الغد
لا تبدأ الحروب العالمية بالضرورة بقرار معلن لخوضها؛ فقد تتشكل عبر صراعات متفرقة، وتحالفات متنافسة، وأخطاء في تقدير حدود القوة. هكذا تراكمت مقدمات الحرب العالمية الثانية، من احتلال منشوريا عام 1931، إلى غزو إثيوبيا عام 1935، ثم تفكيك تشيكوسلوفاكيا، وصولا إلى اجتياح بولندا في الأول من أيلول (سبتمبر) 1939. واليوم، تثير الحروب المتزامنة وتسارع التسلح وتراجع الثقة بالضمانات الأمنية سؤالا جادا: هل يعيش العالم مقدمات انفجار مشابه، أم يمتلك أدوات تمنع تكرار الكارثة؟
يكمن التشابه الأعمق في تآكل القيود على استخدام القوة، وعجز المؤسسات الدولية عن فرض قواعد متساوية. ففي الثلاثينيات، شجعت الانتهاكات المتتابعة وتردد القوى الكبرى الاعتقاد بإمكان تحقيق مكاسب إضافية دون مواجهة شاملة. واليوم، قد تنتج الحروب المحدودة المنطق نفسه، يختبر كل طرف خصومه، ويقرأ ضبط النفس ضعفا، ويعتقد أنه يستطيع التحكم بسلم التصعيد. لكن التشابه لا يعني تطابق الظروف؛ فالردع النووي والترابط الاقتصادي يرفعان تكلفة الحرب المباشرة، وإن لم يلغيا احتمال الخطأ.
تمثل العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا، منذ الغزو الروسي في 24 شباط (فبراير) 2022، إحدى أخطر ساحات هذا الاختبار. فاستمرار الاستنزاف، والدعم الغربي لكييف، والهجمات المتبادلة، تجعل المسافة بين الحرب الإقليمية والاحتكاك الروسي الأطلسي موضع قلق. ولا يتطلب الانتقال إلى مواجهة أوسع قرارا مسبقا بغزو دولة أخرى؛ فقد يبدأ بضربة تتجاوز الحدود، أو إصابة قوات أجنبية، أو سوء تفسير لإنذار عسكري، ثم تتولى حسابات المصداقية والردع توسيع المواجهة.
وفي الاتجاه الآخر، أضافت العملية الأميركية في فنزويلا، التي انتهت بالقبض على نيكولاس مادورو في الثالث من كانون الثاني (يناير) 2026، سابقة جديدة لاستخدام القوة داخل دولة ذات سيادة. ويتجاوز أثرها أميركا اللاتينية؛ إذ يمكن أن تعزّز لدى القوى المتنافسة تصورا بأن المجال الدولي بات محكوما بمناطق نفوذ، تستطيع الدولة الأقوى داخلها فرض ترتيبات سياسية بالقوة. وهذه قراءة تحليلية لتداعيات العملية، وليست دليلا على اتفاق دولي لتقاسم العالم.
أما الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فتمس منطقة تتقاطع فيها الطاقة والممرات البحرية والقواعد العسكرية. وقد رفضت الصين وروسيا الهجمات ودعتا إلى وقفها، لكن الرفض السياسي لا يعني التزاما تلقائيا بخوض الحرب دفاعا عن طهران. فبكين وموسكو توازنان بين علاقاتهما بإيران، ومصالحهما الخليجية، ومخاطر الصدام مع واشنطن. وتبدأ عتبة الخطر الأعلى عندما يتحول الدعم السياسي أو المادي إلى اشتباك مباشر بين قوات القوى الكبرى.
وتضيف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وسورية بعدا خطيرا إلى مشهد التصعيد؛ فالغارات والتوغلات وانتهاك السيادة تضعف فرص الاستقرار، وتفتح المجال أمام ردود متبادلة تتجاوز حدود الدولتين. ويستدعي استمرار فرض الوقائع بالقوة، مع محدودية الردع الدولي، المقارنة بمقدمات الحرب العالمية الثانية، حين شجع التساهل مع التوسع العسكري على مزيد من العدوان، ومع تشابك المصالح الإيرانية والتركية والروسية والأميركية، قد تتحول هذه الساحات إلى نقاط احتكاك تستدرج أطرافا إضافية نحو مواجهة إقليمية أوسع.
وتكشف الاعتداءات الحوثية على السعودية والملاحة، مع الدعم الإيراني للحوثيين، اختلالا آخر في بنية الأمن الإقليمي. غير أن وصف الموقف الأميركي بالسكوت المطلق يحتاج إلى تدقيق؛ فتقارير حديثة تشير إلى مساعدة استخبارية واستشارية أميركية للسعودية، مع محدودية الانخراط المباشر. لذلك تتمثل المشكلة الإستراتيجية في الفجوة بين توقعات الحماية وحدود الالتزام الأميركي، بما يدفع الرياض إلى تنويع شراكاتها وتعزيز قدرتها الذاتية على الردع.
ضمن هذا السياق، جاء اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الموقع في السابع من آب (أغسطس) 2026. وفي المقابل، تتطور علاقات أمنية واقتصادية بين إسرائيل وبعض الدول العربية في إطار اتفاقات أبراهام. ومع ذلك، لا يصح اختزال المشهد في حلفين متجانسين ومتضادين؛ فاتفاق مكة يؤكد الردع والاستقرار، وعلاقات التطبيع لا تشكل بذاتها معاهدة دفاع عربي إسرائيلي شاملة. إنما ينشأ التنافس من اختلاف تعريف التهديد، وحدود الدور الإسرائيلي، والعلاقة بإيران، ومستقبل القضية الفلسطينية.
وتتضاعف المخاطر عندما تتداخل هذه التباينات مع الصدمة الاقتصادية. فارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل والتأمين ينتقل إلى الغذاء والصناعة، ويضغط على القوة الشرائية والموازنات. وقد توقع صندوق النقد الدولي في تحديث تموز (يوليو) 2026 تراجع نمو الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى 0.7 ٪ خلال العام، مع تفاوت كبير بين الدول. ولا يقود التضخم تلقائيا إلى الحرب، لكنه يضيق خيارات الحكومات، ويغذي الاحتقان، ويزيد إغراء تحميل الخصوم الخارجيين مسؤولية الأزمات.
أما تحديد موعد "الانفجار الكبير"، فلا تسنده معرفة يقينية، ويمكن، لأغراض الاستشراف، تقسيم المتابعة إلى نوافذ زمنية مشروطة: من تشرين الأول (أكتوبر) إلى كانون الأول (ديسمبر) 2026 لرصد اتساع حرب إيران واضطراب الملاحة؛ وعام 2027 لاختبار تماسك ترتيبات الدفاع الجديدة واحتمالات الاحتكاك الروسي الأطلسي؛ والفترة 2028-2030 لفحص أثر تراكم التسلح وتزامن الأزمات الإقليمية، هذه فترات تنظيمية للتحليل، وليست تنبؤات مثبتة أو مواعيد مرجحة بذاتها.
المؤشر الحاسم ليس حلول سنة معينة، بل اجتماع اشتباك مباشر بين قوى كبرى، وتفعيل التزامات دفاعية متبادلة، وتعطل قنوات التهدئة. عندها قد تصبح الحروب المتفرقة حربا مترابطة. ومنع ذلك يتطلب ترتيبات لأمن الملاحة والطاقة، وقنوات اتصال عسكرية دائمة، وضمانات متبادلة لسيادة الدول، وتسوية عادلة للقضية الفلسطينية. فدرس الثلاثينيات أن ترك الأزمات تتراكم يجعل احتواءها لاحقا أشد كلفة، وأقل ضمانا.