الدستور
دولة الاحتلال لا تريد التفاوض، ولا تسعى لإنهاء هذه الحرب.
فبالرغم مما لاح في الأفق، وبجهود الوسطاء العرب في كلٍّ من مصر وقطر حول صفقة كبيرة لإنهاء الحرب على قطاع غزة ــ بموافقة جميع الأطراف ــ بحيث يخرج بموجبها خمسون مخطوفًا إسرائيليًا مقابل وقف الحرب ستين يومًا، وإطلاق عدد آخر من الأسرى الفلسطينيين تمهيدًا لإنهاء الحرب؛ إلا أن كل ذلك لم يتجاوز التصريحات الإعلامية.
والحقيقة أن دولة الاحتلال كانت تُعِد العدة لاحتلال غزة، وأصبح واضحًا أن حكومة نتنياهو المتطرفة باتت متهورة لا تملك أي رؤية مستقبلية لإنهاء الحرب، حتى لو غامرت بالمخطوفين اليهود. (فأيام صفقة شاليط قد ولّت إلى غير رجعة). ومن المتوقع أن يزداد الضغط والتصعيد من أهالي المخطوفين في الأيام القادمة، مع رفع سقف مطالبهم لحكومتهم من أجل إبرام الصفقة بأسرع وقت ممكن، بالرغم من حالة الإحباط التي تسيطر عليهم بسبب إصرار الحكومة الإسرائيلية على المضي في الحرب لا التفاوض.
الأدلة كثيرة على أن الداعم الرئيس والدافع القوي نحو الحرب، على حساب فرص التفاوض، هي الإدارة الأمريكية ذاتها تنفيذًا لتوجيهات ترامب، الذي صرّح أكثر من مرة بضرورة شن الحرب على غزة بحجة القضاء على المقاومة، بل وطالب بتهجير ما تبقى من أهلها. وما تحدث به السفير الأمريكي لدى إسرائيل ينسجم مع هذا الموقف، فهو يصرّ ويدفع باتجاه الحرب لا التفاوض، ويسعى كذلك لإفشال الحملة الأوروبية التي تطالب باعتراف المزيد من دول العالم بالدولة الفلسطينية.
من هنا، بات من الواضح أن دولة الاحتلال لا تُبدي أي نية حقيقية للدخول في مسار تفاوضي، رغم تزايد فرص التهدئة. بل تواصل المماطلة والمراوغة، مفضّلة الاستمرار في سياساتها العدوانية والتوسعية، وهو ما يعكس غياب الإرادة الصادقة للوصول إلى سلام عادل وشامل.
ختامًا، إن مواجهة تعنت الاحتلال لا تكون بالانتظار أو بالاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار، بل بتوحيد المواقف العربية والإسلامية، وتفعيل أوراق الضغط السياسية والاقتصادية والإعلامية، إلى جانب دعم صمود الشعب الفلسطيني بكل الوسائل المشروعة. لقد آن الأوان ليدرك الجميع أن قوة العرب والمسلمين تكمن في وحدتهم وإرادتهم، وأن الكلمة الموحّدة قادرة على فرض الإرادة على المجتمع الدولي لإجبار الاحتلال على الرضوخ للسلام العادل.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الأردني الكبير بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، من خلال تكثيف التواصل مع الدول المؤثرة لحثّها بقوة على وقف هذه المجزرة، والتأكيد أن استمرارها لن يجلب الأمن لإسرائيل ولن يعيد المخطوفين أحياء. وبرغم من التصعيد المستمر، يواصل الأردن دوره الإنساني وفي ظروف صعبة وخطيرة للغاية من خلال جسوره البرية والجوية، لتقديم المساعدات للأهل في قطاع غزة، وكان آخرها تزويد المستشفيات الأردنية في القطاع بما يمكّنها من أداء دورها على أكمل وجه في معالجة الجرحى والمرضى.