عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jul-2018

قراءة في كتاب غدير أبو سنينة «إخوتي المزينون بالريش»: بحثا عن المختلف والمؤتلف

 القدس العربي-بوشعيب الساوري

 سمح طول مقام وتنقل واحتكاك الكاتبة المهاجرة الفلسطينية الأردنية غدير أبو سنينة في بلدان أمريكا عامة وبشكل خاص بلدان أمريكا الوسطى (كوبا، بورتريكو، هندوراس، غواتيمالا، سلفادور) بالاقتراب أكثر من ثقافة تلك البلدان والغوص فيها بالاختلاط مع أهلها، وجعلها تُدخلنا إلى عوالم غاية في الإثارة والإدهاش، تميز خصوصياتها الثقافية مقارنة مع ثقافة الرحالة كان ثمرتها كتاب طريف مغر بالقراءة هو «إخوتي المزينون بالريش» (منشورات دار السويدي، 2017) الذي كُتب انطلاقا مما بقي عالقا بذاكرة الكاتبة من أسفارها ومشاهداتها وما سمعته من حكايات خلال تنقلاتها في بلدان أمريكا الوسطى وبعض ما قرأته، راصدة الخصوصيات الثقافية وتحولات الأماكن وأشكال الحضور العربي ومكانة الجالية العربية ونشاطاتها الثقافية وهو ما جعل هذه اليوميات عبارة عن بحث غير مقصود عن الجالية العربية وتاريخ هجرتها وأنشطتها وعددها، كما أنها رحلة في ذاكرة الرحلات والهجرات العربية إلى أمريكا.
كان من دواعي الغوص في هذه العوالم المدهشة هو اختلافها التام عن ثقافة الكاتبة الرحالة، وبشكل خاص الطقوس الدينية والأعياد والأطعمة والاحتفالات التي نالت النصيب الأوفر من اهتمامات الكاتبة في هذه اليوميات. وكان من بين العوالم المدهشة التي أدخلتنا لها الكاتبة وتوقفت عندها بشكل مفصل هو الاحتفالات والأعياد، وبشكل خاص الاحتفال بالموت الذي أعجبت به أيما إعجاب، والذي يتم بعيدا عن اللون الأسود، وعن النحيب والعويل والبكاء والتكدر والنكد، بل هو فرصة للتقرب من الأموات والاحتفاء معهم بالحياة، وهو يجسد ترسخ ثقافة السكان الأصليين واستمرارها رغم الغزو. كما توقفت عند احتفال لافت آخر وهو الاحتفال بالغزو الأوروبي الذي عبرت عن رفضه وتساءلت عن جدوى الاحتفال به. كما عملت الكاتبة من خلال تنقلاتها على فضح ألاعيب المستعمر الاسباني وكيف كان يتلاعب بعقول الناس ونفوسهم عبر استغلال معتقداتهم، لتنتقد جرائم الاستعمار الاسباني، ونقد كل الاحتفالات المؤيدة له، والذي يذكي هذه النزعة المقاومة لدى الكاتبة هو كونها فلسطينية ما تزال تعاني من الاحتلال الإسرائيلي، لتبرز الدور السلبي للاستعمار في طمس الكثير من المعالم الحضارية بأمريكا الوسطى، وضياع الكثير من العلوم المحلية. فهناك خلفية موجهة للكاتبة وهي كيف يصبح الوافدون والغزاة مالكي الأرض، بينما يصبح أصحابها غرباء، كما لا تفوت أي فرصة لفضح جرائم إسرائيل في كل مكان.
كما رصدت الكاتبة الاختلافات والتشابهات بين هذه البلدان على مستوى الأطعمة والاحتفالات وأصولها وكيف تمت؟ ولماذا؟ كما لم تفوّت الحديث عن الرقص والغناء والوقوف عند بعض المغنين والأغنيات وترجمتها وشرحها وتحليلها. إذ لا تقف عند حدود وصف المظاهر الثقافية المثيرة في بلدان أمريكا الوسطى، وإنما تفسر ما رأته، كما هو الأمر بالنسبة للباس. لتقدم قراءة في العادات والمعتقدات والأساطير والاحتفالات واستمرارها وتحولاتها تصاديا مع الغزو الأوروبي، مع ربطها بالثقافة المحلية للكاتبة راصدة التقاطعات والاختلافات، كما تعمل على هدم بعض التصورات والأحكام المسبقة، مثل تصنع القرف والتقزز من هذه الشعوب، عبر فعل السفر والالتقاء بالناس ومخالطتهم وتعلم لغتهم والتقرب إليهم، فليس من عاش وسافر ورأى وخالط الناس كمن سمع.
لا تحضر عين الرحالة بحياد وإنما تتفاعل مع المرئي والمشاهد والمعاش وذلك اعتمادا على ثلاث إواليات حاضرة بقوة في هذه اليوميات وهي:
الاندهاش: لا تخفي الكاتبة اندهاشها مما تراه أو تسمعه أو تعيشه خلال تنقلاتها وأسفارها.
النقد: تضعنا الكاتبة أمام نص طريف يجمع بين المعرفة والمتعة والإدهاش. ولا تكتفي بإدراج المشاهدات والمواقف بل تعبر عن موقفها منها بحس نقدي حاد احيانا.
المقارنة: انطلاقا من أسلوب مقارن فرضه فعل السفر يقود إلى الوقوف عند تقاطعات عدة بين بلدان أمريكا الوسطى، وبين هذه الأخيرة والثقافة العربية راصدة المختلف والمؤتلف.
 
٭ كاتب مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات