الغد-سماح بيبرس
في وقت تتوجه فيه الأنظار إلى تطوير مرفق القضاء في الأردن، بعد أن بات ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة عالمياً، سواء على صعيد التكنولوجيا أو متطلبات بيئة الاستثمار، فإن النظرة إلى هذا التطور، تفصح عن أن تحقيق العدالة لا يقتصر فقط على سرعة الفصل في القضايا، بل يتطلب منظومة متكاملة، توازن بين الكفاءة وجودة الأحكام، والحفاظ على استقلال القضاء وضماناته.
وفي هذا الإطار أشار خبراء في القانون، إلى أن القضاء الأردني يتمتع بمستوى عالٍ من النزاهة والاستقلال، وأضحى ويحتاج دوما إلى تطوير تشريعي وإداري مستمرين، لمواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية والإدارية وتسريع إجراءات التقاضي، لافتين إلى أن تحديث المنظومة القضائية، وتعزيز التخصص فيها، يسهمان بتعزيز الثقة بالاقتصاد وجذب الاستثمارات، ويشكلان دعامة أساسية لتحقيق العدالة الناجزة وترسيخ سيادة القانون.
وأضافوا أن القضاء حظي دائماً بدعم ملكي غير مسبوق، ما عزز من مكانته كأحد أكثر الأجهزة القضائية نزاهة في المنطقة، برغم التحديات التي ما تزال قائمة، وفي مقدمتها بطء إجراءات التقاضي وتعدد التشريعات التي تُحال إلى المحاكم، ما يستدعي مراجعات مستمرة لضمان كفاءة الأداء القضائي وتحقيق أعلى مستويات العدالة.
جاء هذا بالتزامن مع تسلّم جلالة الملك عبدﷲ الثاني، الثلاثاء الماضي، توصيات اللجنة المتخصصة لتطوير الجهاز القضائي، والتي شُكّلت عقب زيارة جلالته للمجلس القضائي في تشرين الثاني (نوفمبر) العام الماضي، لإجراء تقييم شامل وتطوير منظومة القضاء والبناء على ما تحقق من إنجازات سابقة.
القاضي السابق ومستشار ديوان الرأي والتشريع د. محمود عبابنة، قال "إن مرفق العدالة، مجسداً بالمحاكم، يشكل الملاذ الموثوق للضعيف والمظلوم، الذي يجد فيه حماية القانون بقواعده العامة والمجردة"، مؤكداً أن القاضي يفترض أن يكون بمنأى عن أي تأثير، وألا يهاب صاحب نفوذ أو سلطة.
وأشار عبابنة، إلى أن الدستور الأردني، نص على استقلال السلطة القضائية، وهو ما ترسخ فعلياً حتى بات القضاء في صدارة الأنظمة القضائية العربية، لافتاً إلى أن هذا الواقع المتقدم لا يمنع من ضرورة مراجعة الأداء القضائي وتحسينه وتسريع إجراءات التقاضي.
وأضاف، أنه لا يمكن إنكار وجود بطء في إجراءات التقاضي، برغم أنها مشكلة عالمية، موضحاً بأن بعض الأحكام قد تصدر أحياناً بما يخالف منطق الاجتهاد القضائي المستقر، إلا أن القضاء سرعان ما يصحح هذه الاجتهادات ويعود إلى مساره الراسخ.
وأوضح أن خطط ولجان الإصلاح القضائي تتجدد من حين إلى آخر، وتقودها الإرادة الملكية بهدف تطوير مرفق القضاء بكافة مكوناته، ولا سيما جناح التنفيذ.
وبيّن عبابنة، أن ما يعزز الطمأنينة والثقة بالجهاز القضائي، هو أن القائمين على إدارته عبر العقود هم من القضاة المعروفين بالنزاهة والخبرة، ما مكّنه من الصمود في وجه الفساد والمحسوبية، ليبقى من أكثر مؤسسات الدولة تماسكاً.
وأضاف أن الدول المتقدمة تحرص على طمأنة أفراد المجتمع وتعزيز ولائهم الوطني، إلى جانب جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر، وهو ما يستدعي الوقوف المستمر عند واقع القضاء، سواء في قضاء الموضوع أو قضاء التنفيذ.
ولفت عبابنة، إلى أن مواكبة المستجدات أصبحت ضرورة، عبر توظيف التكنولوجيا، والتوسع في التخصصات القضائية، وإنشاء غرف متخصصة للنظر في القضايا الفنية التي تتطلب خبرات دقيقة، مؤكداً أن الجهاز القضائي يضم العديد من الكفاءات القادرة على توطين هذه التخصصات والنهوض بها، وهو ما يعزز من مكانة القضاء الأردني الذي يحظى بالاعتزاز.
وبحسب عبابنة، فإنّ الاهتمام الملكي بالقضاء، شكّل نهجاً ثابتاً رافق مسيرة الدولة الأردنية منذ تأسيسها، حتى غدا استقلال السلطة القضائية من الثوابت الراسخة، مضيفاً أن هذا القطاع يحظى بدعم ملكي كبير ومتواصل، باعتباره الملاذ الذي يعيد الحقوق لأصحابها ويصون كرامتهم، إلى جانب كونه معياراً أساسياً لسمعة الأردن.
وبين أنّ الدعم الملكي المتواصل لمرفق القضاء، لم يقتصر على التأكيد النظري لأهميته، بل تُرجم إلى خطوات عملية وبرامج إصلاحية مستمرة، هدفت لتطوير البنية التشريعية وتعزيز كفاءة العمل القضائي، وتحديث إجراءاته، بما يواكب المتغيرات الحديثة.
وأكد أنّ هذا الدعم أسهم في ترسيخ استقلال القضاء وتعزيز ثقة المواطنين به، إلى جانب رفع مستوى أدائه ليكون أكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات العدالة وحماية الحقوق، بما ينسجم مع مكانة القضاء كركيزة أساسية في بناء الدولة وسيادة القانون.
من جهته، أكد عضو مجلس نقابة المحامين وليد العدوان، أن المتابعة الدقيقة التي يبديها جلالة الملك لأداء مؤسسات الدولة، ولا سيما الجهاز القضائي، تعكس حرصاً دائماً على ترسيخ مبادئ العدالة والنزاهة وسيادة القانون، مشيراً إلى أن هذا الاهتمام يأتي في سياق طبيعي لدولة تقوم ركائز استقرارها على وجود قضاء عادل ومستقل يحظى بثقة المواطنين والمستثمرين.
وأوضح العدوان، أن القضاء الأردني يتمتع بسمعة راسخة في النزاهة والعدالة، إلا أن التحولات المتسارعة، إلى جانب التوسع في التحول الرقمي، تفرض ضرورة التطوير المستمر، في إطار ما يمكن تسميته بـ"العدالة المعاصرة"، التي توظف التكنولوجيا لتيسير إجراءات التقاضي دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة.
وشدد على أن التطوير، يجب أن يركز على تحقيق العدالة ذاتها، لا مجرد تسريع الإجراءات، محذراً من اختزال الإصلاح في عامل الزمن فقط.
لافتا إلى أن التحول الرقمي أصبح ضرورة، لكنه يتطلب مراعاة خصوصية العمل القانوني، وعدم المساس بتقاليد مهنة المحاماة، خاصة فيما يتعلق بالتقاضي عن بعد، مبيناً أن مناقشة الشهود عبر الوسائل الإلكترونية دون مواجهة مباشرة قد تؤثر على تقييم الشهادات، التي تعتمد جزئياً على ملاحظة السلوك وردود الفعل.
وجاء تسلّم جلالة الملك لتوصيات اللجنة تتويجاً لعمل استمر منذ تشرين الثاني (نوفمبر) العام الماضي، حيث ركزت اللجنة على ثلاثة محاور رئيسة، شملت تطوير إجراءات التقاضي، وتطوير الإدارة القضائية، ومراجعة البنية التحتية الإنشائية والتقنية.
واستندت اللجنة في عملها إلى أربع مرجعيات وطنية، تمثلت في تقرير اللجنة الملكية لعام 2017، وخارطة طريق تحديث القطاع العام، ورؤية التحديث الاقتصادي، والخطة الإستراتيجية القطاعية للأعوام 2017 و2022.
كما ارتكزت على خمسة ثوابت أساسية، هي تطوير الإدارة المؤسسية، وتحسين بيئة عمل القضاة، وتسهيل الوصول إلى العدالة، وتحديث منظومة العدالة الجزائية بما يعزز ضمانات المحاكمة العادلة، إلى جانب التوسع في إنشاء دوائر قضائية متخصصة في مختلف درجات التقاضي.
واقترحت اللجنة إجراء تعديلات على ستة قوانين مرتبطة بالقضاء والمحاكمات، إضافة إلى التوصية بمراجعة نظام الخبرة أمام المحاكم النظامية، ونظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية المدنية.
كما أوصت بالتوسع في اختصاصات الغرفة الاقتصادية لتشمل المنازعات الاستثمارية في مختلف درجات التقاضي، ورفع كفاءة القضاة العاملين فيها، بما يسهم في خلق بيئة قضائية جاذبة للاستثمار.
وشمل عمل اللجنة مراجعة التشريعات والتوصية بتعديل أكثر من 200 مادة قانونية، بهدف إحداث نقلة نوعية في العمل القضائي، وتحقيق العدالة الناجزة، وتعزيز الأمن المجتمعي، ورفع مستوى الثقة بالنظام القضائي.
وتضمنت التوصيات تفعيل دور المكاتب الفنية في المحاكم، وتطوير نظام الخبرة، وتفعيل نظام الاختيار الإلكتروني للخبراء، وإعادة النظر في اختصاصات قاضي الصلح ومحكمة البداية، إضافة إلى توسيع اختصاصات الغرف الاقتصادية.
كما ركزت على توحيد الإجراءات أمام محاكم الدرجة الأولى، وتبسيط إجراءات التقاضي، وتعزيز استخدام التكنولوجيا، وتطوير إدارة الدعوى المدنية، والتوسع في الغرف القضائية المتخصصة.
واقترحت اللجنة إعداد برنامج تنفيذي يتضمن خططاً زمنية تمتد حتى الربع الثالث من عام 2027، مع متابعة تنفيذها وتقييمها بشكل مستمر، بما يضمن تحقيق نقلة نوعية في منظومة العدالة في الأردن.
وأكد الأمين العام للمجلس القضائي الأردني القاضي علي المسيمي في تصريحات له عبر تلفزيون المملكة، أهمية تحقيق العدالة الناجزة، مشيراً إلى ضرورة تقليص أمد التقاضي في ظل تراكم القضايا والإجراءات المتبعة أمام المحاكم.
وأوضح المسيمي، أن التطور التكنولوجي، بما في ذلك استخدام الإجراءات الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، يفرض التوجه نحو توظيف هذه الأدوات في تطوير العمل القضائي وتسريع إجراءاته، بما يعزز كفاءة الفصل في القضايا.
وأشار إلى أن من أبرز التوجهات العمل على تعديل التشريعات لاعتماد الوسائل الإلكترونية في إجراءات التقاضي لتصبح الخيار الأساسي، إلى جانب تقليل الاعتماد على الوسائل التقليدية.
وبيّن أن النظام القضائي ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على المحاكم التقليدية والملفات الورقية، رغم تطبيق بعض الإجراءات عن بعد، مثل إجراء محاكمات جزائية دون نقل الموقوفين، ما يسهم في تقليل المخاطر والجهد.
ولفت إلى أهمية التوسع في استخدام التقنيات الحديثة لتسهيل الإجراءات على المتقاضين والمحامين، خاصة في القضايا التي لا تتطلب الحضور الشخصي، مثل تقديم اللوائح والمذكرات والبينات، مع الإبقاء على الجلسات التي تستوجب الحضور لضمان تحقيق العدالة.
وأكد ضرورة الربط الإلكتروني بين المؤسسات والدوائر الرسمية لتسهيل الحصول على البيانات دون تأخير، بدلاً من تكليف المتقاضين بمراجعتها، مشيراً إلى التوجه نحو اعتماد التوقيع الإلكتروني في ضوء تعديل قانون المعاملات الإلكترونية.
كما أشار إلى دور الوسائل الإلكترونية في تحسين إجراءات التبليغ، والحد من تأخير القضايا، إضافة إلى إمكانية الاستماع إلى الشهود عن بعد في بعض الحالات، بما يسهم في تسريع الإجراءات وتقليل مدد التأجيل.