الدستور
في حقول الفكر والسياسة، يجري تشكّل الكثير من المفاهيم النظرية، ذات الدلالات والمعاني المباشرة والمحددة، وعلى الرغم من هذه المعاني، فإن هذه المفاهيم يجري استخدامها في حقول ومجالات أخرى، غير تلك التي تكونت فيها، وذلك بمعان وسياقات مختلفة، ومن دون الوقوف عند الفوارق الدقيقة والهامة بين هذه المفاهيم.
وفي سياق ما يجري من «ثرثرة» و«كلام» باسم السياسة والفكر في العالم العربي، فإن مفهومي «الفشل» و«الهزيمة» يتم استخدامهما بتبادل مشبوه وصل إلى حد إلغاء الفارق الأساسي بينهما، وهو ما جعلهما مترادفين يُستخدمان عند الحاجة بتوظيفات مختلفة تصل إلى استنتاجات لم يكن من الممكن الوصول إليها بأي منطق، لولا هذا الخلط المريب الذي لا يمكن الاعتماد فيه على طبيعة النوايا، طيبة كانت أم سيئة، في تحديد أسباب الوصول إلى هذه النتائج!
إن أهم اشكال الخلط والغواية هو ما حدث ويحدث على مفهوم «الهزيمة»، وهو مفهوم يحمل معاني ودلالات لغوية واضحة ومحددة، إلا أن ما جرى عليه من أشكال التمويه والتضليل، في أدبيات السياسة والفكر العربيين، أفرغه من كل محتوى ومضمون يتصل بمعناه ودلالته المباشرة. ونظرا لوضوح المعاني المباشرة في مفهوم الهزيمة، فقد وصلت محاولات التمويه والتضليل لطمس دلالاته وإيحاءاته إلى اشكال بهلوانية يصعب أن تقبل بمنطق آخر غير منطق السياسة العربية. وبسبب هذا وبالتكرار أيضا فقد أصبح لهذا المعنى المموه للهزيمة وجود، كحقيقة سياسية، طغى في معظم الأحيان على المعنى المباشر للهزيمة.
فمثلا، تحوّلت هزيمة العام 1948 إلى «نكبة»، وهرب الجميع على المستوى الإقليمي والدولي من استحقاقات الهزيمة العسكرية والسياسية لعام 1948، والتي ترتب على أساسها وجود دولة إسرائيل. وبتمويه الهزيمة إلى «نكبة» اختفت إسرائيل في أدبيات الفكر والسياسة العربية من الوجود، واتصل التاريخ السياسي العربي على أساس أنه تعرّض إلى نكبة وليس إلى هزيمة. أما على المستوى العالمي، فقد وُجدت إسرائيل، واستمرت على أساس أن ما حدث هو انتصار أوجدها، وهزيمة على الطرف المهزوم أن يدفع استحقاقاتها.
وفي العام 1967، وفي سياق التضليل نفسه، تحوّلت الهزيمة إلى «نكسة»، وهربنا من استحقاقات الهزيمة السياسية والعسكرية، باعتبار أن ما حدث هو نكسة أخرى في التاريخ المتصل، واستمرت إسرائيل غير موجودة، كحقيقة سياسية، بعد هزيمتين، تحولتا إلى نكبة ونكسة، فاختفى كل ما يتعلق بهما من استحقاقات.
ولأن الألفاظ والمفاهيم بالتكرار، في ثقافات الأمم والشعوب، تتحوّل إلى لغة سياسية توظف في سياقات الفكر والسياسية، فقد طغى التمويه والتضليل، الذي جرى على مفهوم الهزيمة، على معناه الأصلي. فحين وصلت السياسة العربية إلى أقصى حالات هذيانها صار من الممكن تسمية ما حدث في العام 1991 من هزيمة كارثية بـ «أم المعارك»، وهو ما شرّع ما تلاه من تسميات، في سياق الهروب المتواصل لخطاب سياسي وفكري عربي، من استحقاقات الهزيمة كما تعرفها كل شعوب الأرض.
ولعل أخطر ما يقود إليه هذا التحليل هو أنه لا وجود لمفهوم «الهزيمة»، كما تعرفه بقية الشعوب، في أدبيات السياسة والفكر العربيين. وإذا كانت «الهزيمة» غير موجودة، كحقيقة، يمكن التعايش معها في ثقافتنا السياسية، فإن «الانتصار» دوما هو الموجود، وهو ما جرى التعبير عنه بالكثير من الشعارات، التي لا تعني شيئا سوى استمرار الهروب من مواجهة الواقع والحقيقة. وبدلا من الاستفادة من تجارب الشعوب المهزومة، والمقاوِمة، جرى توظيف الكثير من مفاهيم وشعارات التعبئة المعنوية في أدبيات ومناهج وخطابات سياسية، تماما كما جرى مع شعار «لست مهزوما، ما دمتَ تقاوم...»، وجرى أيضا اختصار الشعب والأمة في حياة وبقاء شخص هو الزعيم، وبالتالي فبقاء الزعيم في السلطة، أو عدم موته، هو الانتصار الذي استبدِل بالكلام، وبالكلام وحده، بدلا من الهزيمة.
ليس المقصود هنا التقليل من أهمية الصمود والمقاومة في حياة أي شعب من الشعوب، فهذا سياق آخر تماما، بل المقصود هو محاولة كشف كيف جرى خلق لغة فكرية وسياسية كاملة، موازية، خلال العقود السبعة الماضية، وهي لغة اختفت فيها المعاني والدلالات الحقيقية والمباشرة للمفاهيم، واستبدِلت بمعانٍ مشحونة بتصعيد شعري وأدبي شديدين. هذه اللغة، التي أصبحت في متناول مختلف فئات الأمة العربية، وهي لغة مؤًثرة وضاغطة، وتشكّل في ثقافتنا بديلا لفظيا للواقع المَعيش، بكل ما يعنيه هذا البديل من مأساوية وحزن!
ولعل الأهم هو محاولة تحديد أسباب هذا التمويه والخلط، التي جرت على مفهوم الهزيمة في حياتنا السياسية. إذ ليس هناك «فشل» في الفكر السياسي العربي، ولا هزيمة، وفق هذه اللغة السياسية التي جرى بناؤها بشكل مواز للواقع ومناقض له. فالفشل السياسي يؤدي إلى الهروب من استحقاقات الإقرار به، وأول استحقاقات هذا الفشل هو التغيير، سواء في البشر أو في السياسات. والتغيير الحقيقي هو أحد أركان الديمقراطية الحقيقية في حياة الشعوب. ولأن الفشل السياسي هو من الأجزاء الصغيرة المُكوّنة للهزيمة، والمؤدية إليها، فإن تمويه الفشل، والهروب من استحقاقاته، هو أول مراحل الهروب من الهزيمة، والإقرار باستحقاقاتها كواقع وكحقيقة.
بين «الهزيمة» و«الفشل» عبر الأمس، ويعبر اليوم، في حياة المجتمعات العربية وشعوبها غائبا ومغيّبا، وصار الأمس تاريخا مثقلا وضاغطا على الوعي والمعرفة. أما الهزيمة والفشل، فألفاظ مغيبة ومموهة. وإذا ألحّت الأحداث على المعاني المباشرة للهزيمة والفشل، فهي ألفاظ ذات دلالات تعني شعوب الأرض جميعا باستثناء الشعوب العربية! وإذا كان التصحيح يعني البدء بالأساسيات، فإن من الأساسيات هو تصحيح اللغة السياسية ومفاهيمها المثقلة بالتمويه والغواية والتضليل.
وربما كان أول أشكال هذا التصحيح هو إعادة الاعتبار لمفهوم الفشل، بما يعنيه من دلالات مباشرة، وما يقضي به الإقرار بالفشل من ضرورات التغيير في البشر والسياسات والقائمين عليها، هذا الفشل، الذي قاد عبر السنين، وبالتراكم، إلى أكثر أشكال الهزيمة فجائعية وكارثية في حياة الشعوب.