عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jul-2017

موت الأحزاب

الغد-نينا ل. خروشيفا
 
موسكو- قبل نحو 26 عاماً، أصدر الرئيس بوريس يلتسين مرسوماً حَظَر فعلياً عمل أجهزة الحزب الشيوعي في المصانع والجامعات وكل أماكن العمل الأخرى في مختلف أنحاء الاتحاد الروسي. ولكن مرسوم يلتسين الجريء كان في بعض النواحي غير ضروري: ذلك أن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، الذي كان ذات يوم سلاحاً تنظيمياً مخيفاً، كانت أحواله متدهورة مسبقاً بسبب وحشيته وافتقاره إلى الكفاءة، إلى الحد الذي حمل عامة الناس على عدم الاكتراث به.
واليوم، يبدو أن بعض الأحزاب السياسية التي كانت عظيمة ذات يوم في الغرب وبعض الدول الناشئة تسلك أيضاً مساراً سريعاً إلى عالَم النسيان. ولكن، في حين كان زوال الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي منطقياً تماماً، حيث جاء القرار الذي اتخذه يلتسين قبل بضعة أشهر فقط من انهيار الاتحاد السوفياتي، فإن تفسير انحدار الأحزاب السياسية الكبرى في دول مثل فرنسا والهند ليس بهذه السهولة.
في فرنسا، نجح الرئيس إيمانويل ماكرون للتو في تأمين أغلبية كبيرة في الجمعية الوطنية الفرنسية لصالح حركته التي لا يزيد عمرها عن عام واحد، لكي يرسل ظاهرياً الحزب الاشتراكي -الذي كان ماكرون ذاته منتمياً إليه عندما شغل منصب وزير الاقتصاد- إلى مزبلة تروتسكي للتاريخ. أما الحزب الرئيسي الكبير الآخر في فرنسا -حزب الجمهوريين الذي ينتمي إلى يسار الوسط- فلا يبدو أن حاله كانت أفضل كثيراً.
وحتى وقت قريب أيضاً، بدا الأمر وكأن حزب العمال في المملكة المتحدة، بزعامة اليساري المتطرف جيريمي كوربين، أصبح هو أيضا ًعلى حافة الانقراض. ولكنه مُنِح شيئاً من الإرجاء والمهلة، بفضل عجز رئيسة الوزراء المحافظة تيريزا ماي الفاضح في الحملة الانتخابية البرلمانية الأخيرة. لكن من غير المؤكد على الإطلاق ما إذا كان كوربين سيكون قادراً حقاً على توحيد وإحياء حزبه.
وفي العالم النامي، تشهد الهند تراجعاً ملحوظاً لحزب المؤتمر الوطني الهندي، حزب أول رئيس وزراء للبلاد، جواهر لال نهرو، الذي قاد البلاد إلى الاستقلال عن المملكة المتحدة. ففي ظل القيادة الأسرية الضعيفة من جانب سونيا غاندي (أرملة رئيس الوزراء المغتال راجيف غاندي، حفيد نهرو ونجل رئيسة الوزراء أنديرا غاندي) وولدها راؤول، يبدو حزب المؤتمر الوطني الآن غير قادر حتى على الحفاظ على المقاعد في معاقله التاريخية، مثل أوتار براديش. ويبدو أن خصمه الرئيسي، حزب بهاراتيا جاناتا، ضمن بالفعل انتخابات 2019 البرلمانية.
وفي جنوب أفريقيا، يواجه حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وهو حزب آخر كبير ساعد في التحرر الوطني وإسقاط نظام الفصل العنصري، انحداراً مماثلا. فبعد ثمانية عشر عاماً فقط من ترك نيلسون مانديلا الرئاسة، يتهاوى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي تحت وطأة الزعامة الفاسدة الهدّامة للرئيس جاكوب زوما. وربما يحدث انقسام رسمي بين الفصائل المتناحرة الساخطة عندما يختار حزب المؤتمر الوطني الأفريقي زعيماً جديداً في وقت لاحق من هذا العام.
بطبيعة الحال، زالت أحزاب سياسية كبرى من قبل. ففي القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كان الحزب الليبرالي، وليس حزب العمال، هو المنافس الرئيسي للمحافظين في المملكة المتحدة، وكان الحزب مزدهرا تحت قيادة شخصيات مثل ويليام جلادستون وديفيد لويد جورج. غير أن هذا انتهى قبل بضع سنوات من اندلاع الحرب العالمية الأولى، كما وصف الصحافي البريطاني جورج دانجرفيلد، الذي تحول إلى مؤرخ، في كتابه "موت إنجلترا الليبرالية الغريب".
وفي إيطاليا، شهدت الأحزاب السياسية في فترة ما بعد الحرب -الديمقراطيون المسيحيون، والشيوعيين، والاشتراكيون- شيئاً من الانقراض الجماعي، بعد فضيحة الفساد التي اندلعت في العام 1992. وفي العام التالي، مُحي حزب المحافظين في كندا عملياً في انتخابات برلمانية، حيث خسر كل مقاعده (151 مقعداً) باستثناء مقعدين.
هناك العديد من التفسيرات لسقوط الأحزاب السياسية. فقد أسهم انتقال الناخبين من أبناء الطبقة العاملة إلى الطبقة المتوسطة في سقوط الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية بقدر ما أسهم فشل النظام السوفياتي في ذلك.
وعلى نطاق أوسع، في الدول حيث تضم الحكومات الائتلافية أحزاباً تتبنى إيديولوجيات متماثلة، ربما يكون من السهل على الناخبين أن يحولوا ولاءاتهم. ويصدق هذا بشكل خاص في أيامنا هذه، حيث ينظر الناخبون على نحو متزايد إلى الأحزاب باعتبارها ماركات يمكن استبدالها إذا فشلت في مواكبة أذواق المستهلك، بدلاً من كونها نقاط تركيز للولاء القَبَلي الحصين.
وعلاوة على ذلك، أصبح الناخبون اليوم أكثر ميلاً إلى التركيز على سياسة واحدة رئيسية أو سياستين، بدلاً من التركيز على برنامج الحزب بأكمله. وهذا الفِكر هو الذي سمح بازدهار أحزاب تتبنى قضية واحدة، مثل حزب استقلال المملكة المتحدة الذي يركز على الهجرة.
ويبدو أن الاستخدام المتزايد للاستفتاءات في ديمقراطيات العالَم المتقدمة كان نتيجة مباشرة للتحول نحو السياسات الموجهة نحو  المستهلك. والمشكلة هي أن الاستفتاءات تقوض المساءلة، كما تعمل على تمكين قرارات غير مدروسة تقوم على أسئلة مبسطة، كما كان واقع الحال مع التصويت العقيم لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة. في مثل هذه المواقف، كما قال الكاتب المسرحي بيرتولت بريخت ساخراً ذات يوم، يُصبِح البديل الوحيد هو "حل الشعب وانتخاب شعب آخر".
ولكن، في حين يقطع التصويت المكتسي بصبغة الفِكر الاستهلاكي بعض الطريق نحو تفسير زوال أحزاب مثل الاشتراكيين في فرنسا، فإنه لا يفسر انحدار حزب المؤتمر الوطني الهندي وحزب المؤتمر الوطني الأفريقي. ويبدو أن مشكلة مثل هذه الأحزاب متأصلة في الغطرسة.
في حالة حزب المؤتمر الوطني الهندي، كانت هذه الغطرسة موروثة إلى حد كبير. فمن نهرو إلى أنديرا وراجيف غاندي إلى الوجه العاجز الحالي للحزب، راؤول، كانت أسرة غاندي تنظر إلى الزعامة والسيطرة على حزب المؤتمر كحق موروث لا يمكن إلغاؤه، بصرف النظر عن المهارة الفردية أو المؤهلات الفعلية.
أما عن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، فيبدو أن الغطرسة كانت أقرب إلى تلك التي رأيناها من الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي: شعور غالب بامتلاك الدولة، وهو ما يجعل الفساد يبدو أشبه بشكل من أشكال الاستحقاق الانتخابي. ويفصل مثل هذا النوع من الغطرسة الحزب عن مؤيديه الحقيقيين، الذين يجدون بعد ذلك أنه من الأسهل أن يبحثوا عن بديل أكثر صلاحية.
ولكن الموت في عالَم السياسة ليس دائماً بالضرورة. فعلى سبيل المثال، حَكَم الحزب الثوري المؤسسي في المكسيك البلاد طوال 71 عاماً، قبل أن تلحق به الهزيمة في العام 2000. وفي ذلك الوقت، كان المفترض أن الحزب الثوري المؤسسي لن يعود إلى السلطة أبداً. ولكنه بالرغم من ذلك عاد، بحلول العام 2012، مع انتخاب الرئيس الحالي إنريكي بينيا نييتو.
وربما يكون هذا الاحتمال هو السبب وراء عدم اكتراث أسرة غاندي وزوما بانحلال حزبيهما. ولكن السؤال الآن هو ما إذا كان أي شيء يعود من بين الأموات قادراً على العودة إلى ما كان عليه في سابق عهده.
 
*مؤلفة كتابي "تخيل نابوكوف: روسيا بين الفن والسياسة"، "وخروشوف المفقود: رحلة إلى غولاغ العقل الروسي"، وهي أستاذة الشؤون الدولية ومساعدة العميد للشؤون الأكاديمية في المدرسة الجديدة، وزميلة بارزة في معهد السياسات العالمية.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات