الدستور
بعد أسابيع من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً ليس من انتصر، بل: ماذا تحقق أصلاً؟ أين الأهداف التي رُفعت في بداية المواجهة، وأين النتائج التي قيل إن الحرب جاءت من أجلها؟ إذا كانت الذريعة هي البرنامج النووي الإيراني، فهل انتهى هذا البرنامج؟ لا توجد مؤشرات حاسمة تقول ذلك. بل على العكس، أظهرت الحرب أن القصف وحده لا يحسم ملفات معقدة بهذا الحجم. وإذا كان الهدف إضعاف إيران استراتيجياً، فالمشهد لا يوحي بأن ميزان القوى انقلب كما كان يُراد له. بقيت إيران حاضرة، وبقيت أوراقها قائمة، بينما دخل الإقليم كله في حالة إنهاك مفتوحة.
لكن المفارقة الأهم تتعلق بالرواية الأميركية نفسها. في البداية كان الحديث عن خطر نووي داهم، ثم تحول الخطاب فجأة إلى مضيق هرمز، وأمن الملاحة، وتهديد الطاقة العالمية. هنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المضيق آمناً قبل الحرب، فلماذا أصبح بعد الحرب مصدر أزمة عالمية؟ هل كانت الحرب لمعالجة خطر قائم، أم أنها صنعت الخطر الذي جاءت بذريعة احتوائه؟.
هذه ليست مسألة تفصيلية، بل جوهر النقاش كله؛ لأن الحروب التي تبدأ بعنوان وتنتهي بعنوان آخر تثير الشكوك حول دوافعها الحقيقية. هل كانت حرباً لمنع تهديد، أم لإعادة تشكيل توازنات المنطقة بالقوة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل نجحت؟.
حتى الآن، ما يبدو واضحاً أن المنطقة دفعت الثمن، بينما بقيت الأهداف معلقة. أسواق ارتبكت، طرق تجارة تعرضت للضغط، دول وجدت نفسها أمام احتمالات تصعيد لا علاقة مباشرة لها به، وشعوب أُدخلت في مناخ خوف وعدم يقين، فقط لأن قرار الحرب اتُّخذ في مكان آخر.
وهنا يظهر السؤال الأكثر حساسية: لماذا وُرّطت المنطقة في حرب لم تكن أطراف كثيرة فيها فاعلة أصلاً؟ دول لم تشارك في القرار، ولم تكن طرفاً في النزاع، وجدت نفسها تتحمل تبعاته الاقتصادية والأمنية والسياسية. ثم، وبصورة مفاجئة، توقف القتال، أو جرى تجميده، وكأن من أشعل النار قرر المغادرة تاركاً الآخرين أمام الدخان والرماد.
هذا ما يفسر حالة الارتباك السائدة اليوم. ليس بسبب الحرب وحدها، بل بسبب غياب تفسير مقنع لما حدث. ما المنطق في إشعال مواجهة بهذا الحجم ثم وقفها دون تسوية واضحة؟ كيف يُطلب من المنطقة أن تتعامل مع تداعيات مفتوحة بينما من بدأ التصعيد يتصرف وكأن المهمة انتهت؟.
المشكلة أن هذا النوع من الحروب لا ينتهي عند توقف الصواريخ. آثاره تبقى في الحسابات الأمنية، في أسعار الطاقة، في هشاشة الثقة، وفي احتمال عودة المواجهة عند أي لحظة. أي أن ما سُمي عملية محدودة قد يتحول إلى أزمة ممتدة؛ لأن الأسباب لم تُحل، بل أضيفت إليها أسباب جديدة.
لذلك، السؤال الحقيقي اليوم ليس عن من ربح الجولة، بل عن معنى هذه الحرب أصلاً. إذا لم تُنهِ البرنامج الذي قيل إنها تستهدفه، ولم تؤمن الممرات التي قالت إنها تحميها، ولم تُنتج استقراراً، فماذا كانت النتيجة غير إدخال المنطقة في فوضى كان يمكن تجنبها؟.
على العالم أن يسأل بوضوح: هل كانت هذه حرب ضرورة، أم حرب سوء تقدير؟ لأن الفرق بينهما ليس سياسياً فقط، بل فرق بين نظام دولي يدير الأزمات، ونظام يصنعها ثم ينسحب تاركاً الآخرين يواجهون المصير وحدهم. في هذا السؤال وحده، تكمن بداية أي فهم لما جرى.