عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-May-2017

المغربية حنان الدرقاوي: غربتي في الوطن لا حد لها

«القدس العربي» من عبدالله الساورة: تمتاز لغة الكاتبة المغربية حنان الدرقاوي بكونها لغة جريئة، وبدون مواربة أو خجل عن الجنسِ والرغبةِ والحبِّ وهواجسه، والطموحِ المشروعِ والأمل المنكسر والعمر الذي يتبدّد في الانتظار.
ويبدو حضور المعارف الإنسانية على تباينها، كعلم النفس والتاريخ والموسيقى، لتشكل في الأخير صوت روائي متميز، فكان معها الحوار التالي:
■ العنوان مدخل أساسي لفهم سياق النص، كيف يتشكل العنوان ودلالته في مؤلفاتك؟
□ العناوين تحتل مكانة مهمة في كتاباتي، إنها المدخل إليها ومنها أعبر لثنايا النص، حين أجد العنوان المناسب أدرك أن النص لن يستعصي عليّ. العنوان واختياره فن قائم بحد ذاته، لأنه يعلن عن النص ويكثف مكنوناته. أشتغل بعناوين مؤقتة وأغيرها مع تقدم العمل، إلى أن أجد العنوان النهائي. عناويني ليست كلها مطلقة على منوال «جسر الجميلات»، فهو عنوان لحياة قاسية غير منتظرة وغير متوقعة. إنه جسر عبرته نساء من كل الثقافات والانتماءات الاجتماعية. أردته أيضا جسراً للفرح والأغنيات، لأن كل فصل معنون بعنوان أغنية تحيل إلى ظروف الاستماع إليها. لا أومن بالمطلق، فالعالم ليس أبيض وأسود وحسب. وليس هناك فرح مطلق ولا حزن مطلق، هاته الأحاسيس متداخلة، وغالبا ما نعبر من واحدة إلى أخرى في اللحظة نفسها.
■ كيف تفسرين إصرارك على إعطاء الأماكن حيزاً كبيراً في كتاباتك؟
□ المكان مهم في كتاباتي، لأنني عشت في أمكنة متعددة ومختلفة. التعلق بتفاصيل لأمكنة حماني من الانهيار في لحظات كثيرة. أتذكر وأنا طفلة لم أكن أفهم لماذا نرحل من مدينة إلى أخرى، ومن بيت إلى آخر تبعا لأهواء هوجاء. كنت أفتقد أمكنتي الأليفة، لكني أمضي إلى اكتشاف تفاصيل المكان الجديد، لكي لا أموت من الحنين. وهو ما خلّف لديّ تعلقا بتفاصيل الأمكنة. سكنت أكثر من أربعين بيتا في حياتي، وكل منزل عشت فيه أحتفظ بتفاصيله بدقة، بل إنني أتذكر الروائح والألوان. كنت أعتقد لزمن أن المكان عندي منتحر، لكنني اكتشفت من خلال كتابتي لـ«جسر الجميلات» أنني ما زلت أنضح بالأمكنة التي لم تفقد ألقها في ذاكرتي. التعلق بتفاصيل المكان هو أحد الميكانيزمات الدفاعية للطفل المضطهد والمعذب، وأنا تلك الطفلة التي تجد في التفاصيل خلاصها.
■ يلاحظ المتتبع لكتاباتك حضورا مكثفا للموسيقى الشعبية والصوفية، لماذا هذا الاستلهام، ولما تعمدين لمزج فنون إبداعية أخرى في كتاباتك؟
□ الموسيقى تحضر بشكل طاغ في كتابتي، لأنها ببساطة تصاحبني طيلة اليوم. الصوفية حاضرة، فأنا ابنة الزاوية الدرقاوية، وأحمل في داخلي إرثها. أنا مدمنة على الغناء الصوفي والحضرة، وكنت أحضر حلقات الدراويش في طفولتي البعيدة في بيت عم أبي، وهو شيخ صوفي. طفولتي هدهدها الغناء الصوفي، قبل أن يقرر أبي القطيعة مع إرث أسرته. رغم ذلك أبقيت على توجهي الصوفي سرا، إلى أن استقللت بشأني وصرت أحضر حلقات الذكر والموسيقى الصوفية وموسيقى الجذبة، كغناوة وعيساوة، التي كنت أحضر لياليها وأجذب في حضرتها. الغناء الغناوي شكل عمق روايتي «الخصر والوطن» في جو روحي تزخر به مدينة الصويرة، التي عشت فيها سنوات جميلة. الغناء يحضر أيضا في «جسر الجميلات» غناء بالأمازيغية والعربية والفرنسية. النسخة الأولى من تــــلك الرواية كانت بدون الأغاني، فكـــــرت لشهور ما الذي يمكن أن يلطف من قساوة العيش في حياة البطلة، سألت نفسي مرارا ما الذي جعل العيش ممكنا في ظل حياة قاسية؟ كان الجواب هو الغناء والفن عموما.
■ كيف تستحضرين البعد الدرامي في شخصياتك؟ ولماذا الحضور القوي للمرأة في كتاباتك؟
□ في رواياتي أشتغل على الأعماق الإنسانية ودوافع السلوكيات، حين أخلق شخصية ما فإنني حريصة على أن تلعب دورا أساسيا في الحكي. أبني شخصياتي بحيث أن السرد لا يمكن أن يستغني عنها. غالبا ما أحكم على جمالية جملة حين أوقن أنه لا يمكن الاستغناء عنها، وأنها ضرورية لاستمرار الحكي. ما يهمني أن التقطه هو كيف يتحول الدافع النفسي إلى سلوك، عبر أي طريق وميكانيزم تتحول فكرة أو دافع إلى سلوك يمكن قياسه والحكم عليه. كلنا نمتلك في داخلنا نوازع الموت، لكنْ قليلون من يجعلون من تلك الطاقة تدميرا للآخرين أو حتى لذواتهم. كيف يتحول الدافع النفسي إلى تصرف يمكن الحكم عليه. هذا هو المسار الدقيق الذي أشتغل عليه. أما الخط الدرامي فأنا أكتب الرواية والقصة بآليات المسرح، خاصة الدراما. البطل لديّ هوميري يواجه تحديات ويسعى إلى تحقيق أهداف واضحة، ويرسم طريقه وهو يواجه الصعوبات. البطل عندي تراجيدي ربما لتأُثري بالأساطير والمحكيات الدينية. أما عن حضور المرأة بقوة في كتاباتي، ذلك ببساطة لأنني امرأة وأفضل الكتابة عن الأشياء التي أفهمها، هذا إذا اعتبرنا أنه يمكن فهم أعماق المرأة، فحتى فرويد العظيم اعترف بعجزه عن فهم شخصية المرأة. أكتب عن المرأة لأني أريد أن أفهمها، ومن ثم أن أفهم ذاتي التي تظل لغزا حقيقيا في حياتي.
■ هناك لغة صادمة في نصوصك، من أين تتأتى هذه الجرأة؟ وهل الكتابة عن الجنس بطريقة ما تقود إلى الشهرة؟
□ لقد ابتدأت حياتي كقاصة بمجموعتين قصصيتين شاعريتين، كنت أعتقد أنني سأكتب بذلك الشكل، خاصة وقد نلت عنه جوائز وتكريمات. ومع هجرتي وتبعا لظروف خاصة وجدتني أكتب بلغة صادمة، لغة الواقع المر الذي كنت أتجنب الاصطدام به. لقد سقط قفازي الناعم وصرت ألتقط الواقع كما هو دون إنكار. أنا خاسرة في خطوة التحول هاته، فطريقة كتابتي السابقة الشاعرية والحالمة كانت تقودني أكثر إلى الشهرة والاعتراف. كتابة توحي أكثر مما تفضح، تهادن أكثر مما تدين. أكتب بجرأة لأنني أريد أن أعري الواقع، أن أدين هذا العالم الذي يسمح بعذاب طفلة لا ذنب لها سوى أنها مختلفة. عانيت من الاضطهاد داخل أسرتي فقط لأنني مختلفة، ولا أفكر مثل الآخرين. لقد سعيت لإرضاء الآخرين في مراحل معينة من تجربتي الحياتية والإبداعية، لكن جهودي قوبلت بالجحود ووجدتني وحيدة ومقفرة. الآن لا أريد أن أهادن أحدا، ولا يعنيني رضا الآخرين. ما يهمني هو أن أتوافق مع ذاتي واختياراتي الفنية. أغوص في كل المحرمات من دين وسياسة وجنس. لا يهمني الجنس في حد ذاته لأنه يأتي في سياق محدد في السرد. الجنس ليس اعتباطيا في كتاباتي. لا أخجل من وصف الجنس إذا كان السرد يستوجب ذلك. لابد أن نسمي الأشياء بمسمياتها. لقد عشنا الاستبداد ولا يزال يحكمنا حكم عبودي طبقي باسم الدين والمسلّمات.
■ تقولين إن «الانزلاق الأصولي للإسلام يوقظ سؤالا عاما عن الإنسان الديني، الذي لا يستطيع تجاوز مأزقه إلا بتناول نفسه كموضوع للتفكير». كيف تنظرين لهذه العلاقة المعقدة التي تفرزها ظواهر الإسلاموفوبيا في المجتمع المغربي؟
ـ بالفعل على الإنسان الديني أن يضع نفسه موضع تساؤل، وأن يسعى ليعرف نفسه. نحن لا نتقدم على المستوى الشخصي والعام إلا بمعرفة الذات. لا أعتقد أن هناك إسلاموفوبيا في المغرب، يحدث العكس هناك (علمانوفوبيا) لأن هناك جهل بالعلمانية، أصولها وأهدافها. نحتاج لننفض عنا غبار التفكير الديني الغيبي، لكي نعبر إلى زمن الإنسان. إن ما تعلمته عن فيورباخ هو أن الإنسان غاية الغايات ومادمنا نسحق الإنسان كي يسعد الغيبي فنحن سنبقى متأخرين عن ركب الحضارة.
■ قضيتِ زمناً في فرنسا، ماذا عن الغربة والتعايش ونظرة الآخر؟
□ علاقتي بفرنسا متوترة لكنها بدأت تهدأ قليلا، فأنا لم أحلم بالهجرة، ثم إن الجنود الفرنسيين قتلوا جد أبي في زاوية خليل بغلميمة. الوضع هنا مسالم ولا مشاكل في التعايش، لا أشعر بالغربة قياسا إلى ما شعرت به من غربة على أرض الوطن. مرجعياتي كانت غربية، وكنت أجد صعوبة في الاندماج منذ الصغر، حيث يقرأ زملائي الشيخ كشك، وأقرأ أنتيغون وشكسبير. عانيت كثيرا من الغربة على أرض الوطن. تألمت كثيرا وشعرت بالنبذ حتى من أمي، التي لم ترض يوما على وجودي واختلافي. من غرائب الأمور أن السب العنصري الوحيد الذي عشته هنا في فرنسا كان آت من شاب جزائري وصفني بالعربية المتسخة.
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات