الغد
خلال لقاء جمعني مع شخصية سياسية فلسطينية قبل أيام، توقعت أن يدور الحديث حول فرص نجاح الوسطاء، واحتمالات تثبيت وقف إطلاق النار، ومستقبل غزة بعد الحرب. لكن الرجل فاجأني بجملة لم تغادر ذهني منذ ذلك الحين. قال بهدوء: "ربما تكون حماس قد وصلت إلى نهاية المرحلة". لم يكن يقصد نهاية الحركة، ولا اختفاءها من الحياة السياسية الفلسطينية، بل نهاية الدور الذي عرفته منذ سيطرتها على قطاع غزة. ثم أضاف: "الحركات لا تنتهي دائماً بالهزيمة. أحياناً يسبقها الزمن، فتضطر إلى البحث عن دور آخر".
استعدت تلك الكلمات وأنا أقرأ تفاصيل المسودة الخاصة بالمرحلة الثانية من اتفاق غزة. فالقضية لم تعد مجرد وقف لإطلاق النار أو تبادل للأسرى، بل انتقلت إلى أكثر الملفات حساسية منذ تأسيس الحركة: السلاح، وإدارة القطاع، وشكل اليوم التالي. هنا يبدأ السؤال الحقيقي. هل وصلت "حماس" إلى قناعة بأن الحرب الأخيرة غيّرت قواعد اللعبة، أم أنها تمارس تكتيكاً سياسياً جديداً يخفف الضغوط ويحفظ لها مكاناً في المشهد الفلسطيني؟
من السهل النظر إلى ما جرى باعتباره تنازلاً مشروطاً أو مرونة فرضتها الحرب. لكن القراءة الأعمق تقول إن الحركة تقف أمام لحظة لم تعرفها من قبل. فمنذ تأسيسها، لم يكن السلاح مجرد أداة في مشروعها، بل كان جزءاً من هويتها السياسية والتنظيمية. أما اليوم، فقد أصبح هذا السلاح نفسه بنداً يخضع للنقاش، وجدولاً زمنياً، وآليات رقابة، وترتيبات فلسطينية ودولية. وقد لا يكون ذلك نهاية السلاح، لكنه بالتأكيد نهاية مرحلة كان السلاح فيها خارج أي تفاوض.
لا تقول "حماس" إنها تراجعت، وهي محقة في الدفاع عن روايتها. فهي تربط أي خطوة بانسحاب إسرائيلي، وإعادة إعمار، وضمانات دولية، ولجنة وطنية تتولى إدارة القطاع. تريد أن يبدو الأمر اتفاقاً متبادلاً لا استسلاماً أحادياً. لكن السياسة لا تحاكم النيّات، بل تقرأ الاتجاهات. والاتجاه الواضح هو أن الحركة انتقلت من الدفاع عن استمرار حكمها في غزة إلى التفاوض على شروط ما بعد هذا الحكم.
الحرب الأخيرة لم تدمّر الأحياء والمخيمات فقط، بل أعادت رسم الخريطة السياسية أيضاً. الكلفة الإنسانية غير المسبوقة، وتبدل المزاج الإقليمي، وتراجع قدرة الحلفاء على إدارة الصراع كما في السابق، كلها عوامل دفعت الجميع إلى مراجعة حساباتهم. وما يبدو اليوم مرونة من جانب "حماس" قد يكون في حقيقته اعترافاً بأن البيئة التي أنتجت تجربتها العسكرية لم تعد كما كانت.
لكن هل يعني ذلك أن الحركة تستعد لمغادرة المسرح؟
يصعب القفز إلى هذا الاستنتاج. فالتاريخ الفلسطيني مليء بتنظيمات اعتقدت أن حضورها دائم، ثم وجدت نفسها خارج المشهد عندما تبدلت الظروف. بعضها ذاب في مؤسسات أكبر، وبعضها انتهى بانتهاء وظيفته، وبعضها بقي اسماً في كتب التاريخ. غير أن "حماس" تختلف عن معظم هذه التجارب. فهي ليست مجرد تنظيم مسلح، بل حركة تمتلك قاعدة اجتماعية، وحضوراً سياسياً، وبنية تنظيمية، ورواية رسخت نفسها في الوعي الفلسطيني طوال عقود. ولهذا يبدو أقرب إلى المنطق القول إنها لا تبحث عن نهاية وجودها، بل عن إعادة تعريف هذا الوجود.
وهنا تبرز زاوية أخرى قد تكون أكثر أهمية. فهل توافق "حماس" فعلاً على تسليم إدارة غزة لأنها اقتنعت بأن زمن الفصائل المسلحة انتهى، أم أنها تضع اللجنة الوطنية المقبلة أمام امتحان بالغ الصعوبة؟ فإذا نجحت هذه اللجنة في إدارة القطاع، وفرضت مبدأ "سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد"، فسيكون الفلسطينيون أمام بداية مرحلة جديدة. أما إذا أخفقت، فإن الحركة ستجد نفسها أول المستفيدين من هذا الفشل، باعتبارها القوة الأكثر تنظيماً وقدرة على العودة إلى ملء الفراغ.
لهذا لا تبدو اللجنة الوطنية مجرد إدارة انتقالية، بل اختباراً لفكرة الدولة الفلسطينية نفسها. هل تستطيع المؤسسات أن تحل مكان الفصائل؟ وهل يستطيع الفلسطيني، الذي دفع ثمناً باهظاً خلال الحرب، أن يثق بسلطة مدنية تحتكر القرار والسلاح معاً؟ هذه الأسئلة قد تكون أصعب من الاتفاق نفسه.
أما إسرائيل، فلا تبدو أقل حيرة. فهي تصرّ على نزع كامل للسلاح قبل استكمال الانسحاب، بينما تصرّ "حماس" على أن يكون تنظيم السلاح جزءاً من عملية متزامنة مع الانسحاب وإعادة الإعمار. وبين الموقفين تقف هوة واسعة من انعدام الثقة، تجعل الاتفاق ممكناً على الورق، وصعباً في التنفيذ.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بمخازن السلاح ولا بالأنفاق وحدها، بل بمصير لاعب كان طوال أربعة عقود أحد أهم الفاعلين في القضية الفلسطينية. وربما تكون "حماس" قد أدركت أن الفصل العسكري من تجربتها يقترب من نهايته، لكنها لم تحسم بعد شكل الفصل الذي يليه. وربما تكون، في الوقت نفسه، تراهن على أن من سيأتي بعدها لن ينجح في ملء الفراغ، فتعود هي من نافذة السياسة بعدما أغلقت الحرب باب القوة.
لهذا لم تغادرني عبارة ذلك السياسي الفلسطيني. ربما لم تصل "حماس" إلى نهاية قصتها، لكنها وصلت بالتأكيد إلى أكثر محطاتها حساسية. وفي تاريخ الحركات، ليست اللحظة الأخطر هي لحظة الهزيمة، بل لحظة الإجابة عن سؤال واحد: ماذا بعد؟