عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Jul-2018

احتقروه وشكَّكوا في قدراته العقلية.. قصة أبي صاحب واحدة من أكبر الشركات الآن في كندا* هديل عبدالنبي

عربي بوست - 

مصرية أرسلت تهنئة بزواج هاري وميغان فردّ عليها القصر بصورة ورسالة.. قصة فتاة تلقت رداً من الزوجين الجديدين بالأسرة المالكة
زيدان إلى يوفنتوس.. الأسطورة الفرنسي ينضم إلى رونالدو بعد استقالته من ريال مدريد
كوريا الجنوبية تعثر على سفينة روسية غارقة تحمل 200 طن من الذهب.. ماذا ستفعل به؟
بعد كشفه خيانة زوجته.. ممثلون أتراك يهاجمون المغني مصطفى جيجلي، ومقاطعة فنية له على الإذاعات ومن الحفلات!
بعد أيام من إعلان طلاقهما المفاجئ.. وليد فواز يوضح: تسرعت في الزواج من مي سليم!
 
دقَّت الساعة التاسعة صباحاً، يوم الإثنين من شهر سبتمبر/أيلول عام 2008. كان من المفترض أن أكون جالسةً خلف مكتبٍ خشبي متهالك، وأحاول البقاء مستيقِّظةً أثناء حضوري صفَّ الدراسات الاجتماعية في المرحلة الثامنة الدراسية، وكل ما يقلقني هو ما يمكن أن يسبب القلق لطفلة عمرها 13 عاماً. لكنِّي بدلاً من ذلك كنتُ جالسةً على طرف طاولة مؤتمرات جديدة لامعة في قاعة اجتماعات، تقع في وسط مدينة كالغاري الكندية، بينما دفتري الوردي المزيّن برسومات طائر البشروس مفتوحٌ أمامي.
 
 
 
يجلس بالقرب منِّي ثلاثة رجال من ذوي البشرة البيضاء، يرتدون بذلات مهندمة ذات درجات ألوان مختلفة، منكبّين على مجموعةٍ كبيرة مرتبة من أوراق جداول البيانات يراجعونها. ويجلس على يساري والدي مرتدياً بنطاله الجينز البالي، الذي خصَّصه للعمل، بينما يشبك أصابعه على الطاولة أمامه وهو غارق في أوجّ قلقه، ويتنحنح متظاهراً بأنَّه ينظف حلقه.
 
 
 
لا أتذكر كثيراً عمَّا كان يدور هذا الاجتماع بالأخص، لكنَّني أتذكر سبب وجودي هناك، وأنَّني لم أكن أشعر بالارتياح أو أنَّني أنتمي لهذا المكان أبداً. ووالدي، وهو رجل عربي يقترب لون بشرته من الأبيض، لكنَّ لهجته مختلفة عن الكنديين ذوي البشرة البيضاء، يخبر الرجال الذين يرتدون البذلات أنَّه فقد صوته ولا يمكنه التحدث، وأنني ابنته ومساعِدته، سأتحدث نيابةً عنه.
 
 
 
أمضينا الساعة التالية لذلك ووالدي يهمس في أذني باللغة العربية بصوته الخشن، وأنا «أترجم» وأجيب على الرجال. وفي لحظةٍ ما، ضحك أحد الرجال حينما رآني أهمس في أذن والدي مترجمةً ما قاله للتو، وسألني ساخراً ما إذا كان والدي قد فقد سمعه أيضاً. وعندما عدنا إلى سيارتنا أخيراً هذا الصباح، سألتُ أبي بكل سذاجة عن سبب تظاهره بأنَّه لا يمكنه التحدث، وأجاب بخجل بصوته الذي كان صارماً حينئذ: «لأنَّهم عند سماعي أتحدث بلهجتي تلك سيظنون أنِّي غبي».
 
 
 
ومنذ ذلك الوقت وأنا أحضر الكثير من الاجتماعات على تلك الشاكلة، وعندما كبرت أصبحتُ المتحدثة باسم والدي في مشروعه الصغير، والمسؤولة عن إرسال رسائل البريد الإلكتروني وكتابة الرسائل، وملء الاستمارات. وكلما أراد والدي الاجتماع بمثل هؤلاء الأشخاص بالغي الأهمية، كنتُ أشاهد الارتباك يسيطر على جميع ملامح وجوههم؛ إذ يتعجبون من أنَّه كيف لهذا الرجل الذي لا يتحدث الإنكليزية جيداً أن يصبح طليقاً في اللغة عن طريق شاشةٍ فقط.
 
 
 
والدي رجل يتحلَّى بالثقة، ويملأه الزهو والفخر، وأعتقد أنَّ تلك الخصال تجري في دمه لأنَّه أردني. فهو رجلٌ صريح وحازم ويتَّقد ذكاؤه عندما يطلق لسانه بفصاحة في بحار ألسنة أسلافنا. قليلاً ما ينطفئ هذا الرجل المفعم بالحيوية دائماً، لكن تخلّلت بعض اللحظات فترة مراهقتي وبلوغي، كان فيها رجلاً هادئاً ومتحفظاً وقانعاً. عادةً ما تشهد غرف الاجتماعات مثل تلك اللحظات، وتحدث عندما يحاول صياغة أفكاره التي تتردد في ذهنه بالعربية إلى اللغة الإنكليزية، فيواجه الكثير من النظرات الخاوية ولحظاتٍ من الإحباط.
 
 
 
خطوة امتلاك شركة صغيرة وإدارتها في كندا ليست بالأمر الهين، سواءٌ كانت مهاراتك في اللغة الإنكليزية قوية أم لا. وكذلك محاولة تنمية هذا المشروع هو أمر يتطلب المزيد من الجهد، لاسيما مع وجود عوائق الصور النمطية والقمع الممنهج.
 
 
 
ظلَّ والدي ووالدتي مواطنين منسوبين إلى كندا لأكثر من عقدين. ومنذ أن بدآ حياتهما معاً في هذه البلاد، عَمِلا بالتنظيف، والمطاعم، وحتى بيع البطانيات في الأسواق الخارجية. بَذَلا كلَّ ما في وسعهما طوال الوقت، وقاما بكل شيء من أجل تحقيق الأمان لعائلتنا، وتوفير الطعام لها، مثلما هو حال العديد من الآباء من الكنديين من مهاجري الجيل الأول.
 
 
 
وعندما قرَّر والدي بدءَ مشروعه الخاص، قرَّر أن يؤسس شيئاً ما يمكن أن نرثه عنه أنا وأخي يوماً ما، عندما نكبر بما يكفي، وتوصَّل إلى مشروع أغطية السلامة. ولكن على الناحية الأخرى، فإنَّ البقاء في السوق وسط الشركات الكندية الكبيرة لهو بمثابة صراع، لا سيما أنَّه يتولى دفّتها الرجال ذوو البشرة البيضاء. لكن على عكس بعض أصحاب الشركات الأخرى، كان والدي يناضل من أجل البقاء، في ظلِّ نظامٍ يحتقره، ويشكك في قدراته العقلية، ويعامله على أنَّه مواطن من الدرجة الثانية.
 
 
 
وبالرغم من قصص نجاح المهاجرين، التي حظيت بتغطيةٍ إعلامية كبيرة على أرض الواقع بالفعل، فإنَّ تجربة والدي هي التجربة الحقيقية التي يعيشها الكثير من الكنديين. تبلغ نسبة الكنديين غير الأصليين 22.3% وفقاً لتعداد السكان في كندا عام 2016. واعتباراً من عام 2015، مثلت نسبة أصحاب الشركات الصغيرة (الأعمال الصغيرة والمتوسطة) 97.9% من إجمالي عدد الشركات في محافظة ألبرتا، و97.9% من إجمالي عدد الشركات في كندا، وفقاً لبحثٍ أجرته الحكومة الكندية.
 
 
 
يعكف شخصٌ ما على إدارة تلك الأعمال، بالطبع ليس جميعهم من الرجال ذوي البشرة البيضاء المتخصصين. وكشفت دراسةٌ أجرتها حكومة كندا عام 2005، أنَّ روّاد الأعمال من المواطنين غير الأصليين يتمكنون من الانضمام إلى سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة بصورةٍ أسرع من غيرهم.
 
لذا سواءٌ كان نجاح هؤلاء الأشخاص في تلك البلاد مدفوعاً بالحاجة أو الرغبة، فإنَّ هناك الملايين مثل والدي في جميع أنحاء كندا، يصارعون من أجل تنمية شركاتهم، في ظلِّ التعصب وكراهية الأجانب اللذَيْن يمارسهما شعب كندا ذو البشرة البيضاء. ومع تزايد أعداد المهاجرين سعياً إلى تحقيق حياةٍ أفضل للأجيال القادمة، إمَّا أن نواجه التعصب وكراهية الأجانب ونعمل على التخلص منهما، أو نتركهما ليتفاقما ويتزايدا في المجتمع.

 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات