من مؤتة إلى غزة.. العجلوني يوثق مسار العلاقة بين الحضارتين العربية الإسلامية والغربية
موسوعة في أربعة مجلدات تتناول محطات تاريخية مفصلية
الغد-عزيزة علي
أصدر الدكتور الأردني كامل العجلوني موسوعة علمية وفكرية وتوثيقية بعنوان "الغرب والحضارة العربية الإسلامية: عداء دائم أم تعايش مضطر؟ من مؤتة إلى غزة"، في أربعة مجلدات، تناول فيها مسار العلاقات التاريخية بين الحضارتين العربية الإسلامية والغربية، وما شهدته من صراعات وتفاعلات وتحولات سياسية وثقافية ودينية على امتداد قرون.
وتتتبع الموسوعة، التي جاءت ثمرة سنوات من البحث والرجوع إلى المصادر والمراجع التاريخية، مسار العلاقة منذ الدعوة الإسلامية وبدايات الدولة الإسلامية، مرورًا بمعركة مؤتة والفتوحات الإسلامية، والحروب الصليبية والصراع العثماني الأوروبي، وصولًا إلى القضية الفلسطينية وتطوراتها المعاصرة، مع تركيز خاص على الأحداث التي شهدها قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة.
ويقدم العجلوني في موسوعته قراءة واسعة لمفهوم الحضارة ونشأتها وتطورها، ويتوقف عند عدد من الحضارات القديمة والوسيطة والحديثة، كما يبحث في العلاقة بين الدين والثقافة والسياسة، ودور التعليم والطب والخدمات الإنسانية في السياقات التاريخية للاستعمار والتبشير، وفق الرؤية التي يعرضها المؤلف في عمله.
وتناولت الموسوعة كذلك تاريخ العرب وحضاراتهم قبل الإسلام، من حضارات اليمن والأنباط وتدمر وبلاد الرافدين، إلى الحضارة العربية الإسلامية وإسهاماتها في العلوم والفنون والآداب، إلى جانب بحث العلاقة مع الحضارة الغربية والتحولات التي شهدها العالم نتيجة الثورة الصناعية والتوسع الاستعماري.
وحظيت الموسوعة بإشادات من عدد من المؤرخين والمفكرين والأكاديميين، بينهم الدكتور محمد عدنان البخيت والدكتور علي محافظة والدكتور رضوان السيد، الذين تناولوا جوانب مختلفة من العمل، من حيث اتساع مادته التاريخية وتعدد مصادره ووثائقه، والجهد الذي بذله المؤلف في جمع المادة وترتيبها وتحليلها.
وتوزعت موضوعات الموسوعة على أربعة مجلدات؛ يتناول الأول: "الحضارة الإسلامية وتطورها عبر العصور"، فيما يبحث الثاني: "في الصراع بين العرب والغرب"، ولا سيما الحروب الصليبية والصراع بين الدولة العثمانية والقوى الغربية. ويتناول الثالث: "القضية الفلسطينية وتطوراتها التاريخية"، بينما يضم الرابع: "مجموعة واسعة من الوثائق والمواثيق والإعلانات والبيانات والاتفاقيات ذات الصلة بموضوع الموسوعة".
وتسعى الموسوعة، من خلال هذا الامتداد الزمني، إلى تقديم قراءة تاريخية للعلاقة بين العرب والغرب، وطرح تساؤلات حول طبيعة هذه العلاقة وتحولاتها، وما إذا كانت اتسمت بالعداء المستمر أم فرضت عليها ظروف التاريخ والسياسة أشكالًا متعددة من التعايش والتفاعل.
وفي كلمة بعنوان: "كيف جاء هذا الكتاب؟"، أوضح العجلوني أن إنجاز عمل بهذا الحجم لا يمكن أن يتم بصورة منفردة، بل يتطلب الاستعانة بفريق من المؤرخين والمهتمين والكتاب واللغويين والفقهاء، إلى جانب عدد من السياسيين ذوي الخبرة والاطلاع على الشأن السياسي والاتصالات الدولية.
وتقدم العجلوني بالشكر والتقدير، إلى عدد من الأساتذة الذين عمل معهم وتتلمذ على يديهم خلال السنوات العشر الماضية، مشيرًا إلى أن علاقته البحثية بهم بدأت أثناء إعداده كتاب "تاريخ الطب الحديث في الأردن وفلسطين"، الذي صدر في ثلاثة أجزاء العام 2021.
وأضاف أنه بعد الانتهاء من ذلك الكتاب وأثناء مراحل إعداده، اطّلع على عدد كبير من المصادر والمراجع التي تناولت العلاقة بين الحضارتين العربية الإسلامية والغربية، ولا سيما أدوار الدول الاستعمارية، مثل إنجلترا والبرتغال وإسبانيا وهولندا وألمانيا وفرنسا وروسيا القيصرية.
وأشار إلى أن هذه الدول أدت أدوارًا مختلفة في المنطقة، من بينها النشاط التبشيري المباشر، واستخدام الطب والمراكز الصحية والمستشفيات وسيلةً للتبشير، موضحا أن عددا من هذه المؤسسات حمل تسميات مرتبطة بالجهات والدول التي أنشأتها أو أشرفت عليها.
وبيّن أن بعض المستشفيات حملت تسميات كاثوليكية، فيما ارتبط بعضها بالجهات الإنجليزية أو البروتستانتية، بينما عُرفت مستشفيات أخرى بالروسية أو المسكوبية أو الأرثوذكسية. كما أشار إلى مستشفيات حملت اسم "الأميركية"، وكانت، بحسب ما يورده في الموسوعة، مؤسسات تبشيرية بروتستانتية، إلى جانب الجامعات الأميركية التي نشأت في سياقات تبشيرية.
وأوضح العجلوني أن اهتمامه بموضوع الطب والخدمات الصحية دفعه إلى الاطلاع على عدد كبير من المصادر والمراجع ذات الصلة المباشرة وغير المباشرة، مشيرًا إلى أنه خلص، وفق ما عرضه في الموسوعة، إلى وجود علاقة وثيقة بين الاستعمار والتبشير وبعض الخدمات الإنسانية، ولا سيما الطب والتعليم.
وأوضح أن اختيار عنوان الموسوعة حدد الإطار الزمني للدراسة، فاختار معركة مؤتة نقطة بداية، وصولًا إلى الأحداث الجارية في غزة، متناولًا، بحسب طرحه، ما بينهما من أحداث وتطورات، وما يعتبره من مظاهر الصراع والتحالفات الغربية، وما رافق الحرب في غزة من قتل ودمار وتجويع وحرمان للسكان من الخدمات والاحتياجات الأساسية.
وأشار العجلوني، إلى أن قرار دراسة العلاقة بين الحضارتين قاده إلى تناول الحضارة الغربية، التي ارتبطت تاريخيًا بالمسيحية، ثم ظهور الفكر الصهيوني وتقاطعه، وفق رؤيته، مع الصهيونية المسيحية التي يربط بداياتها بحركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر، التي أفضت إلى نشوء البروتستانتية في سياق الاحتجاج على الكنيسة الكاثوليكية.
وأوضح العجلوني أن تناول الفترة الممتدة "من مؤتة إلى غزة" اقتضى، قبل الحديث عن معركة مؤتة، التوقف عند تاريخ العرب وحضارتهم قبل الإسلام، مؤكدًا أن تلك المرحلة لم تكن، بحسب رؤيته، "جاهلية مطلقة"، كما تصورها بعض الطروحات، بل شهدت حضارات عربية متقدمة.
وأشار إلى حضارات اليمن القديمة، وحضارة الأنباط في جنوبي بلاد الشام، وتدمر، والحضارات التي قامت في بلاد الرافدين، معتبرًا أن العرب كانوا يعيشون، وفق تعبيره، "جاهلية عقائدية"، وليسوا في "جاهلية حضارية"، وأن الحضارات العربية قبل الإسلام كانت، بحسب تقديره، في مستوى لا يقل عن مستوى الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية.
وذكر أن الدكتور محمد عدنان البخيت، تولى الإشراف الأساسي على العمل، فيما استعان بالدكتور علي محافظة، أستاذ الشرف في كلية الآداب بالجامعة الأردنية، إلى جانب عدد من الأكاديميين والمختصين الذين ساهموا في مراجعة العمل وتقديم الملاحظات.
وتقدم العجلوني بالشكر والتقدير إلى عدد من الشخصيات والأكاديميين الذين قال: "إن من واجبه الاعتراف بفضلهم، ومن بينهم: دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، والدكتور موسى الناظر، والدكتور عزمي محافظة، والدكتور منذر حدادين، والدكتور محمد ذنيبات، والدكتور زيدان كفافي، والدكتور محمد حتاملة، والدكتور عبد العزيز عوض، والدكتور سامي خصاونة، والدكتورة هند أبو الشعر، وحسني عايش، والدكتور همام غصيب، وصلاح جرار، والدكتور بسام شحاتيت، راعي كنيسة العقبة للروم الكاثوليك، والدكتور أحمد أشقر من فلسطين، والدكتور فايز الربيع، والدكتور إبراهيم السعافين.
من جانبه، قال الدكتور محمد عدنان البخيت، في تقديمه للموسوعة: "إن كتاب الغرب والحضارة العربية الإسلامية: عداء دائم أم تعايش مضطر؟ من مؤتة إلى غزة"، يبحث في العلاقات التاريخية بين الغرب والحضارة العربية الإسلامية، بدءًا من الدعوة النبوية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، التي شهدت قيام الدولة الإسلامية الأولى.
وأوضح البخيت أن الجزيرة العربية، توحدت لاحقًا في دولة إسلامية، قبل أن تدخل في مواجهة مع البيزنطيين في معركة مؤتة عام 8هـ/629م، لتتوالى بعد ذلك الفتوحات الإسلامية في بلاد الشام والعراق وفارس ومصر، وتتوسع حدود الدولة الإسلامية لتصل إلى الأندلس مرورًا بشمال أفريقيا.
وأشار إلى أن التوسع امتد كذلك شرقًا إلى مناطق واسعة، وصولًا إلى شبه القارة الهندية، ثم إلى الشرق الأقصى، بما في ذلك المناطق التي تُعرف اليوم بإندونيسيا وماليزيا وبروناي، فيما وصلت الدعوة الإسلامية إلى الصين.
ويشير البخيت إلى أن الموسوعة تمثل، في رأيه، "عملًا علميًا أصيلًا"، يعكس امتلاك مؤلفها وعيًا تاريخيًا عميقًا وقدرة متميزة على فهم مجريات الأحداث والوقائع المرتبطة بالعلاقة بين مكونات الحضارتين العربية الإسلامية والغربية المسيحية، وتفسيرها في الماضي والحاضر، إلى جانب تقديم رؤية مستقبلية بشأنها.
وأشاد المؤرخ الدكتور علي محافظة بالموسوعة، مبينًا أن مؤلفها تناول مفهوم الحضارة وشروط نشوئها، والنظريات التي تناولت قيام الحضارات وتراجعها وزوالها، كما بحث في دور الدين بوصفه عاملًا أساسيًا في تكوين الحضارات وتطورها.
وأشار محافظة إلى أن العجلوني استعرض أبرز الحضارات الإنسانية، بدءًا من الحضارات القديمة في بلاد ما بين النهرين، وفي مقدمتها الحضارة السومرية، والحضارة المصرية القديمة، مرورًا بالحضارة الهندية وحضارة الإنكا في أميركا الجنوبية، وصولًا إلى الحضارتين العربية الإسلامية والغربية في العصور الوسطى، والعصر الحديث.
وأضاف أن الموسوعة توسعت في بحث التأثير العالمي للثقافة العربية في مجالات الفنون والآداب والحياة القومية والفكر الديمقراطي، إلى جانب تناول أثر الثورة الصناعية في مسار تطور الحضارات والتحولات التي شهدها العالم الحديث.
ويرى الدكتور رضوان السيد في مقدمته للكتاب، أن موسوعة العجلوني تقوم على سرديتين رئيسيتين؛ تتناول الأولى ما يصفه بالمذابح الصهيونية التي امتدت، بحسب عرضه، على مدى عقود وصولًا إلى حرب غزة خلال الفترة 2023-2025، فيما تتناول الثانية تاريخ غزة والمقاومة فيها، بدءًا من عهد الإسكندر المقدوني وصولًا إلى اتفاقية أوسلو، وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة العام 2005، وسيطرة حركة حماس على القطاع العام 2007.
ويشير السيد إلى أن المؤلف يتناول كذلك الحروب العربية الإسرائيلية الأعوام 1948 و1956 و1967 و1973، وحرب لبنان العام 1982، إلى جانب ما يورده من تفاصيل حول المذابح والانتهاكات التي ينسبها إلى إسرائيل، ومواقف الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، فضلًا عن تناوله لمعركة الكرامة ودور الجيش الأردني فيها، وموقفه من حركة حماس.
ويستعرض السيد محتويات الموسوعة، التي صدرت في أربعة مجلدات، موضحًا أن المجلد الأول يتناول الحضارة الإسلامية، ويشكل، بحسب وصفه، "واسطة العقد" في العمل، إذ يمتد من فجر الإسلام إلى العهد العثماني والعصر الحديث. أما المجلد الثاني، فيتناول الصراع بين العرب والغرب، مع التركيز على الحروب الصليبية خلال الفترة 1095-1292، والصراع بين الدولة العثمانية والقوى الغربية.
ويخصص المجلد الثالث للقضية الفلسطينية، ويقدمه المؤلف بوصفه توثيقًا لجوانب متعددة من المأساة الفلسطينية، بدءًا من مطلع القرن التاسع عشر، ويتناول فيه الدعوات والمشروعات المرتبطة بالوجود اليهودي في فلسطين، وصولًا إلى التطورات اللاحقة في القضية الفلسطينية.
أما المجلد الرابع، فيضم عددًا كبيرًا من الملاحق، تتضمن مواثيق وإعلانات وبيانات واتفاقيات تعود إلى أكثر من قرن، ويرى السيد أن بعضها يقدم فوائد وثائقية، ويكشف جوانب أو يلفت الانتباه إلى قضايا تستحق الدراسة.