عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Oct-2018

«الحساسية الجديدة» لأحمد الخطيب.. قراءاتٌ في القصة القصيرة

 الدستور-د. إبراهيم خليل 

فيما يشبه التغييب المتعمَّد للقصة القصيرة عن الاهتمامات النقدية، والدراسات الأدبية، وهو بلا ريب تغييب يثير التساؤل عما إذا كانت له صلة بتقاليع جديدة تذكرنا بموضة الأزياء الباريسية، من قصة قصيرة جدا، إلى قصيرة جدا جدا Short short story  ومن قصة الومضة إلى قصة التوقيع، فإلى قصة الكلمات التي تقل عن الكلمات، في هذه الأجواء تأتي دراسة الدكتور أحمد الخطيب الموسومة بعنوان « الحساسية الجديدة قراءات في القصة القصيرة « لتؤكد أن الفن الأدبي العريق لا يمكن إلا أن يظل له مريدوه ، ومن يهتمون به، ويعكفون عليه دارسين.. باحثين.. ناقدين – نقْدًا بناءً- لدُرَره وغُرره.
يقع كتاب الدكتور أحمد الخطيب النقدي في فصول عدة أكثرها أهمية، وقيمة، في نظرنا الفصل الذي يتناول فيه ريادة (جمال أبو حمدان 1945- 2015) للتجريب في القصة القصيرة. فهو يتتبع تتبُّعا يقظا، مستعينا بحسه النقدي المرهف، جهود الكاتب ابتداء من 1970 أي انطلاقا من « أحزان كثيرة وثلاثة غزلان « مروراً بمجموعته «مكان أمام البحر» 1993 وأخيرا المجموعة « البحث عن زيزياء « 1999.
والواقع أن لجمال (أبو حمدان) فضل السبق في كتابة القصة التجريبية التي انشق فيها على تقاليد الكتابة القصصية التقليدية لدى كل من الناعوري، والإيراني، وقبلهما محمد صبحي أبو غنيمة. على أن هذه الكتابة لها خاصية ربما كانت شائكة لدى كثير من قراء الجيل الماضي؛ فهي تعتمد على مرجعيات أسطورية، وتراثية ثقافية، ومحكيات شعبية، ولهذا فإن أولئك الذين كتبوا، وتناولوا القصة من منظور المرجعيات الثقافية ظنوا أن مفلح العدوان هو أول من لجأ في « الرحى «  1995 لاستدعاء شخصياته من الماضي الموروث، وتورطوا في ما لا يقره منطق، ولا يقبل به بحث علمي. فبين صدور « أحزان كثيرة.. « وصدور « الرحى « للعدوان عشرون عامًا ونيف، فكيف يمكن أن يقال عن «الرحى» إنها أول مجموعة يعتمد فيها كاتبٌ أردنيٌ على المرجعيات الثقافية في اختيار شخوصه، لذا، فإن الدكتور الخطيب يصحِّح – على هذا الصعيد- من حيث أراد، أو لم يُردْ، أخطاء الآخرين.
 كسْر توقُّع القارئ
على أن المؤلف يواصل، في هذا الفصل، النبش في تراث (أبو حمدان) القصصي، ملقيا الضوء الكاشف على طريقته، ونهجه، في استدعاء هاتيك الشخصيات، وتوظيف تلك المرجعيات، مؤكدًا أن سندريلا - مثلا - تظهر في القصة خلافا لما هو مُتَوقَّع، إذ لا تستطيع أن تدخل قدمها في فردة الحذاء الزجاجي، فيما يظهر الأمير ضائعا تائها يحتاج لمن يقوده. وتبدو لنا زرقاء اليمامة في إحدى القصص عجوزًا شمطاء، خلافا لما هو مُنْتظرٌ، ومتوقَّع. وهذا شيء يكاد ينسحب على معظم شخصياته ذات المرجعية التراثية، عربية كانتْ أم غير عربية. 
وأبو حمدان لم يكتف بهذا اللون من التجريب، وإنما يجد الناقد الخطيب في قصصه الكثير من التقنيات السردية الحداثية، ففي بعضها يلجأ لتقنية الحلُم، وفي أخرى يلجأ للكابوس، مذكرًا بالأخطبوط. وتقنية أخرى هي المونولوج الداخلي، وتيار الوعي، مثلما هي الحال في « أحزان كثيرة وثلاثة غزلان «. وفي قصة السرير، وقصة حلم، وعودة إلى مسقط الرأس، وغيرها من قصار القصص. أما المفارقة الساخرة، فهي أيضا من التقنيات الأسلوبية التي تتجلى في عدَدٍ من قصصه التي يرصدها المؤلف، مبينًا تأثيرها الجمالي. ومن القصص التي تجلت فيها المفارقة قصة « يومُ الغبار «. ويترتَّب على بعض هذه التقنيات ألا يتقيد الكاتب بالتسلسل الزمني، وهذا ما يعبر عنه الناقد الخطيب بعبارة « تحطيم السياق الزمني التقليدي « مما يسفر عن لون من الحساسية في السرد يصفها بالحساسية الجديدة، مذكّرًا بمفهوم إدوارد الخراط لهذا المصطلح في كتاب نشره 1993 بهذا العنوان.
ولم تفتْه الإشارةُ لما يغْلبُ على قصص (أبو حمدان) من شعر، على الرغم من أن القصة، كالرواية، ينبغي لها أن تُكتب بلغة تخلو من تعَسُّف الشعْر المجازي، ومن صنعته الإيقاعيَّة. ومع ذلك، فإن القارئ يأنس لقصص الكاتب ذات اللغة الشاعرية، التي لا تبدو- غالبًا- متكلفة، ولا مُصْطنعة. فقد يمهد للقصة بأبيات من الشعر، أو يتحول فيها النثرُ لنظم موْزون، أو شبه موْزون. ومع ذلك، لا يَضْعُفُ إحساسُنا بما في هذه اللغة من عفوية، لا تسيءُ للتلقي.
على أنَّ المؤلفَ، في بداية الفصل، يدلي بمعلوماتٍ كنا نتمنى أنْ يتحقَّق منها، ويتأكد من صحة ما ذكره فيها. فقد أفاد أن الكاتب صمَتَ عقديْن ونيفاً (1970- 1993) وهذا تعبيرٌ يعني- فيما يعنيه - أنه توقف عن كتابة القصص طوال هذه المدة. وهذا في الحقيقة غير دقيق؛ لأن الكاتب واصل كتابة القصص، ونَشْرها في المجلات، ولا سيما مجلة «أفكار «، ومجلة « صوت الجيل «، وغيرهما من مجلاتٍ، وصُحُف، لكنَّه لم يقم بجمع ما نشره لإصداره في كتاب مثلما فعل لاحقًا في « مكان أمام البحر « 1993. وبعْض قصصه التي قرأناها له في الجهلات، كقصة «سيف الملك المنذر بن ماء السماء « من أكثر قصصه جودة. علاوة على هذا يغضُّ المؤلف النظر عما تواتر لدى من كتبوا عن قصص جمال (أبو حمدان) من إشاراتٍ توازنُ بين أسلوبه في الكتابة، وأسلوب زكريا تامر. وهي إشاراتٌ، أو آراءُ، كنا نتمنى أن نطَّلع على رأي المؤلف فيها، لا سيما وأنها تتكرَّرُ عند دارسين لا يُستهانُ بهم، ولا بما كتبوه.
 هند أبو الشعر
في الفصل التالي ينتقل بنا الخطيب للكاتبة، هند (أبو الشعر) التي تحتلُّ موقعًا مهمًا بين كتاب القصة، وكاتباتها، من أمثال سميرة عزام ونجوى قعوار فرح وجاذبية صدقي ووداد السكاكيني وسلمى الحفار الكزبري وغادة السمان وصوفي عبدالله وهند سلامة. فمثلما عبَّرن عن صوت الأنثى، تعَبِّرُ هي الأخرى عن هذا الصوت. وهذا قياسٌ قد لا نتَّفق معه فيه، لولا أنه عرض لنماذج نسائية في قصصها، ابتداءً من « شقوق في كف خضرة «، ومرورا بالمجابهة، والحصان، وانْتهاءً بمجموعة «عندما تصبحُ الذاكرةُ وطنًا « الصادرة عن وزارة الثقافة بعمّان 1996.
فمن النماذج النسوية التي توقَّف لديها دارسًا، متأملاً، نموذج المرأة العاملة. وهذا يظهر جليًا في قصص منها التبرير، الصقور، والسقوط بهدوء على شاطئ أزرق. فالقراءة التحليلية لهذه النماذج توضِّح لنا أن الكاتبة تقدِّمُ صورة للسيدة العاملة مغايرة لتلك الصورة المشوَّهة التي يحاول المجتمع (البطركي) فرْضَها على المرأة. ففي قصَّة علاقة – مثلا- تردُّ على أولئك الذين يزْعمون أن مغادرة المرأة البيتَ للعمل في وظيفةٍ ما يؤدي إلى انفلاتها، وتحرُّرها، من الضوابط الأخلاقية. فالموظفة- في تلك القصة - تتخذ القرار الصائب المتعلق بعواطفها، وبموقفها من الرجل، بُعَيْد لقائها الأوَّلَ به. ومن صور المرأة التي يقفنا الخطيبُ عندها صورة الأم، فهي التي تكافحُ من أجل الأبناء، لكنهم ما إنْ يشبُّوا عن الطوق حتى يبادروا للمغادرة، ناسين، أو متناسين- بكلمةٍ أدقّ - ما أغدقته عليهم من العطف، والحنان، وما قدمته من تضحيات في سبيل أنْ يصلوا لما وصلوا إليهِ، وبلغوه. ويقف بنا عند الأم الأرملة في قصة « الأماسي الشتوية «. فهي التي يتصف موقفُها من الأبناء بالإيجابية، فيما يتصف موقفُ الأب (الراحل) بالسلبية، والعِناد. وفي « الكمَّاشة « نجد أمّا أخرى، وفي « المعطف « وفي « رياح الخماسين «. على أن للقاصَّة (هند أبو الشعر) قصصًا تقِفُنا فيها عند المرأة المناضلة التي يصفُها المؤلف بالوطنية. مع أن هذا التعبير – في الواقع- غير دقيق، فهو ينسحبُ على كل امرأةٍ تنتمي لهذا الوطن، وأحسبُ أنّ مراده بهذه الكلمة أنَّها امرأة مناضلة، كتلك التي تظهرُ في قصة « رائحة الصنوبر «، إذ يمكن وصفها بالثورية، لا بالوطنية فحسب، فهي ترفض طغيان نيرون. وفي « ريح الشمال « تجد المرأة التي تمثل الضمير الحي للمجتمع الساعي للتغيير، والاستقرار، والأمان. وفي « الحصان « نجد المرأة التي تبادرُ للتخلي عن الثرثرة الجوفاء، والتسويف، والتواكل المجَّاني، وتُهْرع لتدليك الحصان المُحْتضر، فتدبُّ فيه الحياة لينهض من جديد. والنماذج النسائية في قصص هند يصعُبُ على الدارس الوقوفُ عندها جميعًا، حصرًا لا اختيارًا. ولهذا ينتقل المؤلف بنا من هذا التصنيف إلى الحديث عن السمات العامَّة للمرأة في قصص الكاتبة. فشخصياتها - بصفة عامة - من النوع الذي يُحاور القارئ، وهي في معظم الأحيان شخصيَّاتٌ واقعية، مُحْبطة، تحاول إعادة التوازن للواقع. وهي في الغالب شخصياتٌ لا أسماء لها،  وقد يُعزى ذلك لحرص الكاتبة على التنميط بحيث تبدو المرأة نموذجًا لهذا الزمن، ولغيره، مثلما هي لهذا المكان، ولغيره. وقد لفتنا الناقد الخطيبُ لشيءٍ مهمّ، وهو تجنب الكاتبة للمواقف المسبقة، المتشنجة، المنحازة من الرجل، فموقفها منه لا يتطلبُ تشويهًا، ولا موْقفا ثأريًا، ولا تصفيةً لحِساب، مما يؤثر تأثيرًا إيجابيًا في مِصْداقية الكاتبة، وإخلاصها لهذا الفنِّ، فهي تضع كلا من الرجل والمرأة معًا في مواجهة قضايا الإنسان المَسْحوق، المتعَطِّش للتغيير، والخلاص. 
 أمين فارس ملحس
ومن الجيل الماضي يتناول أحمد الخطيب قاصًا آخر هو أمين فارس ملحس. (1923- 1983) الذي صدرت له مجموعة « من وحي الواقع « في زمن مبكر 1952 ثم تبعتْها مجموعة ثانية 1973 وأخيرا « ذيول « التي صدرت بعد وفاته 1983 ومن تتبُّع المؤلف لقصص ملحس يتضح أن الكاتب يجنح للقصة النقليدية التي تكتفي بتصوير الواقع تصويرًا تسجيليًا مباشرًا يعتمد على التقرير المباشر، والسرد البسيط الساذج، الذي لا يتواني فيه عن عرْض موقفه السياسي، أو الاجتماعي، أو التربوي، عرضا مباشرا، في بناءٍ فنّي يفتقرُ للجدة، وللبصمة الذاتية التي تجعل قصصه تختلف عن قصص غيره. فمن القصص التي تتصف بهذا قصة « البطانيّة الدوليّة « وقصة « جيوب خاوية « وقد حاول ملحس أن يتجاوز ذلك في قصة « طريق الآلام « التي تروي حكاية مجاهد سقط شهيدًا في حرب عام 1948 إلا أن القصة تحولت- في رأي الناقد الخطيب - إلى تقرير صحفيّ.
ويسترعي انتباهَ الناقد ما يتجلَّى في قصص ملحس من إخفاقٍ في رسم ملامح الشخوص، فهو يميل، في معظم القصص، إلى الوصْف الخارجيّ، وهو وصفٌ يفتقر للتحليل النفسي الذي يسبُرُ أغوارَها. وقصَصِه منْ حيثُ البناء يخيِّم عليها طابعُ المقالات، على الرغم من رغبته الشديدة لتجاوز ذلك.
 ملحَس مرَّةً أخرى
أما الفصلُ الأخيرُ من الكتاب، فيعود فيه المؤلف إلى أمين فارس ملحس ثانية، ولا نعرف السببَ الذي يدعوهُ لتخصيص فصل كامل لرسْم الشخوص، مع أنه سبق أنْ أشار لذلك إشاراتٍ كثيرةً في الفصل الذي سبَقه، وقد يُعزى ذلك إلى شعوره بأنَّ ما ذكرهُ عن الشخصيات في السابق ليس كافيًا، فارادَ أنْ يُفصِّلَ هنا ما كان قد أجملهُ هناك، وأوْجزَه. فهو يتناولُ في هذا الفصل رسم الكاتب لملامح الشخوص، ويصنِّفُ الشخصيات إلى ثابتة ونامية، ويصنفها أيضا إلى: بطل محوري ثابت، وبطل محوري غير ثابت. ثم يفردُ المرأة ببحثٍ خاصٍّ من بحوث الفصل مؤكدًا أن رؤية الكاتب للمرأة تراوح بين الثبوتِ، والنموّ. فقصة « الأسْطر الحمْر» التي تدور حول استشهاد الفتاة (حياة بلابسي) تمثلُ إحدى القصص التي تنمو فيها الشخصية نموًا لافتًا للنَظَر. وعلى مستوى الطرائق المتَّبَعة في تقديم الشَخْصيّات، يجد الناقد الخطيب في قصص ملحس مراوحة بين الطريقة التقريرية المُباشرة، والطريقة التمثيليّة غير المباشرة.
ومن يُمْعن النظر في هذا الفصل، والذي سبَقه، يلاحظ تردُّدَ المؤلف بين تقريظ القصص، والتقليل من شأنها، من حيثُ الإتقانُ الفني. فكأنه يريد أنْ يقول: إن أمين فارس مَلْحَس قاصٌ، رائدٌ، من روّاد القصة، شأنه شأن الإيراني، والناعوري، وحسني فريز، ومحمد أديب العامري، ومحمد صبحي أبو غنيمة، غير أنه يختلفُ عن هؤلاء بمحاولاته الجادَّة لتجاوز القوالب الجامدة، المُتحجِّرة، وإنْ لم تكتب لمحاولاته تلك أن تنتقل بصاحبها من طور التقليد، إلى طور الحداثةِ والتجديد. 
وصفوةُ القول أنَّ الخطيبَ، بكتابه « الحساسية الجديدة « يُسلِّطُ الضوء على هذا الموْضوع « الحساسية الجديدة « في الفصل الثاني الذي يتناول فيه تجاربَ جمال (أبو حمدان) وما عداهُ من فصول يتناول فيها تجاربَ لا يَنْسَحِبُ عليها مفهوم الحساسية الجديدة إلا في القليل النادر من القصص. وهو على أيِّ حال مُساهمة منْهُ قيِّمة، ومهمَّة، وجادَّةٌ، في نقد القصة القصيرة، وهذا حَسْبُه.  
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات