عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Mar-2018

الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظله.. مذكراتتحسين قدري(1889–1986 م )

 دراسة وإعداد الدكتورة هند أبو الشعر

الحلقة السادسة عشرة
الراي - عرب الحويطات وعودة أبو تايه : اقتربت القافلة من منازل عرب الحويطات ، وهذا يعني أنها اقتربت من نهاية الرحلة ، فقد كان معسكر الأمير فيصل بن الحسين بين العقبة ومعان ، ولا نجد في مذكرات الدكتور أحمد قدري أية تفاصيل لوصول القافلة إلى منازل الحويطات ومقابلتهم لعودة أبو تايه ، فهو يذكر فقط هذه المعلومة ، في حين أن تحسين قدري توسع فيها بشكل جميل ، يقول الدكتور احمد قدري : ( واصلنا السفر إلى بير بيرين مقرّ « عودة أبو تايه « ، شيخ الحويطات ، وهناك رأينا على بئرها قطعة ( بوكستون ) العسكرية الإنجليزية معتلية الجمال ، عائدة بخيبة من التجربة التي أرادت القيام بها لتخريب خط السكة الحديدية بين جبهة فلسطين ودرعا ، وغاية ما وسعها عمله هو الاستيلاء على محطة المدورة شمال معان بحماية رجال فيصل ، وقد بتنا ليلتنا هذه ضيوفا على أبو تايه ، حتى إذا أشرق الصباح سرنا نجتاز السكة الحديدية قرب معان قاصدين أبو اللسن أمام معان مقرّ الأمير فيصل بن الحسين .. ) وبالمقابل ، فقد أورد تحسين قدري تفاصيل جيدة لهذه المرحلة من رحلة القافلة ، يقول : ( دخلنا في حدود وادي السرحان وعرب الحويطات الذي يرأسها الشيخ عودة أبو تايه ، وكنا نسير معتمدين على الآبار ، وفي بعض الأحيان نبقى ليومين أو ثلاثة بدون الماء إلى أن نصل البئر ، وكانت الجمال والهجن تتحمل العطش ، أما نحن فكنا على كثير من الضيق من شدة العطش ، وكان البعض يشرب بول الإبل ...! وعند وصولنا أحد الآبار وجدنا الماء فيه يكاد أن يكون أسود اللون ومليء بالحشرات ، حينها وضعت المحرمة « الكفية « على قليل من هذا الماء بقصد التصفية ثم شربته باشتهاء ..! وأذكر حادثة حصلت بين رجال القافلة والأرمن المرافقين ، وحصل شجار على البئر لأخذ الماء ، وأطلق احد رجال القافلة البدو النار على أحد الأرمن وجرحه ، ثم تدخلت بينهم وحللت الشجار ، وعاد السلام ، وطمأنت بعض أعضاء القافلة الذين كانوا يخشون أن رجال القافلة كانت سوف تبيدهم ، وكان أكلنا يتكونّ من القليل من الخبز اليابس ، وقليل من حبات التمر . ) ويستطرد تحسين قدري في مذكراته عندما سرد هذه الحادثة فيقول : ( ومن غريب الصدف أنني في عام 1934 أو 1935 م ذهبت إلى الإسكندرية للاصطياف ، واحتجت للذهاب إلى طبيب أسنان ، فتوجهت إلى أشهر طبيب في حينها واسمه على ما أذكر « كريكوريان « ومن سياق الحديث معه ، اكتشفت أنه كان حاضرا لمعركة البئر ، وتصافحنا وقال لي : « لولاك لكنا قتلنا جميعا « وذكر لي الحادثة كما كانت وبجميع تفاصيلها ، وقلت لنفسي : « إن الإنسان يجب أن يعمل الخير في حياته لأن هذا لا يضيع « وإنني على يقين من هذه الفلسفة الواقعية التي جربتها مرارا ، وتخلصت من الكثير من المآزق بسبب جنوحي لعمل الخير ومساعدة المحتاجين ، ورفع الظلم عن المظلومين ...» هذه المداخلة الجميلة التي قدمها تحسين قدري وهو يتحدث عن حادثة البئر في منطقة الحويطات ، وجرح أحد الأرمن ممن كانوا في القافلة من ضمن الأسر التي هربت من الإبادة ، وتخفت في جبل الدروز ، حادثة تدل على أخلاق هذا الرجل النبيل والذي يحس القارئ انه يحب الخير للآخرين .
القافلة في مضارب عودة أبو تايه :
يتابع تحسين قدري أحداث وصولهم لمضارب أبو تايه بقوله : ( كنا نسير طوال الليل ، وقد تعودت على النوم على الهجين ، أما أخي فكان على فرس سوداء « أنكلو أراب « اشتراها في دمشق ، وكانت من غنائم الجيش البريطاني التي استولى عليها الأتراك وقت التقدم في هجوم القنال ، وبعد أكثر من عشرين يوما من عناء قلة الماء والزاد في الصحراء ، وصلنا مخيم الشيخ عودة أبو تايه ، ووجدناه في مخيم كبير « مضيف « من الصوف والشعر ، وكان هو ومعه ابنه الذي نسيت اسمه ، وبيد ابنه خيزرانة ، أما هو فكان طويل القامة وذو لحية سوداء وأعين براقة ووجه صبوح وعلامات الشجاعة بادية عليه ، رحبّ بنا ترحيبا حارا ، وقال لنا : « ما دام انتم ذاهبون إلى الشريف فيصل ، فأنتم ضيوف عندي أهلا ومرحبا بكم ، ونحن هنا مغمورون بنعم الشريف .. « جلسنا في مضيف بيت الشعر ، وذبحت لنا الخرفان ، وبعد هنيهة تهيأ لنا الغداء ، طبعا كنا جميعا جياع ولم نذق الطعام الساخن منذ أكثر من 25 يوما ...! وفوجئنا بمنسف كبير يحمله أكثر من خمسة من العبيد ، وطول قطر المنسف أكثر من مترين ، وفيه الأرز ، وفي الوسط خمسة حفر تشبه أفواه البراكين ، وفيها الكثير من « السمن ؟ « الحر النيء « غير المحروق ، وفوقه حوالي الخمسين كيلوغراما من السكر الناعم ،ثم دعينا لتناول الطعام ، وبدأنا بالأكل بشهية لم أشعر بمثلها إلى الآن ...! ويذكر تحسين قدري بأن الذباب تجمع على السكر والسمن ، وان هذا لم يقلل من شهيتهم ، فكانوا يبعدون الذباب ويستمرون في الأكل ، وكانوا يأكلون الرز بالأيدي بعد غمسه بالكامل بالسمن النقي والسكر ، في حين وقف عودة أبو تايه يراقبهم ولا يأكل معهم ، وهذه من تقاليد البدو ، واستذكر تحسين قدري أنه شاهد المشهد بعينه وهو في ضيافة نوري الشعلان والشيخ عجيل الياور والشيخ طلال حريدين شيخ قرية طفس تماما مثل عودة أبو تايه ، وجميع هذه الشخصيات من الأفذاذ الذين تظهر عليهم الرجولة والهيبة وأصالة الدم العربي وقوة النظرة وطلاقة الكلام حسبما وصفهم ، وهو وصف جميل وصادق ، لأنه يتحدث عن مجموعة من قيادات تعرف أهمية أن يكونوا الطليعة في كل شيء .. والأهم طليعة في الأخلاق .
انتهت الوليمة ، ومسح المدعوين أيديهم في بيت الشعر بعد هذه الوجبة اللذيذة التي ظلّ تحسين قدري يستذكر طعمها في فمه بعد أن مرت عليه قرابة الشهر وهو لم يأكل طعاما مطبوخا ، وعند المساء غادرت القافلة مضارب الشيخ أبو تايه متوجهة إلى معسكر الأمير فيصل بن الحسين وكان قريبا من مضارب عودة أبو تايه ، واستذكر وبعد مرور كلّ هذه السنوات وهو يستعيد ذاكرته عن تلك الرحلة ، ملابس بدو الحويطات ، ولاحظ أنها تتكون من الزبونات الحريرية المصرية المعروفة ب « الصاية « واحد فوق الثاني ، وعرف أنها هدايا من الأمير فيصل بن الحسين ، كما هي الحال بتأمينه للأرز والسكر وباقي المؤن لهم ، لأنها شحيحة بسبب الحرب العالمية ومعارك قنال السويس التي منعت خط التجارة والبضائع ، وحرمت الناس منها ، وهو ما جعل البدو يتحدثون عن عطايا « أبو غازي « كما ذكر محمد علي العجلوني في مذكراته ، وهو يستذكر مسيرته إلى معسكر الأمير فيصل بن الحسين ، وما كان يسمعه في مضارب البدو عن فيصل ( أبو غازي ) كما كان يحلو لهم أن يسموه .
الوصول إلى معسكر فيصل بن الحسين :
يصف تحسين قدري مقرّ الشريف فيصل الذي دخلوه وهم يهتفون بالنشيد الوطني الذي ألفه خليل السكاكيني لهم ولحنه وهو :
أيــــهـــــا الـــــمـــولـــى الــــعـــظــيــم : فــــخـــــر كـــــــلّ الـــعــــــــرب
مــلــــكـــك الــمـــلــــك العــــظـــــــيــم : مــلــــك جــــد ك الــــنـــبــــــــــي
والنشيد من نظم وتلحين خليل السكاكيني ابن القدس .
يصف تحسين قدري لحظة الدخول على مقرّ الأمير فيصل قائلا : ( ودخلنا خيمة الشريف فيصل ، فوجدناها في غاية البساطة ، ومفروشة بالأثاث السفرى ، وكان الشريف جالسا بلباسه العربي ، وبشخصيته الجذابة ، ورحبّ بنا أجمل ترحيب ، ثم طلب مناّ أن نعيد الإنشاد في داخل الخيمة ، وكانت خيمة الشريف زيد بقرب خيمته ، وبعدها كانت خيمة رئيس أركان حرب الشمال نوري السعيد وآمر الهجانة تحسين علي ، وآمر الفوج علي جودت الأيوبي ، وآمر المدفعية جميل المدفعي وراسم سردست ، وقد خصصت لنا خيمة ، وجرى تسليم الأرمن لتسفيرهم إلى القاهرة بواسطة الجيش البريطاني ، وبقي أخي الدكتور أحمد معنا ، وكان يمثلنا ، وهو همزة الوصل بيننا وبين الشريف فيصل ) .
يقول تحسين قدري بأن البيانات التي أحضروها سرتّ الأمير فيصل ، وأنه اتصل فورا بالماريشال اللنبي بواسطة الميجر لورانس ضابط الاتصال البريطاني ، وطلب إليه أن يسرع بالهجوم على جبهة فلسطين ، على أن يقوم بحركة الالتفاف الجيش الشمالي وعرب الحويطات وعرب عنزة بقيادة نوري الشعلان ، وعرب جبل الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش ، وقد اعتمدت هذه الحركة على ما وصل الأمير فيصل من بيانات مع المجموعة والتي أصبح يمثلها الدكتور أحمد قدري .
التعيينات والأعمال الإدارية :
يبدو أن الأمير فيصل سرّ بقدوم عناصر جديدة وفعالة بإمكانات يحتاجها ، لذلك قام فورا بتعيين القادمين والإفادة من طاقاتهم العسكرية والإدارية ، يفصلّ الدكتور أحمد في مذكراته الحديث عن تفاصيل اللقاء الأول بالأمير فيصل حيث يبين أن وصولهم كان عند المساء عقب الغروب ، وأن سكرتيره فايز الغصين استقبلهم ومعه نسيب البكري ، ويعقب بأنهما « من إخواننا بالجمعية العربية الفتاة « ، كما استقبلهم فايز المؤيد وأخوه أحمد ، وقد نصبت لهم الخيام للمبيت ، وبعد استراحة قصيرة طلب الأمير رؤية الدكتور أحمد ورحبّ فيه « ببشاشته المعهودة « ، وأخبره بالتعيينات التي شملت القادمين معه ، يقول بأنه عينّ رستم حيدر رئيسا لديوانه ، ورفيق التميمي رئيسا لديوان أخيه الأمير زيد ، وتحسين قدري مرافقا خاصا له ، في حين يذكر تحسين قدري أنه عين مرافقا حربيا وخاصا للأمير ، ولكنه كان يرافق الأمير زيد في حركات الهجوم الليلي لقطع سكة الحديد والهجوم على معان والطفيلة .
يبدو من مذكرات أحمد قدري أن الأمير فيصل كان يستمع لآرائه ، وأنه فور استراحته في الخيمة طلب مقابلته ، يقول بأنه شرح للأمير ( عن الحالة الأليمة التي انتهت إليها سورية ، ونفور الأهالي من مظالم جمال باشا ، وسوء الإدارة في البلاد ، وتحينهم الفرص للانضمام تحت لوائه ، الأمر الذي لم يعد خافيا على الحكام في الأستانة ، فسحبوا جمال باشا لتخفيف التوتر في سورية ، وتخفيف شدة انتقاد حلفائهم الألمان على سوء تصرفهم في البلاد العربية ، وفكروا بتكليف المارشال ليمان فون ساندرس الذي كان قد عين قائدا عاما لجيوش تركيا في سورية ، بالإشراف على شئون سورية الإدارية أيضا ، فاعتذر بسبب الانحلال الذي بدأ يظهر في الإدارة التركية في هذه البلاد ، ونفور الأهالي من الحكم القائم ، وكانت هذه الخلاصة التي قدمها الدكتور احمد تختصر واقع الحال في سورية أمام الأمير فيصل . ...) .
بداية الحركات الحربية ومشاركة تحسين قدري :
ترد عند الدكتور احمد مادة واسعة لتحرك الأمير فيصل نحو دمشق ، في حين أن المادة في مذكرات تحسين قدري مختصرة ، وسنجمع بينهما لنبين ما ورد لدى تحسين قدري من ملحوظات عسكرية ، في حين حرص أحمد قدري على تتبع الجوانب السياسية وتحرك العشائر والفئات ، يقول أحمد قدري : ( كان الأمير فيصل يتشوق إلى سورية ونجدة مواطنيه فيها ، وأعدّ حملة من خيرة جنوده المدربين تحت قيادة نوري السعيد ، على أن يرأسها بنفسه ، وهكذا غادرت الحملة أبا اللسن في 31 أغسطس من عام 1918م قاصدة الأزرق ، وفي طريقها أرسلت مفرزة دمرت جسر السكة الحديدية الكائن بين المفرق والزرقاء ، بقصد عرقلة تموين الجيش العثماني المرابط في جبهة السلط وعمانّ ، فبلغت الأزرق في 12 أيلول ، وقد بارح الأمير فيصل أبا اللسن بالسيارة ، وكنت في معيته ، وتوقفنا في مضارب الحويطات ليصحب شيخها عودة أبو تايه ورجاله ، ولكن الشيخ تردد كثيرا بحجة احتياج أهله للزاد .. وأخذناه وابنه محمد معنا إلى الأزرق ، وعكف الأمير على مخابرة مشايخ جبل الدروز وحوران معلنا قدومه لسورية لتخليص البلاد من المظالم والأهوال التي حلت بها ، طالبا إليهم الانضمام إليه ، وكنت أقوم بوظيفة كاتب المخابرات ، ... وفي اليوم التالي وصلت الحملة العسكرية إلى الأزرق ، ثم وصلت إلى الأزرق بيارق آل نوري الشعلان لتكون تحت إمرة الأمير ، وبعد استراحة الحملة يومين في الأزرق اتجهت إلى حوران ، وبعد سفرها تحرك ركاب الأمير في السيارات من الأزرق ونزلنا في حوران قرب « أم السرب « وقد تجمعت جموع الرولة والحويطات بأطراف مقرّ الأمير ووافته مشايخ حوران مسلمةّ ، إلا أنهم التزموا خطة الحذر ، وقد اندفع من بينهم بوطنية جائشة شيخ قرية طفس « طلال حريدين « يشجعهم ويلقي الحماس بين صفوفهم .. ) ويتابع الدكتور أحمد في مذكراته تفاصيل حركة الحملة التي وصلت إلى درعا بعد تخريب السكة في المواقع التي تمر منها ، ويروي كيف استشهد شيخ قرية طفس» طلال حريدين « بعد أن جمع الأتراك قوة ألمانية – تركية وهاجمت القرية ، وعندما تمكن الهجوم البريطاني من النجاح على جبهة فلسطين ، وتمزق الجيش التركي وتراجعت قواته ، قامت حملة الأمير فيصل بأسر القوات المتراجعة من عمان ، وعندما علمت الحملة العربية أن القوات البريطانية تتجه نحو درعا ، اتجهوا نحو درعا ووصلوها قبل طلوع فجر يوم 28 أيلول ، وكان الدكتور أحمد مع لورانس أول من دخل درعا ، حيث وصلت بعدهم القوات البريطانية ، يقول احمد قدري : ( ثم غادرنا درعا قاصدين دمشق حيث بتنا في قرية غباغب ، وقبل فجر أول تشرين الأول دخل الشريف ناصر دمشق مع رجال القبائل الذين كانوا تحت لواء نوري الشعلان ومتطوعي الدروز الذين انضموا إلى الشريف ناصر بقيادة سلطان باشا الأطرش ، وأعقب ذلك دخول الحملة النظامية بقيادة نوري السعيد ثم الخيالة الاسترالية ، وبلغ مجموع القوات التركية التي أسرها العرب أكثر من 25 ألف جندي ، كما ان عددا قد يزيد على هذا أخرج من صفوف القتال بسبب المرض وإنهاك القوى والإصابة أثناء المعارك .. وهكذا دخلت قوات الحملة النظامية والبدو والمتطوعين دمشق ، بانتظار وصول الأمير فيصل بن الحسين إليها . ..) .
الحملة النظامية إلى دمشق حسب رواية تحسين قدري ( تقرر الهجوم ، وتكونت الحملة من القوة النظامية العربية بقيادة جعفر العسكري ونوري السعيد وعلي جودت وتحسين علي والقليل من السيارات المصفحة وسرية مدافع جبلية بقيادة الكابتين بيزاني ..! وأذكر أنني قد استغربت لوجود الضابط الفرنسي بيزاني بيننا ، أما القوة البدوية فكانت تحت إمرة ممثل الأمير فيصل الشريف ناصر ، أخذ الأمير فيصل يعين قواتنا النظامية ، وتوجه لإحضار قوات البدو والدروز وأهالي وادي حوران ، وكان الكلّ متخوفا ، لكن الجميع تشجع لوجود الأمير والوطنيين أمثال سلطان باشا الأطرش وشيخ طفس طلال حريدين ، وكان أخي الدكتور أحمد بصحبة الأمير يقوم بالمخابرة مع الشيوخ ويخطب عليهم طالبا منهم الانضمام إلى الثورة العربية ، ونجح الأمير في أن يشعل نار الوطنية في هذه المنطقة ، وانضم الجميع تحت لواءه ، وفي 16 سبتمبر من عام 1918 م وصلنا إلى حوران ، وفي 17 سبتمبر وصلت الحملة إلى مقرّ تل عوار في شمال درعا ، ..)
يتوقف تحسين قدري فجأة للحديث عن لورانس وهو حاضر في الحملة ، ويلاحظ أنه كان يفضل أن يكون لوحده ، ولا يأكل مع الضباط المرافقين له ، ويعرض لنمط الحياة في العسكرية البريطانية بقوله : وإن التعرض ( ؟ ) في الجيش الإنجليزي تعرض (؟ ) غريب الشكل ، يلزم ان يأكل الضباط « بريكفست « أي فطور شاي وحليب وبودنج وزبد ومربى المارملاد وسمك مدخن ، ويلزم الجميع أن يأخذوا الحمام صباحا « كامبن « بعدها يلمع الحزام ، ويلزم ان يكون الغداء على هذا المنوال ، وكان من الضباط المرافقين الميجر يانغ الذي أصبح فيما بعد مستشارا في السفارة البريطانية في بغداد ، وكان يشرف على نقليات الحملة ، والكابتن كليتون والميجر ستيرلينغ واللورد ونترتون ، وهذه معلومات على جانب كبير من الأهمية لقراءة تركيبة المساعدة البريطانية ، وهو ما لم يلتفت إليه الدكتور أحمد الذي كان مشغولا في مسيرة الحملة بالمخابرات .
الطريق إلى درعا :
يتابع تحسين قدري خط سير الحملة بالتفصيل ، ونظرا لأهمية هذه التفاصيل قبل دخول دمشق ، سنوردها كاملة : ( في 24 سبتمبر عام 1918 م علمنا أن الهجوم البريطاني قد نجح ، وأن الجيش التركي بدأ بالانسحاب بعدما تمزق وانهارت قوته المعنوية من بعد تخريب السكة الحديد في شمال درعا ، وبما أنني كنت اعرف تلك المنطقة ، رغبت في الإسراع بالوصول إلى مزيريب لتخريب الجسر الحديدي الكبير قرب تل شهاب ، وحصل بيني وبين الميجر يانغ مشادة ، حيث طلبت إليه الإسراع في التعرض ، لكن طلبي هذا لم ينفذ ، لأن الطريقة الإنجليزية هي أن لا يهتمون باغتنام الفرص قبل تناول الفطور ..! وكانت النتيجة أن تأخرنا في تخريب هذا الجسر ، ووصلت قوة تركية كبيرة من مدافع ورشاشات للمحافظة عليه ، ومع هذا ، فقد نجحنا في تدمير جزءا كبيرا من خط السكة الحديدية ، وأسرنا الكثير من الضباط والجنود الأتراك المتراجعين من عمان ، وكانت القوة المعنوية في الجيش العثماني منهارة لدرجة مثيرة للاستغراب ، وقد رأيت منظرا لا أنساه قط ، وهو منظر اثنان من جنود البدو يسوقون أمامهم ما يزيد عن مائتين من الضباط الأتراك الذين وضعناهم في خيم ، وتكلمت معهم بالتركية ، وأخذت منهم الكثير من المعلومات الحربية المهمة ، وفي هذه الأثناء عثر على حاجيات محملة على البغال تعود إلى مصطفى كمال «اتاتورك « استلمها نوري السعيد ، ومن بين الحاجيات معطف من الفرو الفاخر ، قدمه نوري السعيد فيما بعد للأمير فيصل في دمشق ، وبعد تبدل الأوضاع في عام 1930 م أو 1931 م وخلال زيارة الملك فيصل لأنقره ، ومقابلة مصطفى كمال أتاتورك ، كانت هذه الواقعة تذكر على سبيل التندر ...!
قرية طفس وشيخها طلال حريدين :
يتابع تحسين قدري مذكرات الحملة المتوجهة إلى درعا باتجاه دمشق قائلا : ( وجاءنا خبر الاعتداء الفظيع على قرية طفس ، حيث هجمت قوات معادية كبيرة بقيادة منظمة وفنيين ألمان ، وبعض القوات الألمانية ، وبدأنا نجمع قواتنا بقصد قطع خط الرجعة على هذه القوة الكبيرة ، لكن شيخ طفس لم ينتظر استكمال الحملة ، بل أسرع بالهجوم قبلنا ، فوقع هو ومن معه شهداء الشرف ، وقصدنا الشيخ سعد في 27 سبتمبر لقطع خط العودة ، وكنت ارى القوة المسلحة المعادية في رجوعها نحو دمشق بصورة منتظمة وحافظة من قبل قوة مدربة ، وبإرشاد ضباط ألمان ، لكن ظهور القوة العربية النظامية والبدوية وراء خط انسحاب القوة التركية ، أثرّ تأثيرا كبيرا في سرعة الانسحاب ، حيث كانت فكرة الجيش العثماني في الأصل هي أن ينسحب بصورة منتظمة ، ويدافع في درعا وتلّ شهاب ، وبوادي الأردن ، وفعلا لو لم تكن القوة العربية موجودة لاستحال انتصار اللنبي وجيشه في كل من فلسطين وسورية , ومن الأحداث الأخرى أذكر بقرب الشيخ مسكين ، كان يوجد تل وفيه نقطة ارتكاز قوية ، وسقوطه بأيدي قواتنا يشكل خطرا كبيرا على القوات المتراجعة ، فهاجمنا هذا التلّ ، وخلال هجومنا هاجمتنا طائرتان ألمانيتان وقذفتانا بقنابلهما ، وعارضتهما طائرة بريطانية ، لكنها أسقطت بمقربة من قواتنا ، ونجا قائدها فأحرق طائرته خوفا من وقوعها في أيدي الجيش المنسحب . )
شجاعة الجنود الأتراك :
ورغم أن تحسين قدري يتحدث الآن من موقع ضابط عربي وقيادي في الحملة ، إلا أن هذا لم يمنعه من الشهادة بحق الجنود الأتراك الذين كانوا يقاومون في التل ، يقول : ( وهنا أريد ان أشيد ببطولة الجنود المدافعين عن القلعة التي كانت نقطة الارتكاز للانسحاب ، ولا يزيد عددهم عن 12 جنديا ، حاصرناهم ولم يستسلموا حتى بعد تشديد الحصار من كل جانب ، ولما نفذ عتادهم دافعوا عن أنفسهم بالقنابل اليدوية ، وبعدها أسروا ..) هذا نموذج للأخلاق العسكرية النبيلة ، صحيح أن تحسين قدري في هذه الحملة كان في الجانب المعادي للأتراك ، لكنه يقدر البطولة ويحترمها ، وهو من أخلاق العسكريين النبلاء .
الدخول إلى دمشق : لقد خسرنا بعض الجنود والضباط من الجيش النظامي العربي ، وكان هناك بعض الجرحى ، لكن نشوة النصر كانت ظاهرة على الجميع ، رغم الأخطار والصعوبات ، وفي 24 سبتمبر من عام 1918 م تقدمت قواتنا إلى تل لعوار بجوار درعا ، ودمرت السكة الحديدية ، وفي فجر يوم 28 منه استولينا على درعا ، وبتنا في غباغب ، وقد التحق بنا رجال القبائل من بدو الشعلان ومتطوعي الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش ، وكانت قوات العثمانيين قد انسحبت إلى دمشق ، وصباح أول أكتوبر دخلنا دمشق ، وكنت راكبا حصاني وبجواري جميل المدفعي ، وكنا نتحدث عن الثورة العربية ، وعن نشوة النصر وعن الآمال باستقلال البلاد العربية والوحدة العربية ، ولا انس الاستقبال الذي حصل لنا حين دخولنا دمشق بقيادة الشريف ناصر والجيش النظامي بقيادة نوري السعيد وعلي جودة وجميل المدفعي وتحسين علي آمر الهجانة ، وخلال مرورنا من محلة الميدان قابلتنا الأهالي بحماس شديد ، وكانت النساء تزغرد ، وكان العلم العربي قد رفع على دار الحكومة يوم 30 سبتمبر ..) .
ما هي مشاعر تحسين قدري وأحمد قدري وهما يدخلان مع القوة النظامية العربية ومع القوى البدوية ومتطوعي الدروز إلى دمشق ، على خيلهم وأهالي دمشق تحتفي بهم ، وهم من أهالي دمشق الذين هربوا قبل أشهر سرا من دمشق ، انتصارا للعروبة والحرية ، ما هي مشاعرهما وهما يعودان إلى دمشق وهي عربية وقد خرج منها الجيش العثماني والقيادة الألمانية ..؟
لا أظن أن هناك كلمات تصف هذه المشاعر النبيلة والتي تترجم الوطنية الراقية .. كان أهالي دمشق ينتظرون هذه اللحظة لتعود الأسر المنفية من الأناضول إلى دمشق العربية ، ولتمشي الحرية في شوارع بني أمية التي شهدت مشانق جمال باشا السفاح .. انتظر أهالي دمشق هذا اليوم بلهفة ، واحتفوا بدخول الأمير فيصل بن الحسين إلى دمشق حفاوة أسطورية .. وللحق فإنه يستحق هذا الاحتفاء ، لقد أعاد الحرية من جديد إلى دمشق ، فعادت الأسر المنفية إلى بيوتها المغلقة ، وتنفست رئاتهم عطر الياسمين الدمشقي ... انتظروا الحلقة القادمة لنقرأ ما كتبه تحسين قدري عن دمشق في زمن فيصل بن الحسين .. زمن الحرية والكرامة العربية ، فيصل الذي ألقى عقاله إلى الأرض صارخا عندما أعدم جمال باشا أحرار العرب في دمشق بلا رحمة :
( طاب الموت يا عرب ..! ) دمشق تستحق كلّ هذا ، تستحق الموت في سبيل الحرية
وليس الموت المجاني .... .. إلى اللقاء في الحلقة القادمة .
 

 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات