الغد
لم يجد «نتنياهو» في محاولته الأخيرة لتعزيز حظوظه الانتخابية سوى استدعاء ورقته الأمنية التي يعتقد أنها رابحة في كل الأزمان والأحوال، ولكنه هذه المرة شطح بخياله حينما اخترع «عدوا» وجوديا عابرا للحدود لتأجيج مخاوف الناخبين، مع استبدال الأمكنة، فبدلا من رواية «حماس الداعشية» في غزة التي فشل في ترويجها داخليا ودوليا لزيف سندها، لجأ لخطاب الترهيب بادعاء تسلل خلايا تنظيم «داعش» الإرهابي من القطاع نحو عمق الكيان الصهيوني لتنفيذ هجمات وشيكة قبل موعد الاقتراع بالضبط!
ولأنه «المخلص»؛ فهو وحده القادر على درء خطر التنظيم الداهم، شريطة فوز معسكره اليميني المتطرف في الانتخابات، وعدا ذلك، فإن أمن الناخبين سيكون على محك التهديد الوجودي. غير أن «نتنياهو» لم يدرك أن ما خطط له ونسج سرديته الزائفة قد ينقلب عليه أيضا.
ولم يكن «نتنياهو» من بدأ بإثارة تلك المزاعم، بل «المعارضة» الصهيونية، ولا سيما «أفيغدور ليبرمان» رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» و»يائير لابيد» مؤسس حزب «هناك مستقبل»، في سياق سجال انتخابي اتهمه فيه «بتهديد الأمن» حينما سلح عناصر موالية تحمل فكر «داعش» ضمن الساحة الغزية كجزء من خطة ضرب حركة «حماس» وتفكيك إدارتها وإيجاد بديل لها. ولا يعني ذلك التحرك أن «المعارضة» باتت فجأة أكثر سلاما ومهادنة مع حقوق الشعب الفلسطيني أو أنها مستاءة من عدوان الاحتلال في غزة، فحرب الإبادة الجماعية ضد القطاع متفق عليها من جل التيارات اليسارية واليمينية والدينية الصهيونية، بما فيها «المعارضة» التي تسوق اتهاماتها من باب المزايدات الانتخابية فقط.
ولكن؛ بدلا من إنكار التهم؛ التقط «نتنياهو» مضمونها وقلبها لصالحه في محاولة للاستعاضة بها عن فشل محاولاته المتكررة السابقة لإقناع المجتمع الدولي بالادعاءات التي أطلقها في 7 أكتوبر 2023 «بتماثل حماس مع داعش هيكليا وأيديولوجيا» وبتعاونهما في تنفيذ عملية «طوفان الأقصى»، والتي لم يستطع أيضا ترسيخها في أذهان أنصاره المستوطنين.
ومنذ ذاك؛ انطلقت الماكينة الإعلامية لليمين المتطرف لتحويل «الاتهامات» إلى مادة دعاية انتخابية دسمة تحذر من خطر تسلل الخلايا الداعشية إلى الكيان الصهيوني لشن عمليات إرهابية بهدف ترويع الناخبين وخدمة أهداف الليكود الانتخابية. أما «نتنياهو» فقد ذهب أبعد من ذلك عبر الترويج لها في جولاته وصناعة مقاطع فيديو مفبركة عنها وتحويل تقارير أجهزته الأمنية الروتينية إلى «أداة ترهيب»، لأنه يدرك جيدا أن بقاء المستوطنين في حالة طوارئ نفسية دائمة يمنع العقل الجمعي من التفكير في الأزمات الاقتصادية والشروخ المجتمعية وقضايا الفساد، ويوجه بوصلة التصويت نحو شعار «الأمن المطلق»، الذي يسعى إليه.
وفي منظور «نتنياهو» المتطرف؛ فإن توظيف ورقة «داعش» في المعركة الانتخابية يخدمه كثيرا؛ فبعد أن تصدعت صورته التقليدية «كسيد الأمن» إبان ثلاث سنوات من الإخفاقات المتتالية وبات مثقلا بملفات الفشل الأمني الذريع المحيط بها وسط مطالب داخلية بلجنة تحقيق رسمية مستقلة لا يزال يحاول تأجيلها، وفي ظل المنافسة الانتخابية الشرسة، فإن إعادة تدوير المخاوف من باب التهديد العابر للحدود قد يضمن له الهروب من المسؤولية وإقناع الناخبين المجبولين بالهاجس الأمني بأن حربه وجودية ضد الإرهاب، وأن اللحظة الحالية تحتاج إلى «قائد بمواصفات خاصة» لا يملكها منافسوه في المعارضة.
ولكن الرواية الزائفة انقلبت عليه؛ فرغم براعته في المناورة، إلا أنه يواجه هذه المرة جدارا صلبا من التشكيك الداخلي. الخبراء الأمنيون بالكيان المحتل يشيرون إلى تناقض صارخ؛ فإذا كان «داعش» قد وجد موطئ قدم في غزة، فإن ذلك يعد دليلا إضافيا على فشل إستراتيجية «نتنياهو» لإدارة الصراع المستمرة منذ عقدين، والتي قامت على إضعاف السلطة الفلسطينية وخلق فراغ أمني بالقطاع. كما أن اتهامات المعارضة له تضع روايته الأمنية الزائفة في موقف دفاعي محرج أمام الناخبين، الذين باتوا أقل استجابة للترهيب الشفهي وأكثر ميلا لمحاسبة القيادة السياسية على نتائج وعودها الأمنية المفقودة.
قد تمثل ورقة «داعش» محاولة يائسة لـ»نتنياهو» لإعادة إنتاج الخوف الذي طالما أنقذه في الأمتار الأخيرة من السباقات الانتخابية السابقة. لكن المبالغة في افتعال التهديدات قد لا تجلب له الأصوات التي يرجوها، بل قد تعزّز قناعة الناخبين بأن بقاءه في السلطة يشكل المغذي الأول لها، ما لم يلوح بتهديد جديد قد يقلب المعادلة الانتخابية.