الغد-عزيزة علي
ناقشت ندوة نظمتها لجنة القصة والرواية في رابطة الكتاب الأردنيين رواية "791، معسكر الاعتقال رقم 1"، للكاتبة والروائية صفاء الحطاب، في قراءة تناولت أبعادها السردية والإنسانية، وما تقدمه من استعادة لذاكرة النكبة الفلسطينية من خلال حكايات الإنسان والمكان والعائلة.
وتوقفت الندوة، التي شارك فيها الدكتور سلطان المعاني بقراءة نقدية، والكاتبة صفاء الحطاب بشهادة إبداعية، وأدارها مروان العياصرة، عند قدرة الرواية على تحويل الأحداث التاريخية إلى تجربة إنسانية نابضة، تكشف أثر الاعتقال والاقتلاع في حياة الأفراد، وتبرز دور الأدب في حفظ الذاكرة ومواجهة النسيان.
وبحث المشاركون في التقنيات الفنية التي اعتمدت عليها الرواية، من حضور المكان والوثيقة والصور والرسائل، إلى بناء الشخصيات ومسار الأحداث، مؤكدين أن العمل يزاوج بين السرد والتوثيق، ويعيد تقديم النكبة بوصفها تجربة مستمرة في الوجدان والذاكرة.
وأشار الدكتور سلطان المعاني إلى أن الرواية تقدم شهادة سردية مؤثرة تنقل النكبة من إطار الحدث السياسي العام إلى فضاء التجربة الإنسانية المعيشة، حيث يمتد الألم إلى البيت والجسد والقرية والمدينة والرسالة والانتظار الطويل. ويحمل العنوان دلالته المركزية منذ العتبة الأولى؛ فالرقم 791 يشير إلى آلية محو تستهدف الإنسان في اسمه وسيرته وعائلته ومكانه، وتحوله إلى رقم داخل منظومة القهر، لتبدأ الرواية مشروعها في استعادة الإنسان من قبضة الرقم، والذاكرة من أثر العنف.
ورأى المعاني أن البناء السردي يقوم على انتقال واضح من عالم الحياة إلى عالم الاقتلاع؛ ففي الفصل الأول تتشكل القدس وأحياؤها وقراها، مثل الطالبية وبتير والقطمون، بوصفها فضاءات نابضة بالحياة والعاطفة والعمل والقرابة والأحلام المؤجلة. أما الفصل الثاني فينقل القارئ إلى فضاء المعسكر، حيث يتحول الاسم إلى قيد، والبيت إلى أثر، والجسد إلى مساحة للمعاناة اليومية، قبل أن ينفتح السرد على دير مار إلياس والرسائل ورصيف يافا، بما تحمله من دلالات التشتت ومحاولات التمسك بالذاكرة.
وبذلك تتشكل الرواية ضمن مسار سردي يبدأ بالحياة والاستقرار، ثم يتعرض للانكسار بفعل الحدث التاريخي، لينتهي بمحاولة حفظ ما تبقى من آثار الإنسان والمكان والذاكرة.
وأوضح المعاني أن قوة الرواية تنبع من تصوير النكبة من داخل العائلة، إذ يتحول الحدث السياسي إلى تجربة إنسانية يومية؛ فعندما يصل إبراهيم مضرجا بدمائه إلى بيت نعمان في حي الطالبية، حاملا خبر سقوط الأحياء الغربية وتمركز الصهاينة في دير مار إلياس، لا يبقى الخبر مجرد تطور عسكري، بل يتحول إلى صدمة تصيب البيت والأسرة والمدينة.
ثم يعود السرد إلى العام 1936، ليرصد تأخر زفاف إبراهيم وصفية بسبب الضرائب والضيق الاقتصادي، كاشفا دخول السياسة الاستعمارية إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتحول الضرائب إلى أداة ضغط تمس الخبز والزواج والكرامة. وهكذا يربط النص بين الحدث التاريخي الواسع والتجربة الفردية، مانحا الوقائع بعدا إنسانيا ملموسا.
ويبرز المكان في الرواية، بحسب المعاني، بوصفه عنصرا سرديا فاعلا، يكاد يصبح بطلا موازيا للأحداث والشخصيات. فالطالبية تظهر في البداية حيا حميميا تتجاور فيه البيوت والأسماء والوجوه، قبل أن تتحول إلى فضاء للسلب والإحلال بعد إفراغ البيوت وإعادة تشكيلها تحت سلطة الاحتلال. أما بتير فتحضر بوصفها أرضا ومحصولا ومصدر رزق وذاكرة مرتبطة بموعد زفاف مؤجل، فيما يمثل القطمون فضاء المدينة الحديثة بما تحمله من ثقافة وعمل وحضور وطني.
وفي المقابل، يأتي معسكر 791 بوصفه النقيض المكاني لهذه الفضاءات، إذ يتحول إلى مكان للقهر يسلب الإنسان حميميته ويختزله إلى جسد منهك تحت وطأة الجوع والعطش والعمل القسري والمرض والتهديد المستمر. ثم يظهر دير مار إلياس بوصفه فضاء انتقاليا يمنح حماية مؤقتة، ويعيد للمهجرين شيئا من أسمائهم وأوراقهم وسيرهم بعد محاولة المعسكر محوها.
وأشار إلى أن الرواية تعتمد لغة واضحة ومكثفة تخدم التجربة الإنسانية بعيدا عن الزخرفة، فيما يأتي الحوار موجزا ودالا، ويتغير إيقاع السرد تبعا لتطور الأحداث، بما يعزز قدرتها على نقل المعاناة وحفظ الذاكرة بصدق وبساطة.
وتناول المعاني البناء الفني للفصول، موضحا أن الفصل الأول يعتمد الاسترجاع في الكشف عن مسار الأحداث، ويقدم شخصيات ذات أبعاد إنسانية ووطنية؛ فإبراهيم يمثل الالتزام الوطني، ونائلة ذاكرة البيت، وعيسى صورة المثقف المناضل، ونعمان رمز الاستقرار الأسري. ويبلغ هذا الفصل ذروته بمقتل عيسى، الذي يحول الفقد إلى دافع لاستمرار الرسالة والنضال.
أما الفصل الثاني فيقوم على تصاعد درامي يبدأ بالاعتقال وتفكك العائلة داخل المعسكر، حيث تتحول الهوية إلى أرقام وتصبح الذاكرة هدفا للمحو. وتبلغ المأساة ذروتها بمقتل صفية وطفلتيها بعد الولادة، فيما تتحول نائلة إلى أم بديلة تحمل الطفل وتحفظ ذاكرة صفية ورسالتها.
وتوقف المعاني عند شخصية سلامة اليافاوي بوصفها من أبرز شخصيات الرواية، إذ تتشكل بطولته من خلال الصبر والوفاء وحمل الأمانة ومساندة نائلة ورضيعها، لتغدو هذه الأمانة رمزا لاستمرار الذاكرة والارتباط بين الماضي والحاضر والمستقبل.
كما أشار إلى الدور المحوري للرسائل في الفصل الثاني، باعتبارها وسيلة لربط الشخصيات والأمكنة، وحفظ المشاعر والذكريات، وتحويل المعاناة إلى أثر مكتوب يقاوم المحو ويحافظ على صوت الإنسان وهويته.
وأضاف أن ملحق الصور يمنح الرواية بعدا توثيقيا وتأويليا، من خلال الجمع بين صور العائلة والمدينة والعمل ومشاهد الأسر واللجوء، لتلتقي في العمل عناصر السرد والأرشيف، ويكتسب حفظ الذاكرة بعدا بصريا مؤثرا. ورأى المعاني أن الرواية تقوم على أربع دعائم رئيسية: العائلة، والمكان، والوثيقة، والذاكرة؛ فالعائلة تمثل مركز التجربة الإنسانية، والمكان يحفظ آثار الحياة والاقتلاع، والوثيقة تثبت الأثر، فيما تعيد الذاكرة بناء العالم المهدد عبر السرد.
وأكد أن قيمة الرواية تكمن في قدرتها على تحويل النكبة من حدث تاريخي عام إلى تجربة معيشة، مشيرا إلى أن بعض الشخصيات تميل إلى التمثيل الرمزي أكثر من العمق النفسي، وهو ما ينسجم مع طبيعة العمل ورسالة الشهادة التي يقوم عليها.
من جانبها، قدمت الكاتبة صفاء الحطاب شهادة إبداعية حول روايتها، ووصفتها بأنها مواجهة مع الذاكرة والألم، ومحاولة لاستكشاف دور الأدب في حفظ الحقيقة وصونها.
وقالت إن فكرة الرواية بدأت خلال بحثها عن مادة معرفية حول القدس ضمن مشروعها الأدبي المعني بذاكرة الأمكنة، حيث قادها الاطلاع على وثائق معسكرات الاعتقال التي أقيمت للفلسطينيين بين العامين 1948 و1949 إلى أحداث مؤلمة شكلت نواة العمل.
وأضافت أن قراءة وثائق المعسكرات أثارت لديها إحساسا بالمسؤولية تجاه الضحايا، وطرحت سؤالا حول قدرة الأدب على منح من فقدوا أصواتهم مساحة للتعبير وحفظ الذاكرة.
وأوضحت أن التحدي لم يكن في جمع المعلومات التاريخية، بل في تحويل الحقائق القاسية إلى لغة سردية مؤثرة تجمع بين صدق الواقع وجماليات الرواية، مع الحفاظ على التوازن بين الأمانة التاريخية والحرية الفنية.
وأكدت الحطاب أنها سعت إلى تقديم النكبة بوصفها تجربة إنسانية حية لا مجرد أرقام، ونقل الألم والأمل، والحفاظ على الذاكرة من التزييف والنسيان، معتبرة الرواية محاولة لترميم الذاكرة بالكلمات وفتح مساحة للتأمل والحوار.
من جهته، رأى مروان العياصرة، في مستهل الندوة، أن الرواية تترك أثرا عميقا في القارئ، إذ توقظ مشاعر الحزن والغضب وتدفع إلى مواجهة جراح الذاكرة. وأكد أنها تكشف معاناة الإنسان الذي تسلب منه القدرة على التذكر، لكنها في الوقت نفسه تحفظ صوته وروحه رغم القهر.
وأضاف أن الرواية تجسد تجربة الفلسطيني الذي يحمل أثر الرحيل والمعاناة في جسده وذاكرته، وأن الانتماء يرتبط بذكريات الأجداد وما بقي من صور وروايات ووثائق، لتظل الذاكرة حاضرة رغم مرور الزمن.