عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Oct-2018

فيلم «تاريخ الحُبّ» للسلوفينية سونيا بروسنك: الرهان على الصورة البصرية يكفي

 القدس الربي-عدنان حسين أحمد

اشتملت مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في الدورة الثانية لمهرجان الجونة السينمائي على 15 فيلما روائيا من بلدان مختلفة مثل، روسيا، فرنسا، المملكة المتحدة، إيطاليا، سلوفينيا، مصر، سوريا، فلسطين وغيرها من بلدان العالم المعروفة. ومن بين الأفلام المهمة بصريا هو فيلم «تاريخ الحب» للمخرجة السلوفينية سونيا بروسنك، الذي يتمحور تحديدا حول العلاقات العائلية، وإذا تعدّاها قليلا فإنه لا يخرج عن إطار العلاقة العاطفية التي ظلت غامضة، ومغلّفة بالأسرار بين قائد الأوكسترا إيريك «كريستوفر يونر» والمغنية الأوبرالية التي لعبت دور الأم وجسّدته الممثلة «زيتا فوسكو». ووفق هذه الرؤية الإخراجية ينبغي للمتلقي أن يصوغ القصة السينمائية لهذا الفيلم، الذي بدا فضفاضا ومُربكا بعض الشيء، ويحتاج إلى جهدٍ كبير للملمة الوقائع والأحداث التي بدت هي الأخرى تدور في الفلَكين الواقعي والرمزي، وربما تتعداهما إلى المنحى التجريدي المموّه في معظم الأحيان.
 
تسعى إيفا «دوروتيا نادرا» ذات السبعة عشر عاما لأن تتعامل مع حزنها على فقدان والدتها في حادث سير لم تتكشّف أسبابه، والدوافع التي أفضت إليه. واللافت للنظر أن إيفا لم تكن تعرف عن والدتها الشيء الكثير، لكنها ما إن تستلم الطرد البريدي الذي وصل متأخرا حتى تقرر متابعة إيريك، القائد الأوركسترالي الذي كان مرتبطا بعلاقة عاطفية مع أمها المتزوجة من مربّي النحل «ماتيا فاستل» الذي يعيش مع أفراد العائلة الثلاثة في العاصمة السلوفينية لوبيانا.
 
الصورة البصرية
 
يبدو أن هدف بروسنك هو إنجاز فيلم روائي طويل يراهن على الصورة البصرية، ولا يعوّل كثيرا على الحوار أو القصة السينمائية بمعناها الأوسع. وقد لعبت الطبيعة السلوفينية الجميلة دورا كبيرا في تأكيد هذا الرهان البصري، الذي يتمثل بالحدائق النضرة، والغابات المكتظة، والأنهار المتدفقة وحتى أحواض السباحة التي تشكِّل مدخلا مهما للولوج إلى إيفا، بوصفها مولعة بالسباحة والغوص، ليس بالمعنى الواقعي فقط وإنما بالمعنى المجازي، لأنها ستأخذنا في رحلة استقصائية تتبّع فيها شخصية الغريم إيريك الذي لا تتكشف شخصيته بسهولة. لقد ماتت الأم في حادث سيارة، لكننا لم نعرف التفاصيل الكامنة وراء هذا الحادث، تُرى هل وقع الحادث بفعل فاعل؟ أم أنها أقدمت على الانتحار لأسباب تتعلق بالخيانة الزوجية أو تأنيب الضمير؟ كل الاحتمالات تظل واردة ومفتوحة لكن الشيء الأكثر أهمية هو انغماس إيفا في حياة أمها بطريقة غريبة يتداخل فيها الواقع بالحلم.
 
هدف بروسنك هو إنجاز فيلم روائي طويل يراهن على الصورة البصرية، ولا يعوّل كثيرا على الحوار أو القصة السينمائية بمعناها الأوسع.
 
عبر ملاحقة إيفا لإيريك نستمتع بجماليات الموسيقى، خصوصا أن الفيلم في ثلثه الأول يكاد يكون خاليا من المؤثرات الصوتية، ولعل من المفيد التنبيه إلى أن الفيلم مقسّم، شعوريا أو لاشعوريا، إلى قسمين أساسيين، الأول أرضي ودليلنا هنا هو حضور الحشرات الأرضية مثل النمل الذي رأينا بعضه يدبّ على ذراع إيفا وعُنُقها. أما القسم الثاني فهو سماوي وحجتنا في ذلك سماع سقسقة العصافير وهديل الطيور وسواها من المخلوقات الأخرى، التي تعمدت المخرجة إسكاتها في بداية الفيلم وكأنها تريد من متابعيها أن يركِّزوا على ثيمة الموت وما يتشظى عنها من تداعيات خطيرة تنجم عما سيقدم عليه أحد أفراد الأسرة كالأب الذي رأيناه منزويا ومعزولا عن الحياة الاجتماعية أو البنت التي تركت أحواض السباحة وبدأت تلاحق المايسترو الذي تعتقد أنه متلبّس بالحادث أو الأخ غريغور الذي بدا لنا الأكثر ترشيحا للأخذ بثأر أمه الراحلة.
 
قصة سيريالية
 
يتعزز الخطاب البصري إلى أبعد مدى حين تلاحق إيفا غريمها في منزله ثم تتسلل من حديقة الدار إلى الغابة، ومنها إلى النهر بعد أن تمرّ بأحد شوارع المدينة المكتظة ليلا، التي تنيرها شاشات الهواتف النقالة. ربما تكون مشاهد السباحة في النهر وعبوره إلى الضفة الأخرى من أجمل مشاهد الفيلم وأكثرها جذبا لعيون المتلقين، حيث يسبحان في النهر تارة، ويعبرانه تارة أخرى لنكتشف أن غريغور يلاحق الاثنين معا، وحين يجد إيريك مُجهدا على الجانب الآخر من النهر يسدّ فمه وأنفه بقبضته القوية ولا يتركه إلاّ جثة هامدة، ثم يسحبه إلى النهر ويسلّمه لمجرى التيار النهري الذي يأخذه لمسافة قصيرة ثم تسحبه إيفا وتحاول إنقاذ حياته، لكن غريغور يمنعها من إسعافه، ومع ذلك يكحّ إيريك ويعود إلى الحياة من جديد في مشهد سيريالي لا يحدث إلاّ في أدب العبث واللامعقول. ومع ذلك لا تمنحنا القصة السينمائية أي مفتاح نلج من خلاله إلى حادثة السير، وموت الأم بهذه الطريقة المروعة.
 
سكونية الملامح
 
كثير من النقاد والمتابعين الذي شاهدوا الفيلم لم يثنوا على أداء الممثلة «دوروتيا نادرا» لأن ملامح وجهها لم تتغيّر في معظم المشاهد الطويلة التي أدّتها، بدون أن يأخذوا بنظر الاعتبار هيمنة الصورة على الحوار وطبيعة الفيلم الاستقصائية والتأملية في آنٍ معا. دوروتيا حاضرة في المشهد السينمائي السلوفيني منذ عام 2013 حين سجلت أول ظهور لها في فيلم Class enemy ثم واصلت تألقها في ستة أفلام أخرى مثل «مثابرة» و «بارون كوديلّي»، و«أنت تعرف أنني أحبك» فهي ممثلة مطواعة، وقادرة على التماهي بأدوارها، لكن بعض المخرجين يُلزمون أبطالهم بمسارات محددة تقيّدهم إلى حدٍ كبير، وهذا ما حدث بالضبط لدوروتيا في فيلم «تاريخ الحب» ولكن هذا التقييد لم يمنعها في حقيقة الأمر من استثمار الدور وتعزيزه ببعض المشاعر المحرّكة التي تمنحه بعضا من التنويع والمغايرة، خصوصا أن هناك تماسا مباشرا مع شخصيات متعددة مثل الأب في المزرعة، والأخت الصغيرة في الدار، وبعض الأصدقاء في حوض السباحة وسواها من المَشاهد المتنوعة التي يمكن أن تغيّر إيقاع الفيلم و«رتمه» الذي بدا للبعض رتيبا بسبب سكونية الملامح.
 
كثير من االمتابعين الذي شاهدوا الفيلم لم يثنوا على أداء الممثلة «دوروتيا نادرا» لأن ملامح وجهها لم تتغيّر في معظم المشاهد الطويلة التي أدّتها.
 
السرد اللاخطّي
 
ربما يحتاج المتلقي إلى العودة لفيلم المخرجة الأول وهو «الشجرة» الذي يُعتبر قصة واحدة لكنها مرصودة من ثلاث زوايا في ثلاثة فصول متتابعة تكشف صانعة الفيلم من خلالها عن الموقف المأساوي لأسرة مكونة من ثلاثة أشخاص تجد نفسها في ظرف لا تُحسد عليه نتيجة لحادث. وفي هذا الفيلم تبرع المخرجة في الحفاظ على السرد اللاخطي للموقف الدرامي المتصاعد الذي يجعل المُشاهد في حالة من التوتر الدائم بسبب اللقطات الكلوستروفوبية المأخوذة في الأماكن الضيقة أو المقفلة الأمر الذي يقودنا إلى رمزية أماكن التصوير في «تاريخ الحب» التي لا تخلو من الخطورة أو تولّد الإحساس بالضيق رغم انفتاحها اللامحدود وكأن المكان نفسه يضيق بشخصياته الثلاث الرئيسة التي كانت تتنازع على ضفة النهر المتدفق. لا بد من الإشارة إلى شخصية إيريك التي جسّدها الفنان النرويجي كريستوفر يونر، صاحب التجربة التمثيلية الطويلة نسبيا إذا ما قورن بدوروتيا التي ناصفته دور البطولة، فقد اشترك خلال رحلته الفنية بأكثر من أربعين فيلما روائيا طويلا، أبرزها «الموجة» و«العائد» وقد تألق فيها جميعا وظل مستقرا في ذاكرة مشاهديه. كان دور إيريك منوّعا وثريا بالوقائع الغامضة التي لم تتكشف كليا، لكنها أماطت اللثام عن أدائه المعبِّر طوال مدة الفيلم التي بلغت 105 دقائق.
يعدّ الفيلم في مجمله تحفة بصرية لجهة التصوير الذي أبدع فيه المصور السينمائي ميتا ليتشن، الذي سبق له أن تألق في أفلام عديدة نذكر منها «لم نذهب إلى فينيسيا من قبل» و«ارتجال» و«أنا أمثّل إذن أنا موجود» وسواها من الروائع البصرية التي يصعب نسيانها لأهمية التصوير وجمالياته التي تستفز المُشاهد على الدوام وتحثه على الاستمتاع. وإذا كان المخرج يدفن الفيلم، كما يُقال دائما، فإن المونتير يعيد إحياء الفيلم ويبث فيه الحياة من جديد عبر التقنية المونتاجية وهذا ما فعلته المونتيرة فريدا إيغيم ميكائيلسن. وفي الختام يمكن القول باطمئنان كبير أن المخرجة سونيا بروسنك ستكون واحدة من الأسماء الإخراجية المعروفة على الصعيد الأوروبي، وربما تكون واحدة من المخرجات العالميات اللواتي يُشار إليهن بالبنان كلما زاد رصيدها في هذا النمط من الأفلام الإشكالية الغامضة، التي تراهن على الصورة، ولا تعير وزنا للحوار أو القصة السينمائية إلى حد ما، فالسينما صورة قبل أن تكون كلاما أدبيا يمكن العثور عليه في القصص والروايات والأنماط السردية الأخرى.
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات