عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Feb-2018

تشومسكي وصراع الحضارات… فكرة خيالية ملفقة!

 القدس العربي-سعدون يخلف

يختلف نعوم تشومسكي، المفكر الأمريكي الشهير، مع غيره من نظرائه الغربيين من أمثال صموئيل هنتنغتون وبرنارد لويس في ما يخص «صراع الحضارات» المقولة التي شاعت بعد نهاية الحرب الباردة، والتي أسست لحروب وصراعات جديدة، متخذةً من الثقافة والدين محاور وتكتلاتٍ، بعد أن أرّخ سقوط المعسكر الشيوعي، الاتحاد السوفييتي، لنهاية الأيديولوجيا، إذ انتقل الصراع من صراع أيديولوجي إلى صراع بين الحضارات، حيث وُضع الإسلام في مواجهة الغرب، وصُوّر بأنه عدوٌّ يريد أن يلتهم الغرب، ويدمّر حضارته.
يرى تشومسكي في صراع الحضارات أنّه «فكرة خيالية ملفّقــة» سببها الرئيسي في رأيه، ظهور أناس يريدون هذا الصدام من أمثال أسامة بن لادن وجورج بوش، الحليفين بالأساس، هذا ما قاله جورج شيوار صراحة، وهو أحد الشخصيات البارزة في «السي أي أيه» الذي ظلّ سنواتٍ طويلة مكلفاً بمطاردة بن لادن، وكتب مؤخراً أن بن لادن وبوش حليفان وستفهم لماذا لو نظرت جيداً؟ هما يتعاونان جوهرياً
بشكل غير مباشر ويعدّان في الواقع لصراع الحضارات. ومن ثمّ، فإن السؤال المحوري الذي يحتاج إلى إجابة هو: هل يعدُّ الإسلام عدوّاً للغرب؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من إقرار حقيقة مهمّة هنا، مفادها أن أمريكا لا تخاف من الإسلام المتطرف، إن صحّ التعبير، الذي يتخذ من العنف أيديولوجية في الخطاب والممارسة، بل في كثير من الأحيان اتخذته كحليف لمحاربة الآخر، أو وسيلة لتنفيذ إستراتيجيتها «ففي خلال الفترة الممتدة بين الثمانينيات إلى التسعينيات، كان أكثر الأصوليين الإسلاميين تشدداً في أي مكان في العالم من حلفاء أمريكا المقربين، وفي حقيقة الأمر، فإن هذه المجموعات كانت تتلقى التدريب من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية من أجل الحرب في أفغانستان». كما أن أسامة بن لادن تلقى تدريباً خاصاً على يد هذه الوكالة بحسب العديد من الوثائق المسربة.
بناءً على ذلك، فإن أمريكا ضد أي دين أو فكرة أو حتّى شخص يقاوم مشروعها، ويقف في وجه مخططاتها، وبالتّالي، فهي تخاف من الإسلام لأنّه يدعو إلى الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية والغربية، والتحرر من التبعية والتخلف والجهل.. يقول تشومسكي: «من الصحيح القول إن الإسلام ربما يكون عدواً لأنّه يعتبر بمثابة قوة مستقلة (تحررية) علاوة على ذلك فإني لا أتفق مع القائلين بأنّ عداء أمريكا للإسلام ليس عقلانيا». فالإسلام يمتلك أيديولوجيا متجانسة، ورؤية أخلاقية خاصة، في السياسة والعدالة الاجتماعية، جعلت منه قوة تحرر واستقلال، ما جعله يهزم الديمقراطية في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي، لقد كتب فوكاياما عن هذه الاستقلالية والقوة التحررية التي يمتاز بها الإسلام دون غيره، في كتابه «نهاية التاريخ والرجل الأخير» قائلا: «الإسلام يشكّل أيديولوجيا متجانسة ومنتظمة، مثل الديمقراطية والشيوعية، مع دلالته الخاصة في الأخلاق، ومذهبه في السياسة والعدالة الاجتماعية، وقد هَزم الإسلام في الواقع الديمقراطية الحرة في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي موجهاً تهديداً خطيراً للممارسات التحررية».
لقد كانت الغاية ولا تزال، من التأسيس لهذا العداء بين الإسلام والغرب في نظر
تشومسكي، هي إيجاد الوسيلة لتحريك الهستيريا والخوف في نفوس الشعوب الغربية، وكبح جماح هذا المارد المقبل لأنه، كما هو معروف، أن من يريد حكم العالم «تعدّ أي قوة مستقلة في نظره عدواً محتملا، لذلك فمن المنطقي أن يكون المرء قلقاً تجاه هذه القوة، ومن المنطقي أيضاً تحريك الهستيريا والخوف حول مثل هذه القوة.
على هذا الأساس، فإن صراع الحضارات في التحليل الأخير «مجرّد فكرة خيالية ملفّقة» تخفي وراءها أفكاراً دعائية لها أساس واحد ووحيد، وهو القضاء على أي قوة مستقلة تحررية، وقد تكون الحرب على الإرهاب دعاية أمريكية، من أجل توقيف عجلة التقدم والتطور، ليس في البلدان الإسلامية وحسب، بل في كل مناطق العالم، لا سيما تلك التي تتجرّأ على معارضة السياسة الأمريكية، وتريد التحرر من هيمنتها، ألم يقرأ جورج بوش على مسامعنا بعد أحداث 11/9 ذلك المأثور التهديدي الذي يقول «من لم يكن معنا فهو ضدنا». وقد بنى الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب شعبيته على العزف على هذا الوتر الحساس عندما صرّح في العديد من الأحيان بعدائية ضد الآخر المختلف دينياً أو عرقياً، بل وصلت به الجسارة إلى القول «إن الإسلام يكرهنا»، لذلك تعهّد بإغلاق المساجد، وإبعاد أي مهاجر مسلم جديد عن الشواطئ الأمريكية، فضلا عن ذلك حتّى يبقى العالم بحاجة إلى الولايات المتحدة وقوتها.
ثمة سؤال آخر هنا، هل يمكن اعتبار فكرة «صراع الحضارات» خرافةً؟
يقدم تشومسكي إجابة في غاية الأهمية عندما يقرر بأنه لا خرافة في عالم السياسة، فخلف بلورة أي دعاية يكمن عنصر من الصحة، وإلا لا يمكنك أن تنفذ مشروعك وخططك «لذلك فإذا تناولت موضوع صراع الحضارات فإنه لا يعتبر خرافة، كما لم تكن الحرب الباردة خرافة أيضاً كذلك، لم يكن خوف هتلر من اليهود خرافة. هناك عادة عنصر من الصحة خلف بلورة أي دعاية، وإلا فلم يكن بوسعك استخدامها». مما تقدَّم نخلص إلى نتيجة مفادها أن صراع الحضارات ما هو إلا فكرة تخفي صراعاً بين مشروعين، مشروع يعمل بكل ما أوتي من قوة للهيمنة والسيطرة، وآخر يحاول بما يدّخر من قيم ومبادئ للتحرر من هذه الهيمنة والاستقلال، الأول يدّمر ويخرّب ويقضي على إنسانية الإنسان، أما الثاني فهو يبني ويعمّر ويعمل على إعادة تلك الإنسانية المفقودة، أو بعبارة مختصرة هو صراع بين التوحش والحضارة.
كاتب مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات