العبودية المختارة!*م. هاشم نايل المجالي
الدستور
عبادة أي شخصية هي تضخيم مبالغ فيه وتبجيل مطلق لزعيم سياسي يتم تصويره كشخصية خارقة معصومة أو شبهة آلهية عبر الدعاية المكثفة والإعلام بشتى أنواعه، حيث تظهر مثل هذه الشخصية في زعامات الدول العظمى صاحبة القوة العظمى والقدرات القتالية الخارقة والتحكم اللامحدود بكل شيء، وتغذى أحيانًا باستسلام الشعوب لتلك الزعامات، حيث يكون هناك ما يسمى (بالعبودية المختارة)، حيث القادة والزعماء الاستبداديون كشخصية أدولف هتلر ومن ظهر في عصرنا الحديث من زعامات على شاكلته حتى لو كانت بمظاهر وأساليب مختلفة لكن لا تقل عن شاكلة هتلر.
فحين يُستدعى الحديث عن العالم قبل البعثة النبوية غالبًا ما يُختزل المشهد في صورة وثنية بدائية تعبد الحجر وكأن المشكلة والأزمة كانت في الصنم ذاته، رغم أن الحقيقة أعمق بكثير من ذلك كله، فالوثنية التي واجهها الوحي لم تكن مجرد تماثيل حجرية مصقولة به، بل كانت بنية كاملة من الضلال وهي عبادة القوة وتقديس للعصبية وشرعنة الظلم، فلم تكن المشكلة أن البشر لم يعرفوا الله بالاسم بل أنهم عطلوا القدرة على الاستدلال عليه بالعقل، فتعطل الوعي وانعدمت القيم في هذا السياق، الفارق لم يكن دينًا جديدًا بل كزلزال أعاد تعريف الإنسان بذاته، لم يبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بإسقاط أنظمة بل بدأ بتجديد الإنسان من عبوديته لغير الله ومن خضوعه للعصبيات والخوف، فبأي ميزان ديني أو دنيوي تزن الأشياء التي نشاهدها في العالم.
العالم الذي تحول إلى شخصيات رمزية ديكتاتورية تتحكم فيه وتقسمه كما تريد وتنهب ثرواته على مرأى من كافة شعوب العالم، وهناك من يجهل هذه السلوكيات والتصرفات، فمتى سيتحرر العقل البشري العالمي بدل أن يُلغى، وحتى متى سيتم استعادة الضمير لسلطته، فلقد أصبحت الحظايات والتغريدات منفصلة عن المشروع الإنساني الذي جاء الدين من أجله، والمشكلة لم تعد في غياب الدين بل في تعطيل وظيفته الحضارية، فلم يعد الدين (دين العبادة والهداية) محركًا للعدل والميزان بل تحول عند الكثيرين إلى هوية صراعية.
قال أحد الصالحين (إن الدين كله خلق)، بينما ما نشهده اليوم هو تضخم في الخطاب يقابله فقر في الأخلاق، لذا فإن المقارنة بين الجاهلية وما يحدث في زمننا الحالي ليست في عدد الأصنام بل في موقع العقل والضمير، إن الجاهلية كانت صريحة في ضلالها، أما جاهليتنا المعاصرة فمتخفية خلف ألف قناع وقناع حداثة بلا معنى أو تدين بلا وعي، نحن بحاجة اليوم إلى بناء الإنسان من الداخل ووصل الوحي بالعقل وربط الإيمان بالمسؤولية وإعادة الاعتدال.
قال تعالى ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))، والنور الذي أُشعل آنذاك لم ينطفئ لكن العيون هي التي أُغلقت، فالمشكلة لم تكن يومًا في قلة الدين بل في غياب المعنى الذي من أجله جاء.