عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Sep-2026

لطالما كان خطاب الترحيل حاضرا في الحركة الصهيونية

 الغد

 يديعوت أحرونوت
 
 
 د. ميخائيل ميلشتاين  6/9/2026
 
منذ مجزرة 7 أكتوبر، تغيّر موقف الإسرائيليين من فكرة الترحيل بشكل جذري. ففي ظل الصدمة، تصدّرت هذه الفكرة الخطاب العام، وتجسّدت في أجندة أحزاب اليمين، بما يشير إلى استبدال التفكير الرصين والعميق بالأوهام.
 
 
لطالما كان خطاب الترحيل حاضرا في الحركة الصهيونية منذ نشأتها. فقد ناقش كبار قادة الحركة مطولا إمكانية ترحيل السكان العرب من أرض إسرائيل، عادة عبر الإغراءات الاقتصادية أو من خلال اتفاقيات مع دول قريبة وبعيدة. لطالما احتلت غزة، المرتبطة بمشكلة اللاجئين، مكانة مركزية في هذا النقاش، لا سيما منذ سيطرة إسرائيل عليها عام 1967، حين تم الترويج للعديد من المشاريع (الفاشلة) لتخفيف كثافة السكان في القطاع أو إفراغه تماما.
يكمن سر قوة الصهيونية دائما في قدرتها على الترويج لرؤية جريئة ورائدة، وفي الوقت نفسه التصرف بعقلانية، وتحديد القيود والمخاطر المحتملة، وفي ضوء ذلك، التحلي بالمرونة وتغيير السياسات والأهداف. ويتجسد هذا في فكرة الترحيل. 
ومع اتضاح الأمر على مر السنين، ونظرا إلى ضآلة احتمالية تحقيقها، وما يترتب على محاولة تنفيذها من أضرار سياسية جسيمة، وصعوبة إقناع الفلسطينيين بالترحيل "طوعا"، فقد تم تهميش هذه الفكرة في الخطاب العام. لم تختفِ الفكرة تماما، لكنها غالبا ما وصفت بعبارات مبتذلة، بل وحتى بذيئة، وربطت بالتيارات المتطرفة.
وقد تغيّر الموقف تجاه الترحيل بشكل جذري منذ مجزرة 7 أكتوبر. وفي ظل الصدمة المؤلمة، انتقلت الفكرة تدريجيا إلى صلب الخطاب، وتجسّدت في أجندة أحزاب اليمين: فقد تمسّك نتنياهو برؤية ترامب للريفييرا المتوسطية (رغم تخلّي الأخير عن هذه القضية منذ زمن)، وأنشأ كاتس إدارة للهجرة تتسم إجراءاتها بالغموض، وتعرّف أحزاب اليمين المتطرف، باستثناء الليكود، "الهجرة الطوعية" هدفا رئيسيا.
يعكس الخطاب الدائر حول قضية الترحيل التغيرات التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر. وهو، قبل كل شيء، دليل على استبدال التفكير الرصين والعميق بالأوهام. كل هذا تحت ستار صورة زائفة لـ"تصحيح التفكير الفاشل قبل السابع من أكتوبر" يطبّق على "الآخرين". ويصاحب ذلك ازدراء للنقد، لا سيما ذلك الذي ينذر بفقدان الشرعية في العالم، وهو خوف كان في يوم من الأيام محور اهتمامات السياسيين.
قدّم السفير هاكابي، المؤيد الصريح لإسرائيل عموما ولليمين المتطرف خصوصا، صورة متشددة حين صرّح الليلة الماضية بأن الإرهاب اليهودي متفشٍّ في الضفة الغربية، وأنه لا توجد أي خطة لتنفيذ هجرة قسرية من غزة.
 في المقابل، يبدي العالم انتقادات أشد قسوة، سواء لما يحدث في الضفة الغربية أو لتطورات النقاش الدائر حول نقل القوات.
كما يعبّر هذا النقاش عن تطرف القيم الإسرائيلية في العالم. فقد برّرت المجزرة البشعة التي وقعت في السابع من أكتوبر، وما صاحبها من تطلعات إلى إبادة إسرائيل (التي لم تختفِ بعد)، الضربات القاسية التي وجّهت للفلسطينيين في الحرب، والتي يمكن مقارنتها بدول أخرى عانت من هجمات وحشية وانتقمت من أعدائها، كالاتحاد السوفيتي في ألمانيا النازية أو الأمريكيين في اليابان. 
مع ذلك، حتى الرغبة في الانتقام يجب أن تخضع لحدود ومنطق، ولا يمكن أن تكون بوصلة جماعية أو مبررا لأي نوع من العمل في أي وقت، أو أن تحل محل تحليل واقعي للخريطة الجيوسياسية في المنطقة والعالم، وصياغة هدف استراتيجي متجذر في الواقع.
إن عملية التهجير من غزة، مثل ضم الضفة الغربية، تجسّد إلى حد كبير "تسييس" الخطاب الإستراتيجي في إسرائيل. 
هذه أهداف دينية-قطاعية مغلّفة بعباءة مضللة من "الإستراتيجية"، وموجّهة إلى عامة الناس، الذين من غير المرجح أن يتفاعلوا مع الترانيم التي تشيد بضرورة تدمير عماليق والفلسطينيين (كما رتّلت مؤخرا أمام نتنياهو في سديروت)، والتمييز ضد غير اليهود بروح الكتاب المقدس (بمن فيهم مواطنون عرب مثل يوسف حداد)، والصمت إزاء العنف الشديد ضد الفلسطينيين وحرق المساجد في الضفة الغربية، والحماسة لبناء الهيكل؛ وهي تطلعات تفرض على عامة الناس وتقدّم على أنها "أهداف وطنية - لنا جميعا ومن أجلنا جميعا".
ويتجسّد تطبيع هذا التوجه في الخطاب الذي يدور مع مروّجي هذه الفكرة في وسائل الإعلام، دون عناء طرح أسئلة صعبة حول كيفية تنفيذ هذه الرؤية، وجوانبها الأخلاقية والمعنوية، والعواقب المترتبة على محاولة تحقيقها. ويطلب من وسائل الإعلام ألا تساير جهود التطبيع، بل أن تثير الشكوك وتطرح أسئلة جوهرية، كما لم يحدث عشية السابع من أكتوبر، وأن تتجنب خلق "تماثل" قسري في الموضوع.
لقد انهارت الشعوب التي قادتها أوهام منفصلة عن الواقع ومفاهيم مسيحانية عبر التاريخ، واليهود يدركون ذلك جيدا، لا سيما من خلال خراب الهيكل الثاني. الفلسطينيون هم من ارتكبوا مجزرة 7 أكتوبر، وهم يرون أنفسهم ضحايا حرب، ولا يقيّمون أوضاعهم، بل إن كثيرا منهم ينكر حق إسرائيل في الوجود. لو كانت إسرائيل إمبراطورية عالمية في العصور القديمة، لربما استطاعت اتخاذ خطوات حاسمة. لكنها دولة تطمح إلى أن تكون جزءا من أسرة الأمم في القرن الحادي والعشرين، وقوتها ليست مطلقة، ولا يمكنها أن تعمل كدولة استبدادية أو كإسبرطة جديدة، أو أن تغيّر جغرافيا وديموغرافيا المنطقة. وقد ثبت أيضا أنها لا تستطيع إبادة أعدائها، كما تعد قيادتها مواطنيها.
إسرائيل الرصينة ليست تلك المدمنة على القوة، والتي تسعى إلى تحقيق أوهام خطيرة وتؤمن بقدرتها على خوض حرب دائمة، بل هي التي تعرف كيف تهاجم عند الضرورة، وكيف تصل إلى تسوية، وتدرك أنه لا توجد سيناريوهات مثالية ولا حلول سحرية.
إن تطبيع عملية الترحيل، ناهيك عن الترويج لآليات تنفيذها، سيضر، بل يضر بالفعل، بشرعية إسرائيل في العالم وصورتها كدولة متوازنة، وهو أمر يبدو أن معظم مواطنيها لا يدركون أو يفهمون تبعاته، ولا سيما تصاعد الضغوط والعقاب والعزلة. وهذا يؤكد حقيقة أن إسرائيل، منذ السابع من أكتوبر، قد وجّهت بالفعل ضربات قاسية لأعدائها، لكنها تعاني من تفكك الإجماع الداخلي، ومن تطرف القيم وخطابها المعتاد، ومن ضرر جسيم لشرعيتها الدولية، التي تشكل دعما وجوديا لا يقل أهمية عن القوة العسكرية، بل ربما يفوقها.