الغد
روبرت فوكس* - (الإندبندنت) 2026/9/8
من فوكلاند ومضيق هرمز إلى القطبين الشمالي والجنوبي، يتحول النفط إلى وقود لصراعات جيوسياسية جديدة، مع تراجع فرص السلام في مناطق غنية بالطاقة. ومع استمرار الاعتماد على الهيدروكربونات لعقود، تتجه روسيا وأميركا والصين إلى مواجهة محتملة على موارد المناطق القطبية.
دفع الخلاف على النفط في حوض شمال فوكلاند الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي إلى تجديد مطالبة بلاده بالسيادة على جزر فوكلاند. وقال في خطاب متلفز وجهه إلى الشعب مؤخراً إن "رياح التغيير" أخذت تهب لمصلحته، معرباً عن توقعه الحصول على دعم دونالد ترامب.
وليس الخلاف مشادة عابرة، بل تطور جديد في معركة السيطرة على منابع النفط، وهو أحد هواجس دونالد ترامب. ويقع النفط والطاقة في صلب كثير من النزاعات والحروب التي يبلغ عددها نحو 60 في مختلف أنحاء العالم اليوم. وخلال العقد المقبل، يُرجح أن تنتقل المواجهة على النفط والهيدروكربونات إلى مناطق جديدة، لا سيما القطب الشمالي والقارة القطبية الجنوبية.
في خطابه المذكور، هدد ميلي بفرض عقوبات على أي شركة أو متعهد يشارك في الاستغلال التجاري لامتياز "سي لايون"، الواقع على بعد نحو 130 ميلاً (209 كيلومترات) شمالي غربي جزر فوكلاند. ويُرجح أن تبدأ أعمال الحفر والاستخراج في أواخر العام المقبل أو في مطلع العام 2028. وتشارك في المشروع شركتان، هما "روكهوبر" البريطانية و"نافيتاس" الإسرائيلية. وأدى التهديد المدوي الصادر من بيوينس آيرس إلى انخفاض سعر سهم "نافيتاس" بنسبة 7 في المائة في بورصة تل أبيب.
تشير أحدث التقديرات إلى أن إنتاجية الحقل الذي ستعمل فيه "روكهوبر" قد تصل إلى 1.9 مليار برميل. وبفضل أحدث التقنيات، يُفترض أن يكون استخراج النفط منه سهلاً نسبياً بعدما ظلت جدوى ذلك موضع شك حتى الآن. وكان التنقيب عن النفط حول الجزر قد بدأ في سبعينيات القرن الماضي، أي قبل عقد من المواجهة بين بريطانيا والأرجنتين في العام 1982، التي قُتِل فيها نحو ألف شخص خلال حرب قصيرة استمرت 12 أسبوعاً.
زعم المشككون أن احتمال تحقيق ثروة نفطية ضخمة هو ما أقنع مارغريت ثاتشر بأن القتال من أجل الجزر يستحق خوضه. لكنني، بحكم وجودي في الجزر ومحيطها آنذاك مراسلاً لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" وغيرها، لم أجد أحداً في قطاع الطاقة يعتقد أن نفط فوكلاند قابل للاستغلال تجارياً.
ومن المؤكد أن الكميات المرجح استخراجها من حقل "سي ليون" لا تقارن بالصفقة التي أبرمتها إدارة ترامب بشأن النفط الفنزويلي في الآونة الأخيرة. فقد وقعت الرئيسة الفنزويلية بالإنابة، ديلسي رودريغيز، اتفاقاً يمنح شركات أميركية امتيازاً لاستغلال ما يصل إلى 65 مليار برميل من النفط على مدى العامين المقبلين.
وهذا أحد أعراض النزعة التجارية الجديدة التي تتبناها إدارة ترامب، والتي من المرجح أن تستمر بعد انتهاء ولايته. وقد جرى تكريسها في إستراتيجية الأمن القومي الصادرة في تشرين الأول (نوفمبر) الماضي، عندما سعى ستيفن ميلر، أحد أقرب مستشاري ترامب، إلى إعادة صياغة عقيدة الرئيس جيمس مونرو. وبعبارات مباشرة، تَعتبر هذه العقيدة نصف الكرة الغربي -أي أميركا الشمالية والجنوبية والمحيطات المحيطة بهما- "مجالنا الخاص". ولهذا السبب، أرجح أن ينحاز ترامب إلى جانب ميلي في قضية فوكلاند، تماماً كما ألمح إلى ذلك. وعلى الرغم من شعبويته الغريبة، فإن ميلي يمثل في أميركا اللاتينية الوجه الأبرز لحركة "ماغا" في الولايات المتحدة.
يزداد هوس ترامب بالنفط والغاز الأميركيين بفعل الجمود الذي وصلت إليه حربه مع إيران، والمشكلات التي تواجهها روسيا حالياً في صادرات الطاقة. فأسواق النفط والغاز في روسيا تتقلص، فيما تجازف ناقلات "أسطول الظل" المتهالكة بالإبحار في محيطات العالم، وسط تزايد المخاطر وتراجع العوائد.
يُرجح أن تكون الرمال النفطية الكندية، وكذلك حوض مالفيناس بأكمله، مدرجة على جدول أعمال ترامب. ويشكل حوض شمال فوكلاند الجزء الشمالي والأكثر جاذبية من سلسلة حقول تكوّن مجتمعة حوض مالفيناس الكبير –الذي عُدت ظروفه الطبيعية حتى الآن بالغة الصعوبة إلى حد يحول دون استغلاله في صورة مجدية تجارياً. ولكن ينبغي الانتباه إلى أن ميلي أعلن في خطابه المتلفز المذكور أن الأرجنتين ستبني "قاعدة عملاقة" جديدة في تييرا ديل فويغو عند الطرف الجنوبي للقارة. ويقول الآن إنها ستكون مركزاً تنطلق منه الأرجنتين لاستكشاف موارد الجزر الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي واستغلالها، ومنها جورجيا الجنوبية وثولي الجنوبية وجزر شيتلاند الجنوبية.
وهذا يقود الأرجنتين أيضاً إلى القارة القطبية الجنوبية، حيث تعمل منذ فترة على إنشاء قاعدة عسكرية متعددة الاستخدامات، في انتهاك لـ"معاهدة أنتاركتيكا" الموقعة للعام 1959.
ومن المتوقع أن تصبح القارتان القطبيتان، الجنوبية والشمالية، أبرز ساحات التنافس ومصادر الصراع المحتمل خلال العقدين المقبلين على الأقل. فالثروات المعدنية والهيدروكربونات موجودة فيهما بكميات هائلة. ومع ارتفاع درجات الحرارة العالمية تصبح إمكانية الوصول إليها أسهل.
خلافاً للتوقعات التي سادت مطلع هذا القرن، لم نبلغ بعد ذروة النفط -أي أعلى مستويات إنتاج الهيدروكربونات أو استهلاكها. وترى وكالة الطاقة الدولية، مثلاً، أن هذه الذروة ستتحقق في وقت ما خلال ثلاثينيات هذا القرن، لكن توقعات "منظمة الدول المصدرة للنفط" (أوبك) تشير إلى أنها لن تتحقق قبل عقدين إضافيين على الأقل.
مع أن مصادر الطاقة المتجددة تستحوذ على حصة متزايدة من إمدادات الطاقة تصل حالياً إلى 30 في المائة في بعض الاقتصادات المتقدمة، سيظل اعتمادنا على المواد الهيدروكربونية قائماً لبعض الوقت، على الرغم من المؤشرات التحذيرية الناجمة عن تغير المناخ.
وستكون المنطقتان القطبيتان ساحة التنافس الكبرى، لا سيما في ظل عجز الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية عن الوصول إلى السلام والوئام. وستشهدان صداماً مباشراً بين مصالح روسيا والولايات المتحدة والصين. ولسبب ما، لا أعتقد أن السلام سيسود.
*روبرت فوكس: صحفي ومعلق بريطاني مخضرم في شؤون الدفاع والأمن الدولي، عمل مراسلاً دفاعياً لـ"ديلي تلغراف" ومحرراً دفاعياً لـ"إيفننغ ستاندرد"، وغطّى حروباً وصراعات عدة، بينها الشرق الأوسط والعراق وأفغانستان والبلقان.