عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Dec-2018

رواية «ترتر» لنزار عبد الستار: هذا النشاط مولّد للتنافس لا للغرام

 القدس العربي-حسن داوود

رواية نزار عبد الستار الجديدة مزدحمة بشخصياتها. بين هؤلاء السلطان عبدالحميد الثاني وإمبراطور ألمانيا فيلهلم الثاني اللذان التقيا في إسطنبول، وهي المحطة الأهم في جولة ثانيهما الشهيرة إلى بلدان المنطقة. أما في قمة جدول الزيارة، بحسب ما نقرأ في الرواية، فاتفاق السلطان والأمبراطور على منازعة البريطانيين على الموصل ذات الأهمية الاستراتيجية في التجارة مع الهند، وهما اتفقا على إنشاء سكة حديد برلين- بغداد والعمل على تأسيس صناعة نسيجية في الموصل تتفوّق على تلك الإنكليزية. وبين ما اتفقا عليه أيضا أن تتولى إدارة هذا المشروع الضخم فتاة كانت تعمل في حينه دليلة سياحية لوكالة توماس كوك اسمها آينور هانز، نصف التركية ونصف الألمانية، بحسب ما يدلّ اسمها.
 
تبدأ الرواية بلقاء السلطان عبد الحميد لآينور، مفوّضا إياها إدارة المشروع الضخم، واضعا في تصرّفها، هناك في الموصل، ثروات هائلة وسلطة غير محدودة. كما وعدها أيضا بالحفاظ على حياة حبيبها رودولف الغامض، الشبح والميت في ما سنقرأه من صفحات الرواية اللاحقة، ما يجعله شخصية عصية على التحديد والفهم. الآخرون في الرواية، أو في الموصل حيث توجهت أينور، كثيرون. ولا غرابة في ذلك طالما أن تلك المدينة كانت مزدحمة آنذاك بممثلي الدول المتنازعة عليها، البريطانيين والفرنسيين والروس والأتراك، وكذلك الأقوام والطوائف من المقيمين فيها. أسماء كثيرة يتعاقب ظهورها في الرواية، وهي قابلة للإضافة طالما، على سبيل المثال، أن الوالي العثماني استبدل أربع مرات، فظلت تتردّد أسماء الأربعة التي أولها نوري باشا ثم مصطفى باشا من بعده، ثم رشيد باشا، ثم الفريق أول محمد فاضل باشا. أما قناصل الدول الأخرى، وإن لم يُبدّلوا، فهم كثيرون على كل حال، ومثلهم مسؤولو المدينة من تجارها ومسؤولي إداراتها ورجال الدين فيها. ولا ننسى معاوني آينور وخدَمِها، ففيما خص ثلاثة منهم، وهم العاملون في الإشراف على مشاريعها، نجد أننا نحتاج إلى تركيز ومراجعة لنفرد أو نميّز أحدهم عن الآخر.
 
كانت لحظة نادرة، إذ لم تحظ بمثلها حتى آينور نفسها، بطلة الرواية. أما عن الموصل، فانهيار المشاريع يصعب أن يحرك فينا مشاعر الانكسار، حتى لو ارتبطت بأحلام منشئيها.
 
ولم تكتف الرواية بوصف قليل لما كانت عليه أحوال ذلك الزمن. «الأشياء» كثيرة هي أيضا، كما هي الأسماء. نقرأ ذلك في وصف المواكب مثلا، أو وصف القصور، أو، وعلى نحو أخص، الأزياء وأقمشتها (عنوان الرواية أيضا يدل «تِرتِر» يشير كذلك إلى هذا الاهتمام) من أجل أن تؤكّد الرواية على تمكّنها من الحضور في ذلك الزمن وإلمامها بما يتعدّى مجرياته وصراعاته وأحداثه. لقد بذل الكاتب جهدا كبيرا في إعادة بناء الموصل على نحو ما كانته في ذلك الزمن مازجا، لابد، معرفته بتاريخها بما تولّده عنها مخيّلته. وقد استحضر أدوات ومواد كثيرة لذلك، وهذه زحمت المكان (الرواية) بحيث لم يُترك فيه حيّز كاف تستطيع فيه الشخصيات أن تتحول عن التخطيطات الأولية التي رسمت لها. الرغبات الفردية لآينور اقتصرت على علاقتها بالشبح رودولف. ليس فقط أنها لم تُقم علاقة مع أي من الرجال الكثيرين حولها، بل لم يحدث شيء بينها وبين أي منهم يقع خارج العمل واحتياجاته. مع أن التقديم لها في الصفحات الأولى، الجامع بين جمالها وذكائها، كان يَعِد بذهاب هذه الشخصية إلى ما يتعدى العمل في المصانع وإنشاء سكة الحديد والأمل بإنشاء جامعة.
النساء والرجال كأنهم متساوون هنا، أو كأن لا شيء جانبيا يخترق الانشغال بأدوارهم السياسية أو الدبلوماسية التي يؤدّونها. لا كلمة تحتمل غواية أو دعوة لغواية. القنصل البريطاني، ومثله الفرنسي، ومثلهما الولاة العثمانيون الأربعة لم يغوهم جمال آينور، ولم يبادر أحد منهم إلى أي نوع من التقرّب إليه. وكذلك كان حال معاونيها الثلاثة الغارقين في العمل. زكريا، وهذا أحدهم، ربما كان يخطّط لشيء معها، لكن تلك النية لم يجر ذكرها إلا مرة واحدة في خاطر آينور المستنكرة لإمكان حصول شيء من ذلك أصلا. كلهم منهمكون في العمل منصرفون كليا له. كلهم جاؤوا لتأدية الأدوار التي كُلّفوا بها. الأحلام هنا هي في موضع الطموح العملي ذاته. ورغم ذلك أمكن للكاتب أن يصل بروايته إلى خاتمة حزينة. جهد السنوات العشر، من 1898 إلى 1908، جرى هدمه وحرقه على يد البريطانيين من جهة، ورجال الدين الذين وقفوا ضدّ أن تقام عيادة لمعالجة مرضى المدينة، وهذه واحدة من المؤسسات التي عملت آينور على إنشائها. أما حجة رجال الدين ضد آلة التصوير الشعاعي فكونها تكشف من أجسام البشر ما أراد الله أن يبقيه خافيا.
وها هي آينور تعود، في نهاية الرواية، إلى الالتقاء بالسلطان عبد الحميد الذي يدعوها إلى التخلي عن كل ما حلم بتحقيقه. كان منكسرا، متوجسا من احتمال إزاحته عن عرشه، ومنكفئا على نفسه لكن بجلال سلطاني. ربما كانت لحظته تلك هي ما يصنع الخاتمة الدرامية للرواية. كانت لحظة نادرة، إذ لم تحظ بمثلها حتى آينور نفسها، بطلة الرواية. أما عن الموصل، فانهيار المشاريع يصعب أن يحرك فينا مشاعر الانكسار، حتى لو ارتبطت بأحلام منشئيها.
*»ترتر» رواية نزار عبد الستار صدرت عن دار نوفل في 278 صفحة، 2018.
 
٭ روائي لبناني
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات