الراي
يعظم بنظري رجال دولة كانوا قادة لمركبة الحكومات منهم الذكي اللماح الواعي للتفاصيل؛ ومنهم من يمتص الصدمات عن الدولة في السنين الحادة؛ بعضهم اصحاب قرار؛ وبعضهم لا يحب السرعة في اتخاذ القرار؛ بعضهم مغرم بالترشيد، ولم يتح له تحقيق رغباته، لكنه غرس نبتة طيبة؛ ومنهم، سياسي متفوق، سريع القرار متحمس؛ وآخر له أجنحة كبيرة يحلق بها، محليا ودوليا، وآخر غاضب متشدد، ومخلص، ويعتمد على دائرة محدودة من أعوانه؛ وآخر هادئ منطقه عذب، لا أشواك له مع الناس، يحب الأردن وأهله؛ وآخرون يحبون التواصل، متسلحون بالمعرفة، دون أن تدفعهم الأحداث إلى ذلك. وغالبيتهم ملتزم لا يطير بعيدا عن بيئته؛ وآخر أبوي يحب الحوار مع الناس متعلم متحمس؛ وآخر يغلب عليه علو التهذيب والمنبت، والنهج، رغم علو منبته، وقوة عضده؛ تلكم بعض جوانب لرؤساء وزارات، عاصرتهم عن كثب، وآخرون عرفت عنهم من الكبار وأنشد من الجميع، المعذرة إن لم أُحْسِن وأُنصِف في التعبير.
الباشا أحمد عبد المجيد عبيدات، أبو ثامر، رحمه الرحمن، أحد من عرفتهم من الكبار في بلدي الأردن، مزروع جسدا، وعقلا، وانتماء، في الأردن، قامة من حَرْثَا، لواء بني كنانة، من قبيلة كبيرة، يرجع نسبها إلى قبيلة عْنِزه، من وِلْدْ علي، رجل يعتز بانتماء وامتداد قومه الى الجد الأكبر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه. ومعرفتي الاولى عنه، كانت من الباشا ذاته، ومن ثم من والدي رحمهما الله، المتميّز في الرياضيات، وشديد البأس خليل الساكت، مدير دائرة الجمارك في المحطة في نهاية الخمسينيات، حيث استقطب المرحوم احمد عبيدات إلى مديريته، وكان حينئذ خريجاً جديداً في القانون، واعداً، متميزاً على اقرانه جميعهم، من جامعة بغداد -كلية الحقوق.
وتعمقت معرفتي به أكثر، فيما بعد عام 1987، وحين استقطبني مديرا عاما لصندوق التقاعد - المؤسسة العامة التي أوكل اليها الاستثمار العام وإدارة ملكيات الدولة في الشركات المساهمة. فكان رجل دولة جريء، يُحسِن الإصغاء، يؤكد على قيم الشفافية، وربط المسوولية بالمُساءَلة، فأُعجِب به، وأستمع اليه بحكمة، الملك الحسين رحمه الله. ووافقه على قرارات ادارية اقتصادية من اهمها الفصل في القانون بين وظيفة المدير العام في الشركات المساهمة العامة،و وظيفة رئيس المجلس فيها، فمنع الجمع بين المسؤوليتين، هادفا بذلك، منع تضارب المصالح. كان قرارا صعبا، في السوقين: الاقتصادية، والسياسية، لكنه مرره بذكاء. ولقد وجدت المرحوم ابو ثامر، إداريا مستقلا يعتمد على نفسه، فلم يعتمد على الكرسي لكي يرفعه، بل حمل الكرسي وساهم في رفعه فحمله بقناعة، فرفع وأعلى الكرسي والمسؤولية العامة المُلقاة على عاتقة، بأمانة، حينها، من مليك هاشمي، فارس، لمّاح، المرحوم الملك الحسين بن طلال، ثاقب النظرةِ في الرجال.
كان ابو ثامر صاحب هيبة، بأدبه، وهدوء نبرات صوته، صريح، مهني، حين وُلِّيَ كرسي دائرة المخابرات، عام 1974 ورئيس وزراء عام 1985، وترأس المركز الوطني لحقوق الإنسان، ولجنة صياغة الميثاق الوطني الأردني، فساهم في وثيقة تقود المؤسسات بنهج واضح، رغم تعدد الاحزاب. ثم وجد دولة ابو ثامر، في الملك الشاب، عبد الله الثاني ابن الحسين، أعز الله مُلكه، المؤازرة.
وفي قيادته لدائرة الذكاء الأمنية، المخابرات العامة، شارك ابو ثامر، وقاد المركبة، في بيئة تعدد الاحزاب، فساهم في تثبيت الحقوق والواجبات - حقوق الناس والخصوم، وواجبات المسؤولين، فرسم وثبّت الحدود والحقوق المدنية والمسؤولية، للناس، في دائرة أمنية وطنية حساسة. فأعلى، بدعم ملكي قوي، سيادة القانون وحس العدالة والضبط، والالتزام بسيادة "المهنية" الأمنية، في حصن منيع من حصون الدولة الأردنية. لقد كان وسيبقى دولة أبو ثامر، من كبار قومنا. لقد عانق بمهمته الحزم، وبتناغم مع سيادة العقل والقانون. لقد عاصرت رجالا، مخلصين اوفياء، سبقوني، تعلمت منهم ومازلت اذكر فضلهم وإنجازهم، وبالامس غادرنا المخلص، دولة ابو ثامر، ابن الكنانة، ابن الأردن، الوفي، ورجعت نفسه الى ربها، راضية مرضية. وترك لنا خلفاّ طيبا من الابناء والتراث، والنهج، رحمه الرحمن، وأسكنه جنَّاته.
لقد كنتُ، ومازلت أؤمن بأن الخير مازال كثيرا في اردننا بأهله وقيادته، حتى مع غلو "الأقلة العابرين"، من المتنكرين للإنجاز والفضل. فالأردن وطن يحتضن رجالا، بُناة، قلوبهم كبيرة، نابضة بالمحبة للأردن والعرب، أرضاّ، وأمة، وتراثا، يُعلُون بتلقائية رفيعة، أمانة المسؤولية ويرون في المواقع والمسؤولية، مواقع خدمة نبيلة، ويعتبرون المال عبدا، لا سيدا، فيه حق معلوم للسائل والمحروم، هؤلاء هم زينةُ البلاد وحِلْيَتَها - في وطن لنا يستحِقُّنا، ونستحِقُّه، ونفديه وقيادته، بإرواحنا. رحم الله من سبقونا ممن استثمروا بأعمالهم، في الآخرة، لا في الدنيا وحدها. فمردود الآخرة، أدْوَمْ.