامل استقرار، بينما ترمب لا يدع مناسبة للحديث عن الخطر الإيراني المزعزع للاستقرار، فبحسب دينيس روس: قد لا تكون أسهم الرئيس دونالد ترمب مرتفعة للغاية في الولايات المتحدة، لكن كل من أمضى مؤخراً بعض الوقت في إسرائيل أو السعودية، كما فعلتُ أنا، يمكنه أن يشهد أن الرئيس الأميركي هو من المفضلين في أوساط قادة هاتين الدولتين الشرق أوسطيتين، لكن المشكلة بالنسبة لإسرائيل لخصها دينيس روس في عنوان مقالة في مجلة «فورين بوليسي»، أن «ما يقوله ترمب بشأن إيران هو مجرد كلام»، إذ يشعر جميع أولئك الذين تحدثتُ إليهم بأن الولايات المتحدة تنازلت عن سوريا لصالح روسيا، تاركةً إسرائيل للتعامل بمفردها مع الوجود الإيراني هناك. وبطبيعة الحال، يعتقد هؤلاء أنه لو كانت الولايات المتحدة مهيأة للإشارة إلى استعدادها لوضع حدّ للتوسّع الإيراني في سوريا، فإن السلوك الروسي قد يتغيّر أيضاً–ولكن على الرغم من تركيز خطاب وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بشأن سوريا الشهر الماضي على مواجهة إيران، إلّا أنّ مسؤولي الأمن الإسرائيليين الذين تحدثتُ معهم لم يروا أي مؤشر على أن الإدارة الأميركية ستقابل أقوالها بأفعال.
 
في هذا السياق تنظر إسرائيل إلى أن الاجراءات العملية للولايات المتحدة ضد إبران في سوريا لا يمكن أن تفضي إلى الحد من نفوذها، وكان آخرها توجيه ضربة عسكرية دفاعية ضد قوات تابعة للنظام السوري ليل الأربعاء الماضي، ما أدى إلى مقتل أكثر من مئة مقاتل من الموالين للنظام بعدما باشروا بشن «هجوم غير مبرر» ضد مقر قوات سوريا الديمقراطية الذي كان بعض المستشارين الأميركيين يعملون فيه مع مقاتلين تدعمهم واشنطن، وقد شهدت المواجهة بين أميركا وإيران في سوريا تصعيدا محدودا ومحسوبا لا يرقى إلى المستوى التي ترغب فيه إسرائيل، ففي 18 مايو الماضي ضربت المقاتلات الأميركية رتلا عسكريا للمليشيات الشيعية أثناء تقدمه نحو القاعدة الأميركية، والتي كانت تهدف إلى تطويق قوات التحالف وعزلها على الأرض، وبعد الحادثة بأيام، قامت القوات الأميركية بإسقاط طائرة إيرانية مسلحة بدون طيار قالت الولايات المتحدة أنها كانت تهاجم مقاتلين أميركيين وآخرين من قوات المعارضة في منطقة التنف، وقد برهنت تلك التحركات والحوادث على استعداد «فيلق القدس» لمواجهة نفوذ الولايات المتحدة في سوريا، كما ظهر جليا في 19 يونيو الماضي عندما أعلنت القوات الأميركية عن إسقاطها طائرة إيرانية بدون طيار بالقرب من قاعدة التنف.
 
لم تنقطع الرسائل والمواجهات المحدودة بين أميركا وإيران في سورية في مناطق أخرى، فقد ظهرت ساحة جديدة للمعركة على طول وادي نهر الفرات، ففي 18 يونيو الماضي، هاجمت طائرة مقاتلة سورية قوات مدعومة من الولايات المتحدة جنوب مدينة الرقة، وهي منطقة تقوم القوات السورية فيها بدعم العمليات العسكرية التي يقودها «فيلق القدس»، الأمر الذي دفع القوات الجوية الأميركية إلى إسقاط الطائرة، وهو أمر استدعى بعث رسالة إيرانية شديدة، حيث شنت إيران هجمات بالصواريخ الباليستية على أهداف قالت أنها تابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» في الوادي، ومن ضمنه مدينة دير الزور، معللة ذلك بالانتقام من الهجمات التي نفذها التنظيم على طهران، لكن الحقيقة أن الهجمات الصاروخية كانت تستهدف جميع خصومها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وحلفاؤها.
 
خلاصة القول أن إسرائيل تدرك تماما صعوية ومخاطر الدخول في مواجهة شاملة مع إيران بمفردها، ولذلك تعمل على دفع الولايات المتحدة إلى تبني استراتيجية أكثر صرامة ضد إيران في سورية، التي تحولت حسب التصورات الإسرائيلية إلى منطقة نفوذ إيراني، وساحة رئيسية للحرس الثوري وفيلق القدس الإيراني والمليشيات الشيعية التابعة في مناطق عدة، ولا شك أن إسقاط الطائرة الإسرائيلية يعطي صورة واضحة وجلية عن حجم وحدود أي مغامرة إسرائيلية، وبهذا فإن مواجهة شاملة أصبحت أبعد على المدى القريب، لكن نذر الحرب تبقى تلوح في الأفق.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات