الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
روبرت رايش* - (الغارديان) 27/1/2026
ذكرني لقاء عابر بما يلي: ثمة طريقتان للنظر إلى ما حدث في مينيابوليس.
لعل إحدى المزايا القليلة لكوني شخصًا لافتًا للنظر كما أنا، أن كثيرين ممن لا أعرفهم يقتربون مني للحديث عمّا يجري في أميركا. ويشبه الأمر مجموعة تركيز في حالة عوم حُرّ.
صباح يوم الاثنين، كنت واقفًا عند منضدة مطعم أُنهي فطوري حين جلس إلى جانبي رجل في منتصف العمر، وقال إنه لا يريد أن يقتحم عليّ خلوتي. (كان قد فعل ذلك مسبقًا في الحقيقة، فوضعت السكين والشوكة جانبًا، ومسحت فمي بالمنديل، والتفتُّ نحوه). قال إنه يريدني أن أعرف أنه، على الرغم من كونه جمهوريًا طوال حياته، فإن أحداث الأسابيع الماضية دفعته إلى مغادرة الحزب الجمهوري.
قلت له مبتسمًا: "يسعدني سماع ذلك"، ثم هممت بالعودة إلى إنهاء فطوري.
قال: "أنا من نيوهامشير، والكثير من أصدقائي الجمهوريين يتركون الحزب أيضًا. كان ما حدث في مينيابوليس هو القشة التي قصمت ظهر البعير".
وضعت الشوكة جانبًا مرة أخرى والتفت إليه: "أفترضُ أنك تتحدث عن سلوك عناصر دائرة الهجرة والجمارك ودوريات الحدود هناك، وعن عمليات القتل؟".
قال وهو يهز رأسه: "كل ذلك فظيع، طبعًا. لكن ما جعل الأمور منتهية بالنسبة لي حقًا كان الأكاذيب -نويم، ميلر، بوفينو، فانس، ترامب". وقطّب جبينه وأضاف: "لقد كذبوا بلا حياء. رأيت المقاطع المصوّرة! لا يمكن الوثوق بهم مجددًا. ولا أي واحد منهم. إنهم عصابة من الكذّابين".
وافقتُه الرأي، ثم اعتذرت، موضحًا أن عليّ إنهاء فطوري والذهاب إلى موعد.
لكن كلماته ظلّت عالقة في ذهني. ثمة طريقتان للنظر إلى ما حدث في مينيابوليس -نقطتا تحوّل مختلفتان لأميركا.
الأولى هي النظر إلى البلاد بوصفها تميل أكثر فأكثر نحو دولة بوليسية فاشية يقودها ترامب. فقد تحوّلت "إدارة الهجرة والجمارك" ودوريات الحدود إلى أدوات لإرهاب الدولة. وهي تنخرط في عمليات قتل خارج نطاق القضاء، مع إفلاتٍ ظاهر من العقاب.
بدأ هذا التحوّل مع إقدام ترامب على تطهير وزارة العدل من المدّعين الفيدراليين الذين حاولوا محاسبته على محاولته الانقلابية. ثم تواصل مع قرارات العفو التي أصدرها عن مثيري الشغب في أحداث السادس من كانون الثاني (يناير)، وعن حلفائه وأصدقائه الأثرياء، ومع ملاحقاته الجنائية لجيمس كومي وليتيشيا جيمس، وفتح تحقيق جنائي بحق جيروم باول.
واليوم، بلغنا أقصى درجات هذا الاندفاع مع قيام نظام ترامب باحتلال مدينة مينيابوليس بعصابات مسلّحة سيئة التدريب، سريعة الضغط على الزناد، تحمل البنادق وترتدي عتاد مكافحة الشغب، والتي مارست الترهيب والضرب وقتلت سكانًا. وهو ما ترافق مع قيام النظام بعرقلة تحقيق تجريه الولاية في جرائم القتل، واتهاماته الكاذبة على نحو فاضح للضحايا، وادعائه -قبل أن يتراجع عنه لاحقًا- بأن العملاء الفيدراليين المسؤولين عن القتل يتمتعون بحصانة كاملة من الملاحقة.
لكن ثمة طريقة ثانية لرؤية ما جرى في مينيسوتا -رؤيته كنقطة تحوّل من نوع مختلف. ويجسد الرجل القادم من نيوهامشير الذي جلس إلى جانبي أثناء الإفطار الفكرة.
إنها نقطة تحوّل نحو اشمئزاز جماهيري واسع النطاق من ترامب ومن المحيطين به. صحيح أن الحزب الجمهوري في أميركا كان في دوّامة موت منذ بروز ترامب في العام 2016؛ وقد تماسك أساسًا بفضل أكاذيب ترامب. لكن أكاذيبه الأخيرة -وأكاذيب المتزلفين من حوله- أصبحت فجة ومقززة إلى حدّ أن بعضهم، مثل رفيق إفطاري، أصبحوا يهجرون الحزب الجمهوري كليًا.
وهي أيضًا نقطة تحوّل نحو اجتماع الأميركيين لهزيمة فاشية ترامب -اجتماعهم كما اجتمعوا في مينيابوليس– بطريقة عابرة للأعراق والطبقات والانتماءات الإثنية.
إنني أسمع من أصدقاء وطلّاب سابقين في مينيابوليس عن فيض استثنائي من التعاون والتكافل هناك. ثمة سكان يشاركون في دوريات في الأحياء. وتبادل رسائل حول أماكن ترصّد العملاء. وانخراط في تصوير فظائع إدارة الهجرة والجمارك ونشرها على نطاق واسع.
وهم ينظمون إيصال الطعام وسائر الضروريات إلى عائلات تخشى مغادرة منازلها. ويشترون الحاجيات للعائلات المهاجرة. ويقفون للحراسة خارج مسجد محلي أثناء صلاة الجمعة. وينقلون العائلات الأكثر هشاشة إلى مواعيد الأطباء. ويوصلون أطفال المهاجرين إلى المدارس.
قال لي أحد الأصدقاء إنه يعيش في مينيابوليس منذ أربعين عامًا، ولم يشعر يومًا بأن المدينة متماسكة إلى هذا الحد. وكتب: "أعتقد أننا اكتشفنا المعنى الحقيقي للمجتمع".
وقال طالب سابق إن درجة حرارة الجو تحت الصفر، ومع ذلك فإنّه وكل الذين يعرفهم منخرطون في تنظيم الجهود ضد "إدارة الهجرة والجمارك" ومن أجل بعضهم بعضًا. وأضاف: "هذا أعمق بكثير من احتجاج. إنه طريقة جديدة للعيش هنا".
ولا يقتصر هذا على مينيابوليس وحدها. وأنا أسمع من أصدقاء وطلّاب سابقين في أنحاء أميركا أنهم يشهدون شيئًا مشابهًا حيث يعيشون.
كتب لي صديق قديم من بورتلاند، في ولاية ماين: "لن تصدق كيف انضم هذا المجتمع معًا. أنا أعيش هنا منذ أكثر من عشرين عامًا، ولا أذكر وقتًا شعرنا فيه بهذا القدر من الوحدة".
في الواقع، ربما تكون نقطتا التحوّل صحيحتين معًا. نحن ننزلق نحو دولة بوليسية فاشية يقودها ترامب، في الوقت نفسه الذي ننزلق فيه نحو عصر جديد من التضامن. وربما يكون الثاني نتيجة للأول.
كل ما أستطيع قوله بثقة هو أن أحداث الأسابيع الماضية تغيّر أميركا بشكل عميق. ولكن، ما الذي سيأتي بعد ذلك؟
إنني لا أشتري التوقعات باندلاع حرب أهلية ثانية. أعتقد أن الأميركيين أفضل من ذلك. وإذا كان يمكن الوثوق باستطلاعات الرأي، فإن الغالبية العظمى تعارض الطريقة التي يطبق بها ترامب سياساته المتعلقة بالهجرة. والغالبية لا تقبل بدولته البوليسية الفاشية.
مع ذلك، قد تكون أميركا بصدد الميل فعليًا نحو تلك الدولة البوليسية. لكننا نميل نحن أيضًا نحو الوحدة في مواجهتها. إننا نتجه إلى تضامن قد يمنح معنى جديدًا لمُثل الحكم الذاتي -نظام يكون من الشعب، وبالشعب، ولأجل الشعب.
أودّ حقًا أن أصدق أن نقطة التحوّل الثانية ستدون وتكون أطول عمرًا من الأولى.
*روبرت رايش Robert Reich: وزير العمل الأميركي السابق، أستاذ فخري للسياسة العامة في جامعة كاليفورنيا - بيركلي. وهو كاتب عمود في صحيفة "الغارديان" قسم الولايات المتحدة. وله نشرة إخبارية متاحة على موقع robertreich.substack.com. صدر حديثًا كتابه الجديد: "دون المأمول: سيرة ذاتية عن أميركتي" Coming Up Short: A Memoir of My America.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: America has reached a tipping point on fascism - and on opposition to it