عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Oct-2026

لماذا يُرعب فيلم "نازا" النخبة الليبرالية في إسرائيل؟

 الغد-

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
سيباستيان بن دانيال* - (مجلة 972+) 2/10/2026
 
على مدى عقود، عمل المعسكر الليبرالي في إسرائيل على ترسيخ آلية دفاع مريحة وفعالة. عندما تُطرح أسئلة أخلاقية محرجة بشأن أفعال إسرائيل، كان من الممكن عادةً إسناد المسؤولية إلى الأطراف السياسية المتطرفة. وكان الجناة دائمًا هم "التفاحات الفاسدة": شبانُ التلال؛ الوزراء المنتمون إلى اليمين المتطرف؛ وحدة مشاة مارقة ما؛ ومستوطنون لن يدعوهم أحد يقطن في شمال تل أبيب إلى العشاء.
 
 
وكان تقسيم العمل هذا مريحًا بطريقة لافتة: اليمين هو الذي يرتكب الجرائم؛ والليبراليون يوفّرون الأخلاق. وكان الاحتلال وجولات الحرب المتعددة في غزة، بكل ما تنطوي عليه من قبح، أمورًا يفعلها "هم"، بينما نحقق "نحن" في الانتهاكات ونحتج لإنقاذ الديمقراطية الإسرائيلية.
يضرب فيلم "نازا" هذه الحجة التبريرية في الصميم. وهو يتجاوز الأشرار المعتادين ويتجه مباشرة إلى أقدس أقداس النخبة الإسرائيلية: "الوحدة 8200" التي توفر المعلومات الاستخبارية لتحديد أهداف الغارات الجوية؛ وسلاح الجو الذي يحوّل تلك الأهداف إلى مبانٍ مدمرة وعائلات قتيلة. وليس الأشخاص الذين يضعهم الفيلم تحت المجهر الأخلاقي مستوطنين، وإنما من خريجي أفضل المدارس والوحدات العسكرية النخبوية الذين ينتقلون بعدها إلى الجامعات وشركات التكنولوجيا المتقدمة -بالتحديد الأشخاص الذين ترى إسرائيل الليبرالية نفسها فيهم عندما تنظر في المرآة.
هذه هي الفكرة التي يستحيل التسامح معها في الفيلم. إذا كان ما فعلته إسرائيل في غزة إبادة جماعية، فإنها إلى حد كبير إبادة جماعية ليبرالية. وليس ذلك لأن مهندسيها يصفون أنفسهم بأنهم ليبراليون، وإنما لأن آلة التدمير تعتمد على مؤسسات يعمل فيها إسرائيليون علمانيون ومتعلمون وبارعون تكنولوجيًا، والذين يتخيلون أنفسهم نقيضًا لليمين المتطرف. بل إن مخرجَي الفيلم يحرمان الشخصيات التي يتناولانها من طقس "أطلق النار وابكِ" الإسرائيلي القديم، الذي يفترض أن الشعور بالسوء إزاء العنف يمكن أن يعني -بطريقة ما- التكفير عنه.
وكان ردّ فعل اليمين متوقعًا: وصف رئيس أركان الجيش الفيلم بأنه "فرية دم"، وأيّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الثقافة، ميكي زوهار، اقتراح سحب الجنسية من مخرجَيه، بينما بحث الجيش اتخاذ إجراءات قانونية على خلفية ما زُعم أنها تسريبات.
لكن رد الفعل الأكثر دلالة كان الغضب الذي صدر عن الإعلام الإسرائيلي "الليبرالي". فقد أدان معلّقون فيلمًا لم يشاهدوه أصلًا، ورفضوا شهاداته بينما كان الجيش يحقق في كيفية وصول معلومات سرية إلى صانعي الفيلم، وفي الوقت الذي كانت فيه حقيقة الدمار المنهجي الذي لحق بغزة واضحة للعيان. ووجد صحفيون اعتادوا الاستناد إلى مصادر أمنية مجهولة أنفسهم فجأة أمام اهتمام شبه متزمت بشفافية المصادر، وأبدوا قدرًا ضئيلًا من التضامن المهني، وراحوا يُعملون المنشار في الغصن الذي تستند إليه الصحافة الاستقصائية نفسها.
ويشتكي النقاد من أنهم لا يستطيعون إخضاع الفيلم للتدقيق الكافي، مع قدر أقل بكثير من الاعتراف بحقيقة أن إسرائيل رفضت منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023 السماح للصحفيين الأجانب بدخول غزة بصورة مستقلة. وأصبحت معايير الشك التي كانت شبه غائبة، وظلت نائمة بسلام بينما كان الجيش يعمل خلف جدار من الرقابة والقيود على الوصول، أكثر صرامة بكثير الآن بعد أن بدأ الجنود الإسرائيليون أنفسهم يتحدثون.
كما أنفقت المناقشة العامة طاقة أقل بكثير على جوهر الشهادات الواردة في "نازا". ويبدو في إسرائيل اليوم أن الذين تحدثوا عن جرائم محتملة يواجهون خطرًا قانونيًا أكثر إلحاحًا بسبب حديثهم عنها من أولئك المتهمين بارتكابها.
وفوق ذلك كله، ليست الاكتشافات الأساسية في الفيلم جديدة. كان يوفال أبراهام قد نشر أول تقرير عن استخدام الجيش أنظمةً للذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، وعن المعدلات المتساهلة بشأن سقوط الضحايا المدنيين، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2023. وكان أمام وسائل الإعلام الإسرائيلية متسع من الوقت -بل سنوات في الحقيقة- لمتابعة هذه القصة والتحقيق فيها. ولذلك، فإن الضجة الحالية لا تتعلق كثيرًا بالمعايير الصحفية. إنها تتعلق بما يحدث عندما يصبح من المتعذر إبقاء حقائق كان يمكن التسامح معها ما دامت محصورة في هوامش التغطية، في الهامش.
"لاتفكير" بيروقراطي
يثير فيلم "نازا" أقصى درجات القلق حين يكشف كيف تُترجم عمليات القتل الجماعي إلى لغة تكنولوجيا. وفي هذه اللغة يتحدث جنود الاستخبارات عن تطوير الخوارزميات، وتوليد الأهداف، ومجموعات البيانات، والعتبات، والتحسين. وفي المقابل، يظهر الشخص الذي سيموت في نهاية هذه العملية أولًا بوصفه مُدخلًا في نظام. وتظهر الأسرة المحيطة به في صورة تقدير. ويظهر المبنى المدمَّر والجثث المتفحمة باعتبارها مخرجات النظام.
تشكل "الوحدة 8200" أيضًا إحدى أهمّ بوابات الدخول إلى قطاع التكنولوجيا المتقدمة لأنها تتيح تحويل الخبرة المكتسبة داخل منظومة الاستهداف الجماعي لاحقًا إلى رأسمال مهني. ولا تكمن المفارقة الفادحة في أن الجنود يبدون ساديين، وإنما في كثرة ظهورهم ببساطة بمظهر الكفاءة المهنية الصرفة.
هذا هو المكان الذي تصبح فيه معالجة هانا أرندت لمفهوم "اللاتفكير" البيروقراطي مفيدة؛ ليس بوصفها تشبيهًا تاريخيًا سطحيًا، وإنما باعتبارها وصفًا للطريقة التي يمكن أن تتجزأ بها المسؤولية. ولا يعني "اللامتفكَّر فيه" عند أرندت الغباء بقدر ما يعني العجز عن -أو الإخفاق في- رؤية العالم من منظور الشخص الذي يقع عليه الفعل. وتجعل البيروقراطيات الكبرى ذلك أسهل من خلال تقسيم الفعل إلى وظائف منفصلة: ثمة شخص يكتب الشيفرة؛ وآخر يتحقق من المعلومات الاستخبارية؛ وثالث يوافق على الهدف؛ ورابع يقود الطائرة. ويمكن لكل واحد من هؤلاء أن يؤدي مهمته باحتراف، بينما تظل المسؤولية الأخلاقية عن المحصلة الكاملة بلا صاحب.
وكانت أرندت واضحة في أن "اللاتفكير" البيروقراطي لا يعفي الأفراد من المسؤولية عن أفعالهم. لكن بعض منتقدي أرندت جادلوا بأن الانصياع للبيروقراطية يمكن أن يتحول إلى قناع ملائم: ثمة أيديولوجي ومُنظِّر ملتزم يقدّم نفسه في صورة موظف ينفذ الأوامر.
يتيح لنا الجنود في "نازا" طريقة أخرى للتفكير في هذا التمييز. إنهم ليسوا متهمين يحاولون الإفلات من العقاب، وإنما اختاروا التحدث -مع احتمال تعريض أنفسهم للملاحقة القضائية بسبب ذلك. لكنهم، حتى في اعترافاتهم، يعودون بشكل متكرر وتلقائي إلى مفردات الأنظمة والإجراءات والمهام التقنية. وتوحي شهاداتهم بأن اللغة البيروقراطية لا يلزم أن تكون تعبيرًا أصيلًا عن اللاتفكير، ولا أن تكون دفاعًا تكتيكيًا أمام المحكمة. إنها قد تكون اللغة التي يفهم بها الناس عملهم، وفي الوقت نفسه، اللغة التي يبررون بها لأنفسهم مشاركتهم في العنف.
كما أن المسافة بين هؤلاء الجنود وضحاياهم تنطوي على مفارقة ما. يستطيع ضباط الاستخبارات اعتراض المكالمات الهاتفية، وسماع أفراد العائلات داخل المباني، ومتابعة المشهد بالبث الحي المباشر، ومراجعة آثار الغارات بدقة عالية. ويستطيع النظام نفسه الذي يخلق هذا القرب الاستثنائي من الضحايا أن يحافظ، في الوقت نفسه، على مسافة أخلاقية عميقة عنهم. وفي هذا النظام يتحول صوت طفل إلى معلومة تُستخدم للتحقق؛ وتتحول الأسرة إلى "أضرار جانبية".
لا يؤدي المزيد من المعلومات بالضرورة إلى مزيد من الإدراك الإنساني، وإنما قد ينتج تجريدًا أكثر تفصيلًا فحسب. وفي الوحدات العسكرية النخبوية، قد تُعزّز هذه المسافة عقلية "المنضمّ"؛ أي الشخص الذي تدفعه رغبته في الانتماء إلى إخضاع تفكيره النقدي المستقل لمعايير الجماعة.
ويجسد عنوان الفيلم نفسه هذه العملية. فكلمة "نازا" هي الاختصار العسكري لعبارة "نيزيك أغافي" nezek agavi، التي تعني "الأضرار الجانبية" بالعبرية. وتؤدي العبارة أصلًا فعلًا من أفعال الاختزال الأخلاقي: يتحول الرجال والنساء والأطفال القتلى والجرحى إلى فئة ضمن حسابات عملياتية. وتمنح الأتمتة هذا التعبير الملطف قوة أكبر.
كانت تقارير سابقة لــ"مجلة 972+" وموقع "لوكال كول" قد وصفت فترات قال فيها ضباط إن الجيش كان يسمح بقتل ما يصل إلى 15 أو 20 مدنيًا عند استهداف عنصر صغير في "حماس"؛ وأكثر من 100 مدني في بعض الهجمات على قادة كبار. وينازع الجيش في عناصر أساسية من هذه الروايات، ويقول إن قرارات الضربات يتخذها بشر وفقًا للقانون الدولي. لكن المشكلة الأخلاقية التي تكشفها الشهادات تظل قائمة: حين يُمثَّل موت المدنيين أساسًا بوصفه رقمًا مسموحًا به مرتبطًا بهدف محدد، يصبح بالإمكان معالجة القتل كما لو كان مسألة محاسبية.
هكذا تبدو تفاهة الشر في العصر الرقمي. كانت البيروقراطية القديمة توفر النماذج والتواقيع وسلاسل القيادة؛ لكنّ منظومة الاستهداف الجديدة تضيف إليها الواجهات الرقمية، ودرجات الثقة، وقوائم الأهداف، والأدوات البرمجية. ولا تعفي أيٌّ من المنظومتين الشخص الذي يستخدمها من المسؤولية. لكن كلتيهما يمكن أن تساعدا المستخدم على أن يرى نفسه مُشغّلًا لنظام وليس صانعًا للنتائج التي تترتب على أفعاله.
تضليل محسوب
غالبًا ما يعيد ردّ الإعلام الإسرائيلي إنتاج هذه الإزاحة للمسؤولية. عندما يواجه هذا الإعلام شهادات تتحدث عن قتل جماعي، يتراجع جانب كبير من النقاش فورًا ليتركز على الإجراءات: هل كان نظام معين ما حقًا "ذكاءً اصطناعيًا"؟ هل كانت خوارزمية هي التي اتخذت القرار أم أنها ساعدت في اتخاذه فحسب؟ وهل وُصفت سلسلة القيادة بدقة تامة؟
بعض هذه الأسئلة مهم. لكن التدقيق التقني يمكن أن يتحول أيضًا إلى ملاذ يتم الهروب إليه من السؤال الأوسع الذي تثيره الشهادات. وإذا أمكن اختزال النقاش في ما إذا كان عدد المدنيين الذين قُتلوا في غارة معينة دقيقًا أم لا، يصبح بوسع الناس تجنّب مواجهة الحقيقة التي يصفها الجنود: حقيقة أنهم يتحدثون عن منظومة صُممت لتوليد عمليات القتل ومعالجتها على نطاق هائل.
يحمي جنود "نازا" أنفسهم من الخسائر البشرية لعملهم من خلال الحديث عن اكتشاف الأهداف وتحسين الاستهداف. ويستطيع منتقدوهم في الإعلام الإسرائيلي حماية أنفسهم بالطريقة نفسها عن طريق التحول إلى مدققي حقائق يراجعون آليات المنظومة. وهذا التماثل بين الطرفين مقلق وغير مريح: كلاهما يحوّل مشكلة أخلاقية إلى مشكلة تقنية. والمشكلات التقنية مطمئنة لأنها قابلة للإصلاح: يمكن تحسين الخوارزميات، وتنظيف قواعد البيانات، وإعادة صياغة البروتوكولات. لكنّ ما لا يستطيع الإسرائيليون الليبراليون تحمّل سماعه هو احتمال أن تكون الآلة تعمل فعليًا كما صُمم لها أن تعمل.
ثمة أسباب بنيوية تجعل الصحافة الإسرائيلية شديدة القابلية لهذا الانسحاب إلى المجال التقني. فهي جزء من مجتمع تشكل فيه الخدمة العسكرية مؤسسة رئيسية للتنشئة الاجتماعية والترقية المهنية. وقد بدأ كثير من الصحفيين البارزين حياتهم المهنية في الإعلام العسكري أو التغطية الأمنية، بينما يعتمد المراسلون العسكريون على المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في الوصول إلى المعلومات والمصادر. وتصل تصنيفات الجيش -الدقة، والاستخبارات، والضرورة العملياتية، وجودة الهدف- إلى غرف الأخبار وهي محمَّلة سلفًا بسلطة الأوصاف المحايدة بدلًا من تقديمها كلغة أحد طرفَي حرب.
بعد سلسلة من التصريحات التحريضية التي أدلى بها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أصدر الجيش أخيرًا ردًا رسميًا على الفيلم، جاء مطابقًا بشكل لافت للمراوغة البيروقراطية نفسها التي ينتقدها الفيلم الوثائقي. وعلى سبيل المثال، زعم الجيش أن المدنيين كانوا يتلقون تحذيرات بصورة روتينية قبل الغارات، متجاهلًا عمدًا الحقيقة القاتمة المتمثلة في أن ذلك كان استثناءً متقطعًا. أما القاعدة العملياتية الفعلية -التي أفضت عمليًا إلى مقتل آلاف الأطفال- فكانت القصف المفاجئ من دون تحذير.
جادل الجيش بأنه، من الناحية التقنية، "لم يسبق للذكاء الاصطناعي أن اختار أهدافًا بصورة مستقلة قط"، وهو يعرف تمامًا أن الثواني القليلة المخصصة لمشغّل بشري للموافقة على الضربة تحول دون أي مراجعة فعلية، واقعية أو أخلاقية، ذات معنى. كما تجنّب الخوض أيضًا في مسألة استهداف العناصر من ذوي الرتب الدنيا الذين قُتل كثير منهم في غارات نُفذت عمدًا على منازلهم وغالبًا ما كانت عائلاتهم موجودة فيها.
في رده على الفيلم، زعم الجيش أيضًا أنه لم "يوافق على أي ضربة في غزة أو ينفذها كان من المتوقع أن يُقتل فيها 500 مدني أو عدد قريب من ذلك"، كما ورد في إحدى شهادات الفيلم. وهذا أيضًا تضليل محسوب: من خلال لفت الانتباه إلى واحدة من أعلى نسب الأهداف إلى المدنيين، يحاول الجيش صرف الأنظار عن تراكم آلاف الغارات التي شكّلت الآلية الأساسية للقتل الجماعي في غزة، والتي اعتُبر في كل واحدة منها قتل عشرات المدنيين -وصولًا إلى المئات- أمرًا مقبولًا.
وكعادته، أشار الجيش إلى أن الجرائم المشتبه فيها "تتم معالجتها من خلال إجراءات تأديبية أو تحقيقات جنائية أو تدابير أخرى". لكن الواقع هو أن إسرائيل لم تُدن سوى جنديين اثنين بجرائم إيذاء فلسطينيين خلال السنوات الثلاث الماضية؛ وهو ما ليس مفاجئًا في ظل تفاخر كبار المسؤولين العسكريين بقتل 70 ألف "إرهابي" في غزة.
مع ذلك، كانت الردود الفارغة التي قدّمها الجيش هي بالضبط ما أرادت الصحافة الإسرائيلية سماعه. بدافع الحاجة إلى ذريعة نفسية -وربما تحت وطأة شعور غير واعٍ بالذنب لعدم قيام الصحافة بدورها- سارَع صحفيون إسرائيليون إلى الاحتفاء ببيان الجيش، ووصفوا الفيلم بأنه عمل صحفي رديء، وانكفأوا إلى متلازمة سلطوية مريحة من المنطق الدائري: لا بد أن تكون وقائع الفيلم خاطئة، لمجرد أن الجيش قال ذلك.
ذريعة الليبرالية
لطالما فهم تيار يسار الوسط الإسرائيلي نفسه من خلال أعدائه: إذا كان وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يحتقرنا، وإذا وصفنا المستوطنون بالخونة، وإذا هاجم اليمين المتطرف المحاكم والصحافة، فلا بد إذن من أننا نمثل إسرائيل الديمقراطية والأخلاقية. ويحطم "نازا" هذا الوهم المريح. وهو يوحي بأنك تستطيع معارضة بن غفير، والتصويت للوسط، والعمل في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، والتظاهر من أجل الديمقراطية، لكنك مع ذلك تشارك في منظومة قادرة على القتل الجماعي، أو تقدم لها دعمًا ماديًا يحافظ على قدرتها على ذلك. لكنّ كراهية الفاشيين لك ليست شهادة لك بالبراءة.
قد يكون المستوطنون أصحاب الأصوات الأعلى في الدعوة إلى "الهجرة الطوعية" لملايين الفلسطينيين من غزة، لكن القدرة على تحويل هؤلاء السكان إلى أهداف بنتها وشغَّلتها مؤسسات تقع في قلب المجتمع الإسرائيلي المحترم.
ينتهي الفيلم بالانتقال من أسطح تل أبيب إلى أنقاض غزة، ملغيًا المسافة التي تخلقها اللغة البيروقراطية. ثمة أبٌ فلسطيني يحفر بجنون بين أنقاض مبنى منهار بحثًا عن أطفاله القتلى. وفي سيل التعليقات الإسرائيلية على "نازا"، لم أرَ تقريبًا أي نقاش حول ذلك الأب.
وهذا الغياب ليس عرضيًا. إن أنظمة الجيش تحوّل الفلسطينيين إلى أهداف وتقديرات للأضرار الجانبية؛ ثم يحوّل النقاش العام الفيلمَ نفسه إلى جدل تقني. وفي كلتا المرحلتين يختفي الفلسطيني. لكن نزع الإنسانية يسير في الاتجاهين: لا يستطيع سوى شعب فقط أن يتجاهل مشهدًا مفجعًا كهذا يكشف -ربما للمرة الأولى- أمام الجمهور الإسرائيلي نتيجة أفعاله.
لا تكمن الفضيحة التي يفجرها "نازا" في أنه يخبر الإسرائيليين بشيء لم تكن لديهم وسيلة لمعرفة وجوده. إنها تكمن في أنه يهاجم امتياز عدم المعرفة. إنه يأخذ لغة البرمجة والاستخبارات والإجراءات -اللغة التي يحتمي بها الأشخاص المحترمون من مواجهة ما يُرتكب باسمهم- ويعيد الجثث إلى داخلها.
ولهذا تحديدًا يشكل الغضب المحيط بالفيلم جزءًا من القصة التي يرويها الفيلم نفسه. فالمجتمع الذي ما يزال قادرًا على الشعور بالرعب من اتهام بارتكاب جريمة حرب، لكنه لا يشعر بالرعب أمام أب يحفر بين الأنقاض بحثًا عن أطفاله، يكون قد حسم مسبقًا ماهية ما لا يحتمل مواجهته. وتكشف ردود الفعل العنيفة على الفيلم أن الجمهور الإسرائيلي عاجز عن مواجهة صورته في المرآة -حتى عندما يكون ما تنعكس صورته فيها جنوده الأكثر مكانة وتمجيدًا.
 
*سيباستيان بن دانيال Sebastian Ben-Daniel: أكاديمي إسرائيلي ومدوّن يكتب باسم مستعار هو جون براون John Brown، وهو محاضر في علوم الحاسوب بجامعة بن غوريون في النقب. يكتب في قضايا الإعلام الإسرائيلي، والجيش، والاحتلال والحرب على غزة، وله سلسلة من المقالات النقدية لأداء الصحافة الإسرائيلية في تغطية الجيش والحرب. وقد عُرف أيضًا باستخدام اسمه المستعار في نشر انتقاداته للمؤسسة العسكرية والسياسات الإسرائيلية.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Why ‘NAZA’ terrifies Israel’s liberal elite