الدستور
قبل يومين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنّه وقّع أمراً تنفيذياً مدّد بموجبه لمدة 90 يوماً الهدنة التجارية مع الصين. فمنذ عشرين عاما والصين بالنسبة لأميريكيا مصنع ضخم، يدور بإيقاع ثابت لخدمة شهية الشركات الكبرى إلى الأرباح. شحنات البضائع تنطلق من موانئ شنغهاي وقوانغتشو كأنهار من الذهب وكان الاتفاق الضمني واضحا: نحن نوفر السوق والتكنولوجيا، وأنتم توفرون الأيدي العاملة الرخيصة بلا أسئلة. لكن التاريخ يغير مساره أمام أعيننا.
خلال تلك الفترة ارتفعت أجور العمال في الصين من دولار واحد إلى أكثر من ثمانية دولارات في الساعة، متجاوزة معظم الدول النامية في آسيا. لم يعد العامل الصيني ترسا في ماكينة عالمية فحسب، بل غدا يمتلك صوتا ومكانة وقدرة على التفاوض. الدولة عززت هذا التحول، فوسعت خدمات الصحة والتعليم والإسكان، ورفعت مستوى معيشة الملايين. هذه ليست رفاهية؛ إنها إعادة رسم للخريطة التي كانت تمنح الغرب قدرة شبه مطلقة على امتصاص القيمة من الجنوب.
التغير لم يقف عند حدود الأجور. الصين قررت أن تصنع مستقبلها بنفسها. قطاراتها فائقة السرعة تشق القارات، مصانعها تنتج الطائرات التجارية، مختبراتها تتصدر مجالات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والرقائق الدقيقة. هذه إنجازات اعتاد الغرب احتكارها، مستخدما التكنولوجيا كسوط يبقي العالم في موقع التبعية. وحين تكسر الصين هذا الاحتكار، فهي لا تحرر نفسها فقط، بل تفتح الباب أمام دول أخرى لتشب عن الطوق.
رد الفعل الغربي جاء على شكل عقوبات ومحاولات لعزل الصين اقتصاديا وتقنيا. لكنها لم تحقق هدفها، بل دفعت بكين إلى تسريع تطوير قدراتها الذاتية. ومع نفاد الأدوات الاقتصادية، بدأ الحديث يعلو عن المواجهة العسكرية. لا لأن الصين تهدد أمن الولايات المتحدة فعليا، فهي لم تطلق رصاصة في نزاع خارجي منذ أكثر من أربعة عقود، ولديها قاعدة عسكرية وحيدة خارج حدودها، بل لأن صعودها يهدد عرش الإمبراطورية الاقتصادية التي حكمت العالم منذ قرون.
القصة الحقيقية ليست صراعا بين «ديمقراطية» و»استبداد»، بل بين عالم يصر على بقاء الهيمنة في أيد قليلة، وعالم جديد يحاول أن يوزع القوة والثروة بشكل أعدل. والسؤال المشروع: هل نحن مستعدون لمواجهة عالم لا تدور فيه كل الأفلاك حول مركز واحد؟ أم أن خوفنا من المساواة أكبر من خوفنا من الحروب نفسها؟