عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Jan-2018

الجزائريان نسيبة عطاء الله ونجم الدين سيدي عثمان: كاتبان في مجتمع اللاقراءة واحتضار الحريات

 القدس العربي-أجرى الحوار: سعيد خطيبي: أصدرت، مؤخرا، نسيبة عطاء الله باكورتها القصصية «فايس عشق» (دار فضاءات ـ عمان)، التي تركز على شخصيات، تبدو محبطة من واقعها، فتحاول ابتكار حيوات موازية لها في الفيسبوك، وأصدر نجم الدين سيدي عثمان باكورته الروائية «هجرة حارس الحظيرة» (دار الأمة ـ الجزائر)، التي تصور يوميات «العياشي»، شاب جزائري، تخرج من الجامعة فوجد نفسه حارسا في حظيرة سيارات، لُفقت له تهمة الإخلال بالنظام العام، بسبب مروره قرب مظاهرة شعبية، ليقرر هجر البلد، إلى جنوب إفريقيا، هناك سيخوض حياة مختلفة تنتهي بخيبة أخرى، ويعود مهزوما إلى الجزائر. الاثنان كاتبان جزائريان، من الجيل الجديد، يتحدثان، في هذا الحوار، عن منظورهما للكتابة الأدب، وعن تراجع الحريات، في بلدهما. 

■ كما لو أن شخصياتك مشغولة فقط بالبحث عن السعادة. هل يمكن أن تتحقق السعادة بالكتابة؟
□ نسيبة عطاء الله: إذا اعتبرنا السعادة هي كما يقول تولستوي: «أن‏ ‏تملك‏ ‏ثلاثة‏ ‏أشياء‏؛ ‏شيئا ‏تعمله‏ ‏وشيئا ‏تحبه وشيئا ‏تطمح‏ ‏إليه»، فلا أعتقد أن أي كاتب يستطيع الجزم بأنه أتم العمل الذي كتبه بحب كما يطمح إليه، فجميعنا تخوننا اللغة، يخوننا الوقت، وتخوننا أنفسنا وهذا ما يجعل الكاتب يُريد أن يعرف آراء القراء حول ما كتبه، وتجده يقول لأحدهم وهو يبدي بعمله الإعجاب: أسعدني رأيك، فالكتابة تحقق نوعا من السكينة لكنها تثير الكثير من الأسئلة والترقبات وبعض القلق. لكن فعل التلقي الإيجابي هو ما يجلب السعادة فعلا. أما كون شخصياتي تبدو مشغولة بالبحث عن السعادة فهذه حتمية وجودية في داخل كل منا، كلنا نبحث عن السعادة لكنني أُوافق هنري ديفيد ثورو إذ «السعادة كالفراشة كلما لاحقتها تملصت منك، لكن إن منحت اهتمامك لأمور أخرى فستجدها تحط بهدوء على كتفيك». ربما هذا ما تُحاول شخصياتي إثباته. 
■ بطل روايتك يبحث باستمرار عن ميلاد جديد، عن حياة مُختلفة. هل يمكن أن يتحقق الميلاد الجديد من خلال الكتابة؟
□ نجم الدين سيدي عثمان: نحن جميعا نبحث عن بداية جديدة، انطلاقة متجددة، لا أحد يُرضيه ما هو عليه حتى إن خطط لكل شيء فالإنسان بطبعه تواق، فما بالك بشاب جامعي مثقف لفظه المجتمع واحتضنته حظيرة سيارات غير شرعية. لقد حاولت من خلال الكتابة البحث عن ميلاد آخر لبطل الرواية «العياشي»، الذي هو كل شاب جزائري تنكر له المسؤولون ورفضه الواقع واضطر إلى هجرة سرية. لقد بحثت أيضا عن ميلاد آمن لنصي الذي استنزفني. في كل الحالات نحاول جميعا فعل شيء ما، وفي النهاية نبدو مثلما يقول فولتير إننا «سوف نترك هذا العالم بغبائه وشره كما كان عندما جئنا إليه».
■ شخصياتكم يستخدمون ـ باستمرار ـ الإنترنت، التي محت الحدود. هل يمكن للأدب ـ أيضا ـ أن يمحو الحدود؟
□ نسيبة: شخصياتي كائنات لغوية أردتُ لها أن تحمل تأشيرة الأدب في عبورها الافتراضي المتراص بدون جغرافيا، لهذا في اعتقادي أن الإنترنت لا قيمة لها بدون أدب، وهدفي في استعمال مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة الفيسبوك ـ الذي هو موضوع مجموعتي القصصية ـ هو لاكتشاف الأدب في سياقاته اليومية، واللغة بوصفها حاجة للتعبير عما هو آني وليس مشروعا مستقبليا وبوصفها أيضا حاجة للتعبير المكتوب، فأغلب المنشورات مكتوبة باللغة الفصيحة لا العامية وهذا ما يفسر أن الأدب هو الذي يفرض اللغة، وأن اللغة أيضا تحتاج إلى الأدب لاستمرارها، والكتابة الطارئة استطاعت أن تمحو حدود ما يحتاجه الأدب ليصبح في متناول الجميع، ليس خارج الجغرافيا والكتاب فقط وإنما خارج الزمن أيضا. 
□ نجم الدين: «الأشياء تتداعى» رواية كتبها تيشنوا أتشيبي عام 1958، إنها من أجمل الروايات التي يمكن أن نقرأها، لقد دخلت غالبية المناهج الدراسية لدول إفريقيا فمحت الحدود، رغم أنها كتبت في وقت الاحتلال البريطاني لنيجيريا وفي ظروف مختلفة تتعلق بعادات القبيلة وتمجيد شيخها. «زوربا اليوناني» رواية كتبت قبل 70 سنة وهي اليوم منهج وأسلوب عيش. يمكن للأدب أن يُزيل كل الحدود ويلغيها، فنقرأ بمتعة رواية أفغانية تبهجنا أو عملا سرديا آسرا من لاوس بتحميله مترجما باللغة التي نقرأ. اليوم نتجول في القاهرة ونستعيد تفاصيل ما كنا قد قرأناه في روايات نجيب محفوظ، هكذا يلغي الأدب كل الحدود ويُزيلها.
■ هل يمكن أن نفكر في تغيير المجتمع بالأدب؟ وكيف؟
□ نسيبة: ما أؤمن به هو أن الأدب حاجة فردية ملحة منبعها المجتمع، فالأديب يكتب ليُحاور واقعه ويضمّن حواراته أحلامَه في تغيير ذلك الواقع، فالذات لا تنطق من نفسها، هي تستجيب لمؤثرات خارجية واستفزازات، وهذا موضوع السوسيولوجيا الجدلية للأدب في البحث عما يربط الأدب بالسياقات الاجتماعية التي سبقت تكوينه، والتي حتما تندمج تدريجيا في فكر الأديب ورؤيته، وهو أيضا موضوع علم النفس الأدبي، حيث يرى كارل يونغ أن الإنسان توحد منذ القديم مع الطبيعة ومكوناتها ما أملكه حدسا شعوريا يمكنه من إسقاط الظواهر على أفعاله التي تفسر ما يُماثلها في الطبيعة، وهذه الإسقاطات تواترت وشكّلت نموذجا حسيا معرفيا كامنا لدى الفنان أو الأديب، وترسخ في لاشعوره، فيحوله بوعي أو بدونه إلى رمز جديد لرمز تقليدي معروف، وهذا ما يُطلق عليه بالنماذج البدائية أو ما يسمى باللاوعي الثقافي عند بيير بورديو، حيث الرؤية تتكون من رواسب اجتماعية تتجلى في أسلوب الأديب وأفكاره. الكاتب الذي يُحاكي الواقع ويتجاوزه إلى استشراف ما هو آتٍ يستطيع أن يغير الكثير لكن في عالم يصدق الأدب!
□ نجم الدين: الأمر مرتبط بوعي الشعوب وقابليتها للتغيير، إن ذلك وارد في بلدان أخرى متحضرة، يمكن أن نطلع فيها على ترتيب مُحدث لأكثر الروايات مبيعا، وحيث القراءة ضرورة أساسية وحاجة ملحة كما الأكل، أما الوضع عندنا فهو مختلف، الأدب ليس مظهرا من مظاهر الحياة الاجتماعية ولا يوجد هناك إقبال عليه ولا على القراءة ككل، أكثر الكتب مبيعا لا تسوق سوى 400 نسخة في معرض الجزائر الدولي للكتاب، وبين المعرض والمعرض خلاء، لا يُمكن ـ برأيي ـ أن يغير الأدب شيئا في مجتمع لا يقرأ ولا يُقبل على القراءة بل يعتبرها عملية ثانوية تصبح شاذة إن كانت في الأماكن العمومية.
■ الحرية هي واحدة من شروط التغيير. لكنها تراجعت في الجزائر. لماذا؟
□ نسيبة: كثيرا ما سألت نفسي هذا السؤال. لقد تحول المجتمع الجزائري إلى أفراد يحرسون بعضهم بعضا وكل واحد منهم يريد أن يبدو بالصورة المثالية التي يراها الآخر، وحتى المثقف غاص في طين الآخر حتى نسي لونَه، لهذا من الطبيعي أن ينتُج أدب لا يقول الحقيقة. جهات كثيرة مسؤولة عن هذا التراجع ومنها الجامعة التي ما زالت إلى الآن محتشمة في تناول الأدب الأكثر جرأة وتعرية للواقع، ما زالت الأسماء نفسها تتكرر في المذكرات والرسائل والأطروحات، كما ساهم احتكار المشهد الثقافي ـ من قبل فئة معينة تروج لدائرتها الأدبية ـ في هذا القمع الإبداعي. التعامل مع المبدعين الجدد بحدية واستنكار كم الأقلام التي تريد مجالا لها بحجة أن للأدب أهله، ابتعاد الكتاب والنقــــاد عن ملامسة القضايا التي تشغل الشباب ونزوحهم في الكثير من المواقف إلى الصمت أو التهريج على مواقع التواصل الاجتماعي ما جعل الأدب رفيق الصمت والوحدة.
□ نجم الدين سيدي عثمان: الحرية قيمة إنسانية مشروعة وحاجة ملحة ومقصد. في روايتي كتبت عن «شكوبيستان» وأشياء فظيعة عن واقعنا المؤلم، لكن السؤال: لو عنونت الرواية «جمهورية شكوبيستان»(نسبة إلى الجزائر) كما فكرت أول الأمر، هل كانت ستصدر؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح، هناك كتب تمنع ليست لأنها تدعو للتطرف ولكن لأنها تعبر بحرية عن وجهة نظر لا تستسيغها السلطة.
عندما نتحدث عن الحرية قد نكون أفضل من دول أخرى، حيث يمكننا أن نرسم رئيس الجمهورية بشكل كاريكاتيري، لكن في الواقع هناك تضييق على الحريات، وعلى المدونين، ومراقبة لمواقع التواصل الاجتماعي واعتقالات بسبب تدوينات وتغريدات، التظاهر ممنوع، والتجمعات تحتاج رخصا أمنية، الحواجز الأمنية في كل مكان تعطي انطباعا بأننا في حالة حرب، إنشاء الأحزاب غير متاح للجميع، وحرية الصحافة تحتضر.
■ يبدو أن الجزائري يعيش حرية ـ مقيدة ـ في بلاده، لا تكتمل سوى بمغادرته لها، أو بالفرار إلى العالم الافتراضي؟ 
□ نسيبة: الجزائري ليس مقيدا فقط وإنما هو يهرب من قيوده ليفرضها على الآخرين وهذا ما يفسر النزاعات القائمة افتراضيا، التي لا وجود لها في الواقع، ويفسر أيضا كم الأحقاد والأفكار المتشددة والعنصرية حتى بين المثقفين، ما جعل الذوات التي ترتدي الزيف في الواقع أو الصمت تنطلق على النت فأصبح حتى الافتراض واقعا آخر بأمراضه وعلله ومشاكله ولم يعد العالم الافتراضي مكانا للهرب ما دام قد رحل إليه الجميع. علينا أن نعترف بأننا نعيش تحت وطأة ظروف تجعل أي شخص يفكر بالمستقبل يحلم بالرحيل، فما الذي نتوقعه حين يصبح كل شيء مرهونا بالمحسوبية والمال؟ أنا لا أبرر هذه الأحلام للجميع، لكن لأصحاب الطموحات الفكرية خاصة. قال محمد بن عبد الكريم الجزائري الأديب والمحقق رحمه الله»: لقد ندمت على ثلاثة أمور: على القراءة، وعلى الزواج، وعلى العودة إلى الجزائر»، ولما استفسروه عن سبب ندامته، أجاب: «لو لم أقرأ لما حمَلت هم شعبي وأمتي، وإن الزواج مسؤولية تجلب الذلة، وأما الندم على العودة إلى الجزائر، فلأن تحقيق أي أمر في الجزائر يستلزم ثلاثة شروط هي: جاه فرعون ومال قارون، عصا موسى وصبر أيوب، وعمر نوح». 
□ نجم الدين: من يُهاجرون يبحثون عن أسلوب حياة يفتقدونه في بلدانهم، في الجزائر لا نملك أمكنة للفرح، فقط نركب سياراتنا ونتراكض في الطرقات نشتم بعضنا ثم نعود إلى بيوتنا محبطين، حتى الملاعب سيطر عليها المشاغبون، المسارح خاوية، والهياكل الثقافية فارغة من الحياة، الأمر لا يقتصر على الحرية، وإنما لأن الجزائري تواق إلى الفرح، إلى الشعور بإنسانيته إلى اكتساب الاحترام الذي لا يحظى به في بلده.
■ هل الحقيقة هي ما نعيشه في الواقع، أم هي ما يُفترض أن نعيشه في مواقع التواصل الاجتماعي؟
□ نسيبة: مواقع التواصل الاجتماعي ينبغي ألا تكون أكثر من نوافذ نطل منها على ما نريد، وإلا سنصحو ذات يوم على ندم كبير، وجراح لا شفاء لها. هي أكبر عدو للعلم والقراءة وأكبر قاتل للوقت وأكبر مفسد للعلاقات الأسرية، إذا لم تستعمل بعقلانية وشروط. تبقى الحقيقة الحقيقية هي ما نلمسه بحواسنا كلها، فالواقع جميل لهذا خُلقنا بمقاييسه، حتى الأصدقاء الافتراضيون هم في الواقع مختلفون جدا ورغم أن المشــاعر الإنسانية النبيلة توجـــد في الفضاء الافتراضي إلا أنها لن تكون أبدا بطعم الواقع، حيث يثبت الجسد حضوره، وإلا ما حاجة أرواحنا إلى أجساد ترتديها، لو لم تكن الأشياء في ماديتها تشكل فرقا فما حاجتنا إلى أن نولد لنكون؟ هذا ما حاولت أن تقوله النهايات الفاشلة في مجموعة «فايس عشق» الحالمة. 
□ نجم الدين: الحقيقة هي ما نعيشه في الواقع، مواقع التواصل الاجتماعي لا تعبر تماما عن حقيقة الأمور، قد توهم أحدهم أنه كاتب كبير، وفي جلسات البيع بالتوقيــــــع قد تصدمه الحقيقة المرة، وهذا ما حصل لكثيرين، في المقاهي الشعبية هناك حكايات يسردها أناس لا تشبه تلك الحكايات التي نتبادلها في «فيسبوك»، هم على سطحيتهم إيجابيون أكثر منا، فعالون، يعيشون الحياة التي يجب أن تعاش، أما المثقفون فعلى عمقهم، مشغولون بالبحث عن السقطات والزلات، سلبيون إلى حد ما، ولا يهتمون بالأمور المتعلقة بحياة المواطن.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات