عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jun-2018

الأجساد المبتورة في «أرواح كليمنجارو»

 القدس العربي-جواد السراوي

تحتفي «ذاكرة الجسد» للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي بشخصية رئيسية هي شخصية «خالد بن طوبال» الذي ترك يده المبتورة في الحرب، أيام الثورة. يحضر هذا البتر بما هو علامة وذاكرة ممتدة في الزمان والمكان، هي في الأخير ذاكرة تخييلية ممزوجة بوقائع تاريخية للذات الجزائرية، في حقبة أتت عليها الآلة الاستعمارية. ينافح خالد بن طوبال عن أرضه رفقة «سي طاهر». 
يهاجر خالد فارا من فداحة واقع جزائر ما بعد الاستقلال، يصبح رساما مشهورا، ويحدث أن يلتقي مع «حياة» ابنة رفيقه في النضال سي طاهر. يبرز الشاعر الفلسطيني «زياد» طرفا ثالثا في القصة، لكنه سرعان ما سيغتال في لبنان. ولعل قارئ رواية «أرواح كليمنجارو» للشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله سيكون قد استشعر حجم الأجساد المعطوبة التي تحتفي بها. كما أنه سيقف ـ كما في رواية ذاكرة الجسد ــ على رمزية البتر، بما هو استمرار في الزمان وانوجاد في المكان. فعلاوة على وفاء الروائي للمكان في الكتابة، عبر اجتراح ما يدور بين الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين من علاقات الصراع المشوب بالمقاومة، نلفيه يحتفي بالعطب والبتر الذي طال مجموعة من أجساد الفلسطينيين. واللافت أن هذا البتر سيكون ذريعة من بين ذرائع أخرى للمقاومة والصمود في وجه الاحتلال الغاشم. عن هذا تحكي رواية «أرواح كليمنجارو»، إنها تصوير دقيق لتفاصيل رحلة صعود غير يسيرة لأجساد معطوبة ترافقها ثلة من المتطوعين، الذين ينتمون إلى بقاع ووديانات مختلفة: جيسيكا البوذية، جون المسيحي، سهام المسلمة المحجبة، وهاري اللاديني، فضلا عن ريما المولعة بشرب القهوة وسهام المصرية الفلسطينية التي ستفقد بصرها لتسترده في ما بعد، وسوسن الأردنية الفلسطينية المغرقة في استعمال أدوات التجميل. بدون نسيان إميل، ذلك المصور السينمائي اللبناني الذي يبرز على نحو لافت في تضاريس الرواية كمتحين لتوثيق تفاصيل رحلة الصعود. ولعل ما يسترعي الانتباه أكثر هو ذلك الولع المتأصل لدى أطفال فلسطينيين ــ يوسف ونورة تحديدا ـــ ببلوغ قمة الجبل، على الرغم من صعوبات الانزلاق وتدحرج الحجارة ونقص الأوكسجين. إنه تعبير رمزي عن شكل من أشكال البقاء الذي يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى إبادته، ولعل ذلك ما ألمحت إليه مقاطع كثيرة من الرواية، إذ سرعان ما تبتعد عوالم الرواية عن رحلة الصعود لتنغمس عبر تقنية الاسترجاع في تصوير ما يقع بين الفلسطينيين تعميما والجنود الإسرائيليين. ويكفي الانتباه إلى حالة «غسان» الذي التهمت نيران المحتل جزءا كبيرا من وجهه. وسيبرز «سليم» في مستقبل السرد كعنصر مقاوم عندما يفلح في قتل مسؤول المستوطنات مناحيم . وستظل صورة العربي/ الفلسطيني نمطية في متخيل هذا الآخر الإسرائيلي، فثمة إشارات مبثوثة وصريحة تومئ بتوغل الصورة ومكرها. فـ»العرب حيوانات» و«العرب كلاب» هكذا يردد الجندي بغضب.
إجمالا، لا يمكن النظر إلى البتر في رواية «أرواح كليمنجارو» لإبراهيم نصر الله باعتباره حالة نصية عابرة مشكلة لعوالم الرواية، ممثلة في رحلة الصعود إلى قمة جبل كليمنجارو وحسب، بل إنه يحفل بإيماءات رمزية موغلة في الدلالة. وترتيبا على ذلك، يمكن اعتباره ــ في تقديرنا ـــ شكلا من أشكال المقاومة، وتصويرا دالا لأطفال فلسطينيين أصروا على صعود قمة ذلك الجبل الذي يحفل برمزية محترمة في المتخيل الجمعي.
 
٭ باحث من المغرب
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات