الدستور
الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي/ العراق
في محاولةٍ معرفيةٍ تتجاوز مألوفَ الطرح الفلسفي، تقتحم الكاتبة لهيب عبد الخالق في كتابها «الازدواج الأنطولوجي للزمن: البرزخ الزمني والكون الموازي» أسوارَ الزمان الخطّي، لتكشف عن «اللحظة الصفرية» بوصفها الرحمَ الأول الذي يولد فيه الوجودُ من رحمِ انشطاره. إنَّ هذا الكتاب ليس مجرد مراجعةٍ لمفهوم الزمان، بل هو إعادةُ تشكيلٍ للوعي بالكينونة، حيث تصبح اللحظةُ لا مجرد نقطةٍ على خطِ التتابع، بل بؤرةً متوترةً يتقاطع فيها الظهورُ بالخفاء، والحضورُ بالغيب. وتتخذ عبد الخالق من «اللحظة الصفرية» حجرَ زاويةٍ في بنائها الأنطولوجي؛ فهي تلك اللحظة التي تتوقف فيها الذاتُ عن كونها كياناً أحادياً لتكتشف أبعادَها المتعددة، وتتحول فيها التجربةُ المعاشة إلى برزخٍ يربط بين ما هو كائنٌ وما يمكن أن يكون. وفي هذا السياق، لا يعود الزمنُ مجردَ تدفقٍ مستمر، بل يتحول إلى «ازدواجٍ» حي يتشكل في ثنايا الكيان الموازي، ليمنح الذاتَ القدرةَ على الانعتاق من أسر «الآن» المحدودة إلى رحابة الوجود المطلق. وببراعةٍ تجمع بين دقة التنظير وجمالية التعبير، تمضي الكاتبة في تفكيك المفاهيم التقليدية، لتضعنا أمام سؤالٍ وجوديٍ ملح: هل نحن نعيش في زمنٍ واحد، أم أننا نعيش في «زمنٍ منشطرٍ» يتضاعف مع كل نبضةِ وجود؟ إن الرؤية الأنطولوجية التي تقدمها عبد الخالق تفتح آفاقاً رحبة للمتلقي، داعيةً إياه لإعادة قراءة ذاته ليس كعنصرٍ في سلسلةٍ زمنية، بل كمركزٍ لبرزخٍ يتسع للاحتمالات اللانهائية. إن كتاب «الازدواج الأنطولوجي للزمن» يمثل إضافةً نوعية للمكتبة الفلسفية العربية، ليس فقط لجرأة طرحه، بل لقدرة لهيب عبد الخالق على نحتِ مصطلحاتٍ فلسفيةٍ جديدة تعيد صياغة علاقتنا بالزمان، وتجعل من القراءة تجربةً استكشافيةً في جوهر الوجود ذاته؛ فهي دعوةٌ لا للزمن الخارجي فحسب، بل للزمن الداخلي، حيث تتصالح الذاتُ مع «الازدواج» كقدرٍ أنطولوجيٍ يمنح الوجودَ عمقه ومعناه الخفي.
تتجلى عبقرية الطرح في هذا المؤلف عند تلك النقطة التي تتقاطع فيها الميتافيزيقا بالواقع المعاش، إذ لا تكتفي لهيب عبد الخالق بتقديم تنظيرٍ مجرد، بل تغوص في ماهية «البرزخ الزمني» كمنطقة وسطى، لا هي بالعدم المطلق ولا بالوجود المكتمل، بل هي فضاء الاحتمالات الذي يتنفس فيه الكيان الموازي. ومن خلال هذه العدسة الأنطولوجية، تعيد الكاتبة الاعتبار للحظة الإنسانية بوصفها كينونةً ذات وجهين؛ وجهٍ ينظر إلى عالم الظاهر الملموس، ووجهٍ يحدق في عالم الخفاء الموازي، مما يجعل «الازدواج» هنا قانوناً كونياً يحكم حركة الوجود وتطور الوعي. وبذلك، يتحول البحث من مجرد دراسة في فلسفة الزمن إلى مانيفستو وجودي يحرر القارئ من وطأة الزمن الخطي القاتل، ويضعه أمام حقيقة أنَّ وجوده ليس إلا تجلياً لانشطارٍ أبدي، وأنَّ كل لحظةٍ نعيشها هي في حقيقتها إعادة استنساخٍ لبرزخٍ يربط بين الذات والعالم. إنَّ لهيب عبد الخالق بهذا العمل، لا تكتب عن الزمن فحسب، بل تكتب من داخل «تجربة الزمن»، مانحةً الفكر العربي صوتاً جديداً في عالم الفلسفة المعاصرة، صوتاً يبحث في أعماق البنية الوجودية ليرسم معالم خارطةٍ كونيةٍ كانت دائماً قريبة منا، لكننا لم نكن نملك اللغة المناسبة لاكتشافها قبل هذا «الازدواج الأنطولوجي للزمن».
ولا تكتفي لهيب عبد الخالق بهذا التنظير الرصين، بل تُسقط أبعاد رؤيتها على واقعنا المعيش من خلال أمثلةٍ تقرّب المفهوم من الفكر والوجدان؛ فهي ترى في «الذاكرة» ليست مجرد خزانٍ لما مضى، بل هي نموذجٌ حي لـ «اللحظة الصفرية»؛ إذ حين نستحضر مشهداً من الماضي، نحن لا نسترجع حدثاً ميتاً، بل نفتح ثغرةً في الزمن ليتجسد الماضي في «البرزخ»، ليصبح حاضراً وموازياً للحظة الراهنة في آنٍ واحد. وكأنَّ عبد الخالق تدعونا لرؤيةِ كيف أنَّ الإنسان في حزنه أو فرحه العظيم، لا يعيش في «الآن» المادي فحسب، بل يتنقل بين أزمنةٍ متداخلة، حيث يتصادم الشخص الذي كنّاه يوماً ما بالشخص الذي نحن عليه الآن، فينتج عن هذا التصادم «الكيان الموازي» الذي يحمل أوجاعنا وآمالنا غير المتحققة.
وتنسحب هذه الرؤية أيضاً على تجربة «الإبداع»؛ فعندما يمسك الكاتبُ قلماً أو الرسامُ فرشاة، فإن اللحظة التي تسبق انبثاق الإبداع هي لحظةُ «ازدواج» حقيقية، حيث يتجلى في فكر المبدع عالمٌ كامل لم يوجد بعد في الواقع الملموس، ولكنه موجودٌ بكثافة في برزخ الخيال. هذا الإبداع هو تجسيدٌ مادي لنظرية «الازدواج الأنطولوجي»، إذ يثبت أنَّ الوجود لا يكتمل في الظهور المادي فقط، بل يكتمل في ذلك الخفاء الذي يسبقه، مؤكدةً أن كل ابتكارٍ بشري هو في جوهره استدعاءٌ من «الكون الموازي» إلى عالمنا المادي.
أما في تفاعلاتنا اليومية، فتشير الكاتبة بلمسةٍ أدبيةٍ رفيعة إلى «لحظات التردد» و»القرارات المصيرية»، حيث يقف الإنسانُ على حافةِ برزخٍ حقيقي؛ ففي اللحظة التي تسبق اتخاذ قرارٍ يغير مسار الحياة، تتشكل في الوعي حياةٌ موازية تماماً للمسار الذي سنسلكه، ونحن نعيشُ تلك الحياة الموازية للحظاتٍ في ذهننا قبل أن نختار الحقيقة. هذه اللحظات هي الشاهدُ الأسمى على «الازدواج الأنطولوجي»؛ فبينما نتحركُ في العالم الخطي لنتخذ القرار، يظل ذلك «الكيان الموازي» ينمو في خلفية الوجود، ليذكرنا بأنَّ إنسانيتنا لا تقتصر على ما نفعله، بل تمتد لتشمل كل ما كنا نمتلك القدرة على فعله، مما يمنح الوجودَ عمقاً مأساوياً ومشرقاً في الوقت ذاته، ويحول حياتنا من مجرد سيرةٍ ذاتيةٍ بسيطة إلى ملحمةٍ أنطولوجيةٍ معقدة.
إنَّ هذا التحليل العميق للأمثلة اليومية يضع قارئ لهيب عبد الخالق أمام حقيقةٍ مفادها أنَّ الإنسان، بموجب هذا «الازدواج الأنطولوجي»، هو كائنٌ برزخيّ بامتياز، لا ينتمي كلياً إلى مادية العالم، ولا يغيب كلياً في تجريد الغيب. هذا الامتزاج يجعل من وجودنا «مسرحاً للاحتمالات»، حيث لا تعود الأخطاء أو الفرص الضائعة مجرد عثرات في مسيرتنا، بل تصبح مكوناتٍ جوهرية في بناء كياننا الموازي، الذي ينمو ويتسع كلما اتسعت رؤيتنا للزمن. إنها دعوةٌ لتبني «فلسفة الحضور المزدوج»، التي تعلمنا كيف نحيا في اللحظة الراهنة بكل حواسنا، مع بقائنا واعين بـ «البرزخ» الذي يغذي حضورنا من خلفِ ستار الظهور.
وبهذا الطرح، لا تقدم الكاتبة مجرد تنظيرٍ فلسفي، بل تمنحنا «أداةً تأملية» للتعامل مع قلق الوجود؛ فإذا كان القلقُ الإنساني ينبع دائماً من شعورنا بضياع الزمن أو محدوديته، فإن «الازدواج الأنطولوجي للزمن» يفتت هذا القلق حين يكشف لنا أننا، في جوهرنا، لا نضيع، بل نتوزع في أبعادٍ وجودية أرحب. إنَّ إدراكنا لكوننا «مركزاً لبرزخ» يمنحنا طمأنينةً وجودية جديدة، تجعلنا ننظر إلى أقدارنا لا كمسارٍ أحاديٍ مقدر لنا أن نعبره فحسب، بل كمنظومةٍ غنيةٍ ومتعددةِ الأوجه، فيها من الحريةِ بقدرِ ما فيها من التكوين. في نهاية المطاف، يظل كتاب لهيب عبد الخالق بمثابة «مرآةٍ وجودية»؛ كلما نظرنا فيها، رأينا وجوهاً جديدة لأنفسنا، وجوهاً كانت دائماً موجودة في ذلك الزمن الموازي، في انتظار أن نملك الشجاعة المعرفية للاعتراف بها، واللغة الفلسفية لاستيعاب كنهها.
إنَّ هذا التفكيك المنهجي الذي قدمته لهيب عبد الخالق يفتح الباب أمام قراءاتٍ تأويليةٍ تتجاوز النص إلى ما وراء «المتن»، حيث يتحول القارئ نفسه من متلقٍ سلبي للأفكار إلى «شريكٍ» في بناء عالم الكتاب. إنَّ التداعيات الفلسفية لما طرحته الكاتبة تضعنا أمام ضرورة مراجعة مفهوم «الذات»؛ فإذا كان «الازدواج» قانوناً وجودياً، فإنَّ «الأنا» التي نظنها ثابتة وموحدة ليست إلا واجهةً لبرزخٍ يغلي بالاحتمالات، مما يطرح تساؤلاتٍ وجوديةً كبرى حول الهوية في عالمٍ لا يتوقف عن الانشطار.
ولا يتوقف أثر هذا الكتاب عند حدِ التنظير؛ فهو يمتد ليصبح «منهج حياة» لمن يدرك معنى أن يكون كائناً مزدوجاً. إنَّ تبني رؤية «الازدواج الأنطولوجي» يحرر الإنسان من ربقة الندم على ما فات؛ فالماضي لا ينتهي، بل يرتد إلى ذلك البرزخ ليصبح جزءاً من كياننا الموازي، مما يضفي على تاريخنا الشخصي قدسيةً واستمراريةً لا يقطعهما موتٌ أو غياب. وبذلك، تنجح لهيب عبد الخالق في تحويل الفلسفة من تمرينٍ ذهنيٍ جاف إلى تجربةٍ روحيةٍ عميقة، تمنحنا صلحاً مع ذواتنا ومع الزمن الذي نعيشه.
في الختام، يظل كتاب «الازدواج الأنطولوجي للزمن» علامةً فارقة في الفكر المعاصر، فهو يجسد تلك اللحظة التي تستعيد فيها الفلسفة دورها في تفسير العالم لا عبر تقليصه في قوالب جامدة، بل عبر توسيعه في فضاءات الاحتمالات اللانهائية. إنَّ هذا الكتاب يمثل نداءً للعودة إلى جوهر الإنسان، ذلك الكائن الذي يقف دائماً على خط التماس بين عالمين، حاملاً في قلبه سرَّ الانشطار، وفي عقله مفاتيح الكون الموازي. إنَّ بصمة لهيب عبد الخالق هنا ليست مجرد إضافةٍ لمكتبة الفلسفة، بل هي دعوةٌ مفتوحة لكل باحثٍ عن الحقيقة ليعيد اكتشاف «زمنه» الخاص، ذلك الزمن الذي، وبمجرد أن نقرأه بعين «الازدواج»، يتوقف عن كونه خطاً يجرنا إلى النهاية، ليصبح أفقاً يفتح لنا أبواباً لا تنتهي على وجودنا الأبدي.