عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Aug-2025

هذه إبادة جماعية، والمنهجية هي الدليل

 الغد

جاي شاليف* - (هآرتس بالعربي) 31/7/2025
 
أدت سياسات إسرائيل في غزة إلى تدمير مقومات الحياة الأساسية للفلسطينيين: تدمير النظام الصحي؛ منع إجلاء الجرحى والمرضى؛ استخدام الجوع كسلاح؛ تعطيل المساعدات الإنسانية أو توجيهها لأغراض عسكرية؛ التهجير القسري؛ تدمير البيوت والبنى التحتية للصرف الصحي؛ تفشي الأوبئة وغير ذلك.
 
 
يوم الجمعة الذي وافق العشرين من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، كان ألم السابع من تشرين الأول (أكتوبر) ما يزال يلتهب في الأجساد، وما تزال الهرولات اليومية إلى الملاجئ برفقة طفلة وامرأة حامل جزءًا من روتيني. في تلك الليلة، تلقت جمعية "أطباء من أجل حقوق الإنسان" اتصالًا هاتفيًا عاجلًا من الدكتور بشار مراد، مدير "مستشفى القدس" في غزة، بعد أن وصله تحذير من الجيش بالإخلاء تمهيدًا لهجوم وشيك. كان المستشفى يخدم مئات الآلاف من السكان، وكان يؤوي في تلك اللحظة مئات المرضى وآلاف النازحين.
عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، قدمنا التماسًا عاجلًا إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لمنع الهجوم. بموجب القانون الدولي، يتمتع المرفق الطبي بحماية خاصة، لأن استهدافه لا يلحق الأذى بالمدنيين -من طواقم طبية ومرضى- فحسب، بل يعرض أيضًا حياة الآلاف ممن يعتمدون عليه للخطر. وادعى الجيش الإسرائيلي، في ذلك الحين، أنه لا يعتزم مهاجمة المستشفى، غير أن تحذيرًا آخر وجه إليه بعد تسعة أيام، تقدمنا بالتماس ثانٍ، ولكن من دون جدوى.
رفضت المحكمة التدخل وردت الالتماس. وبعد مرور ثلاثة أسابيع على التحذير الأول، في الثاني عشر من تشرين الثاني (نوفمبر)، انهار المستشفى تحت وطأة الحصار والقصف. ومنذ تلك المكالمة مع الدكتور مراد، لم أعد قادرًا على النوم. وضعت رأسي بين يدي وقلت لنفسي: "إنهم ينوون قتلهم": شيخ مريض، امرأة في حالة ولادة، أو طفل في حاضنة. قلت ذلك لنفسي ولم أصدق أنني قلته.
منذ ذلك الحين، وعلى مدار أكثر من 22 شهرًا، دمرت إسرائيل البنية التحتية الصحية في قطاع غزة بشكل منهجي، حيث فاق كل طور من أطوار الحرب الطور الذي سبقه في حجم الدمار. تم قصف المستشفيات في شمال القطاع وفرض عليها حصار خانق، ومنعت عنها إمدادات الوقود؛ واضطر المرضى والعائلات النازحة إلى الفرار جنوبًا، مما زاد العبء على المرافق الطبية المتداعية أصلًا في دير البلح وخان يونس ورفح. وعندما انهار "مستشفى الشفاء"، اكتظ "مستشفى ناصر" بالمرضى. وعندما تم تفكيك "مستشفى ناصر"، شرع "المستشفى الأوروبي" في الانهيار.
مع كل قصف إضافي، انهارت مستشفيات أخرى، وقتل أو اعتقل أفراد من الطواقم الطبية، ولم يعد بالإمكان تقديم الخدمات الأساسية. وفي كل مرة هاجم فيها الجيش الإسرائيلي مستشفى -باستثناء "مستشفى العودة" و"مستشفى شهداء الأقصى"- ادعت إسرائيل أن "حماس" قد استخدمته، وبالتالي فقد المرفق حقه في الحماية. وعلى الرغم من الحديث عن وجود مؤشرات على تواجد عناصر من "حماس" في بعض هذه المرافق، فإن التقارير التي تصدرها الدولة لم تُدعَم بأي توثيق مستقل، ولم تقدم دليلًا قاطعًا يبرر المزاعم الواسعة.
أدى تدمير النظام الصحي في قطاع غزة إلى انهيار متسلسل ومتفاقم: النزوح أدى إلى اكتظاظ؛ والاكتظاظ أسهم في تفشي الأمراض، فيما انتشرت تلك الأمراض من دون سيطرة وسط انهيار في خدمات الصرف الصحي. وزاد الحصار من تفاقم الكارثة: توقفت الإخلاءات الطبية؛ وأغلقت المعابر؛ وجف ما تبقى من المساعدات الإنسانية.
كما تفشى الجوع -لا سيما بين الأطفال الذين تتدهور أجسادهم بسرعة في غياب الغذاء والماء والرعاية الصحية. ولا يتلقى 92 في المائة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وسنتين التغذية التي يحتاجونها. وقد توفي ما لا يقل عن 76 طفلًا بسبب الجوع وسوء التغذية منذ بداية الحرب.
هذا هو حال النظام الذي يفترض به أن يعالج 139.607 فلسطينيين أصيبوا بنيران الجيش الإسرائيلي، إلى جانب آلاف المرضى الآخرين. وقد تعرض حوالي 4.700 فلسطيني في غزة لعمليات بتر، 20 في المائة منهم من الأطفال. وأضيف إلى ذلك مقتل 58.573 فلسطينيًا -بحسب تقديرات متحفظة تشمل فقط أولئك الذين تم التعرف عليهم وتوثيقهم بشكل كامل. ويشكل هذا الرقم نحو 2.5 في المائة من سكان القطاع، من بينهم أكثر من 17.000 طفل.
هذا هو ما تبدو عليه الإبادة الجماعية. ولا يقال هذا المصطلح الخطير بخفة، وإنما بقلب مثقل. وقد توصلنا إليه بعد أشهر طويلة من التوثيق الدقيق للوقائع، والدراسة المتأنية للأبعاد الصحية والقانونية، بالتعاون مع خبراء محليين ودوليين. نحن ملتزمون بالحقيقة، والحقيقة تكمن في التفاصيل الدقيقة كما في الصورة الكبرى؛ في الحقائق كما في التحليل القانوني.
لذلك، تنشر جمعية "أطباء من أجل حقوق الإنسان" اليوم وثيقة تحليلية توضح كيف أدت سياسات إسرائيل في غزة إلى تدمير مقومات الحياة الأساسية للفلسطينيين: تدمير النظام الصحي؛ منع إجلاء الجرحى والمرضى؛ استخدام الجوع كسلاح؛ تعطيل المساعدات الإنسانية أو توجيهها لأغراض عسكرية؛ التهجير القسري؛ تدمير البيوت والبنى التحتية للصرف الصحي؛ تفشي الأوبئة وغير ذلك. وعند النظر إلى هذه السياسات مجتمعة، يتجلى نمط واضح يدل على نية متعمدة. والمنهجية هي السلاح الدخاني الذي يكشف النوايا.
على مدار ما يقرب من عامين، ما نزال نشهد تفاني زملائنا في غزة -العاملين في المجال الصحي بمختلف أطيافهم- الذين يواصلون عملهم بشجاعة من أجل إنقاذ الأرواح في وجه آلة حرب قاتلة. يفعلون ذلك وهم أنفسهم مستهدفون بشكل مباشر -قتلت إسرائيل 1.580 من العاملين في الحقل الطبي واعتقلت 302- بينما يقتل أفراد عائلاتهم ويصابون أو يهجرون.
ماذا علينا أن نفعل؟ علينا أن نقف إلى جانب شركائنا في النظام الصحي في غزة، وأن نسخر كل إمكانياتنا لحمايتهم. يجب أن يكون نضالهم المستمر من أجل إنقاذ الأرواح هو البوصلة التي توجه ضمائرنا. ويجب أن يذكرنا صباحًا ومساءً بأن حياتهم مهمة، وأن الجريمة الأشد فظاعة التي قد ترتكبها دولة -الإبادة الجماعية- لن تمر من دون مقاومة، ومن دون محاسبة.
 
*جاي شاليف: المدير التنفيذي لمنظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان - إسرائيل".