عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Aug-2025

حرية مسلوبة.. مرضى نفسيون عالقون منذ عقود داخل "قضائي الفحيص"

 نزلاء وموظفون سابقون يروون شهاداتهم عن ظروف "الاحتجاز الصعبة"

 
الغد-تحقيق: علا العملة
 
إفراج قيد التنفيذ.. شروط متوفرة وحرية مؤجلة
 
 
 
أحمد جمال وعمر زياد نزيلان في القسم القضائي التابع لمستشفى المركز الوطني للصحة النفسية في مدينة الفحيص، أحدهما مضى على احتجازه أكثر من ثلاثة عقود، والآخر ما يزال مصيره معلّقاً بانتظار موافقة القاضي. لا يشبه الاحتجاز في القسم القضائي التابع للمستشفى أي حبس آخر؛ فلا يوجد موعد إفراج محدد، وحتى بعد الإفراج تبقى حرية الشخص "منقوصة".
نستند في هذا التحقيق إلى شهادات نزلاء سابقين، وموظفين (اثنين) سابقين عملا في القسم القضائي، إضافة إلى آراء خبراء في القانون والصحة النفسية. تكشف الشهادات عن ظروف احتجاز صعبة يعيشها النزلاء، في مخالفة صريحة لتوصيات وبنود الأمم المتحدة الخاصة بالصحة النفسية وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. كما تظهر الوثائق الرسمية التي حصلنا عليها أن بعض النزلاء يستمر احتجازهم رغم وصولهم إلى حالة الشفاء الاجتماعي، إما لغياب الكفيل أو انتظار إجراءات الصلح.
في العنبر "ألف"، بالكاد تمر ساعات اليوم على أحمد* الذي يجلس متكئاً على سريره الحديدي. بين الفينة والأخرى، يحُدث أحد النزلاء الثمانية بالعنبر ضجيجاً، قبل أن يعم الهدوء من جديد.
هدوء لا يقطعه سوى صوت "طقطقة" الأواني في صالة الطعام، معلناً موعد الوجبة التالية. مواعيد الوجبات باتت المنبه الوحيد للوقت في هذا المكان الذي لا تدخله الشمس.
أكثر من ثلاثة عقود مضت، وما يزال أحمد جمال* (65 عاماً)، رهن "الاحتجاز" خلف أبواب موصدة في عنابر القسم القضائي التابع لمستشفى المركز الوطني للصحة النفسية (مستشفى الفحيص)، بسبب جريمة قتل ارتكبها تحت تأثير مرض نفسي قبل قرابة 30 عاماً، حتى تجاوزت سنوات حبسه المؤبد، بحسب قانون العقوبات الأردني.
وفق روايات من عرفوه في القسم القضائي، قتل أحمد والده، ليقضي جل عمره داخل أروقة القسم القضائي، ربما إلى الأبد؛ إذ يصطدم ملف أحمد بقوانين وشروط أخرى جعلت الإفراج عنه أمراً صعب المنال.
القسم القضائي.. مبنى محصن
على بعد 16 كيلو متراً من العاصمة عمّان، يقع القسم القضائي التابع لمستشفى المركز الوطني للصحة النفسية (مستشفى الفحيص) محاطاً بأسوار تعلوها أسلاك شائكة، إلى جانب بوابات حديدية عالية من الجهة الأمامية.
 
 
 
 
 
Image3_8202526222113820047470.jpg
 
 
أُسّس مستشفى المركز الوطني للصحة النفسية عام 1987، وهو الوحيد -حتى الآن- في وزارة الصحة. يندرج تحته ثلاثة أقسام: المركز الوطني لتأهيل المدمنين، وقسم الكرامة للتأهيل النفسي أو ما يعرف بمستشفى الكرامة للتأهيل النفسي، إلى جانب القسم القضائي الجديد.
افتُتحت التوسعة الجديدة للقسم في شهر آب (أغسطس) عام 2021، وتبلغ مساحته الإجمالية ستة آلاف و196 متراً مربعاً، بسعة 142 سريراً. إلا أنه وبحسب كتاب المركز الوطني للصحة النفسية، يتسع القسم القضائي حالياً لـ 96 نزيلاً فقط وبنسبة إشغال تصل 100 في المائة.
يخضع القسم القضائي في إدارته لمستشفى المركز الوطني للصحة النفسية وبالتالي لوزارة الصحة، لكن الدخول يتطلب موافقة أمنية.
يضم الطابق الأول أربعة أقسام؛ من بينها القسم "ألف" حيث يقيم أحمد مع العدد الأكبر من النزلاء. يشمل القسم ست غرف نصفها في الجانب الأيمن، والنصف الآخر في الجانب الأيسر. يفصل بين الجانبين حمام وصالة طعام. ويقيم في كل غرفة ثمانية إلى عشرة نزلاء.
يقيم نزلاء القسم القضائي، التابع لمستشفى المركز الوطني للصحة النفسية، بقرار من السلطة القضائية ممثلة بالادعاء العام أو القضاة، ويدخل النزيل بالمرحلة الأولى لغايات التقييم من الناحية العقلية والنفسية، والإدراك العام والقدرة على فهم مجريات المحاكمة، ومعرفة إذا كانوا أهلاً للخصومة والمحاكمة.
وبعد كتابة التقرير الطبي لأي نزيل، يُرسل للقضاء الذي يقرر إن كان الشخص المشار إليه مسؤولاً عن الفعل الجرمي الذي ارتكبه أم أنه غير مسؤول جزائياً. وفي حال ثبت لهيئة المحكمة أن الشخص المطلوب فحصه غير مدرك لأفعاله وأقواله، وأنه ارتكب الفعل المسند إليه تحت تأثير المرض، يصدر بحقه قرار قضائي بعدم المسؤولية الجنائية، ويقرر القاضي حجزه في مستشفى المركز الوطني للصحة النفسية.
يروي نزيل سابق -نقلا عن أحمد- أن القاضي حين أعلن "عدم مسؤوليته" عن الجرم الموكل إليه، بدأت أخته بالصراخ ظناً منها أنه سيفلت من العقوبة. يوضح المحامي صخر الخصاونة، أن الحكم بعدم المسؤولية لا ينفي وقوع الفعل بالضرورة، ولكنه ينفي المسؤولية الجنائية عن مرتكبه، بسبب حالته الخاصة وقت ارتكاب الفعل (مثل الجنون، أو الإكراه الذي يدفع الفرد لارتكاب الجرم، أو صغر السن من دون التمييز).
إفراج مشروط
بصورة عامة، يبدو الحجز في هذا المكان كالسجن في أي مكان آخر، بفارق موعد الإفراج غير المحدد.
يُودع المستشفى من ارتكب فعلاً تحت تأثير المرض، كتدبير احترازي لحين "شفائه الاجتماعي".
بحسب مستشفى المركز الوطني للصحة النفسية، يبقى النزيل داخل المستشفى تحت المراقبة الطبية، لحين ثبوت شفائه الاجتماعي. وعند استقرار الحالة واختفاء الأعراض، وبعد حضور الأهل وتعهدهم بتقديم الرعاية الاجتماعية اللازمة والمناسبة للحالة المرضية للنزيل، وقناعة الأطباء بأن المريض لا يشكل خطراً على السلامة العامة، يُرسل تقرير طبي بآخر مستجدات الحالة للمحكمة المعنية، التي يعود إليها قرار الإفراج عن النزيل أو الاستمرار في احتجازه.
 
 
Image3_8202526222155151228128.jpg
 
 
يُعرّف رئيس جمعية الأطباء النفسيين الأردنيين، الدكتور علاء الفروخ، معنى الشفاء الاجتماعي بأنه مصطلح قضائي يرتبط بالمرضى الذين ارتكبوا جُرماً تحت تأثير المرض النفسي، ويعني زوال أعراض المرض وليس الشفاء التام منه؛ أي حين لا يمثل المريض خطراً على نفسه أو على المجتمع، وبالتالي يمكنه الخروج من القسم القضائي والعودة إلى ممارسة حياته بشكل طبيعي، شرط انتظام المريض بتناول أدويته بعد الخروج من المستشفى.
أما فيما يتعلق بالتدابير الاحترازية، يبين الخصاونة أنها مرتبطة بالوصول إلى الشفاء الاجتماعي من المرض النفسي، ويحصل المريض على تقرير طبي من ثلاثة أطباء من القطاع العام من ذوي الاختصاص بالأمراض النفسية والعقلية، وتزود المحكمة بهذا التقرير حتى يتم الإفراج عن النزيل.
الشفاء ليس كافياً
لكنّ زوال الأعراض وحده ليس سبباً كافياً للإفراج عن النزيل! التقينا آسر عامر*، وهو نزيل سابق أمضى نحو 12 عاماً في القسم القضائي، الذي أكد أن غياب "الكفيل" يشكل عائقاً في بعض الحالات.
ما يزال من غير المؤكد ما إذا كان أحمد قد وصل إلى حالة الشفاء الاجتماعي، لكن وفقاً لمن التقيناهم فإن حالته مستقرة، غير أنه لم يجد من يكفله.
يوضح عامر أن لدى أحمد ابنتين نشأتا بعيداً عنه وتزوجتا، ولم تقم إحداهما بكفالته.
يروي عامر قصص نزلاء آخرين وقفت الكفالة حجر عثرة في وجه خروجهم: "كان هناك مريض آخر ليس لديه سوى أخ واحد، إلا أن هذا الأخير رفض كفالته".
بحسب عامر، فقد طلب عدة مرات نقله إلى القسم المدني (مستشفى الكرامة للتأهيل النفسي)، كما أضرب عن الطعام في سبيل ذلك، لكن جاءه الرد بعدم وجود كفيل له. لا تبدو فكرة الكفيل مقنعة لعامر: "مع إنه بدي أقول لك الكفيل يعني له هذاك الأهمية؟ يعني أنا هيني طلعت، والله ما حدا ساعدني".
يؤكد رئيس جمعية "تفاؤل" لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، حسين النجار، وجود حالات وصلت للشفاء الاجتماعي، ولكن لم يُفرج عنها بسبب عدم وجود الكفيل، مبيناً أن من صلاحيات المحافظ إحالة هؤلاء النزلاء إلى قسم الكرامة التابع للمستشفى، ولكن تطبيق القانون في هذا الملف فيه صعوبة بالغة.
يخضع نزلاء القسم القضائي لعدة قوانين مبعثرة، في ظل غياب قانون الصحة النفسية، من بينها قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ تنص المادة الثالثة من القانون على أن القصور طويل الأمد في الوظائف الذهنية أو النفسية يُعدّ "إعاقة".
تنصل الأهل يزيد فترات الاحتجاز
يؤكد أمين عام المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الدكتور مهند العزة، رصد حالات في القسم القضائي، وحتى القسم العلاجي في مستشفى الفحيص، أمضت سنوات طويلة بسبب تنصل الأهل من مسؤولية استلامهم، في الوقت الذي ينص فيه قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة -بشكل صريح- على حظر الإيداع القسري في أي مستشفى أو مركز، بالمخالفة لإرادة الشخص وحريته.
ويضيف: "أحياناً يختفي الأهل تماماً، بعضهم يقدم معلومات اتصال غير صحيحة لكي لا نتمكن من الوصول لهم.. وبنسمع أن الأطباء مع إخراج ناس من المستشفى لأنه المستشفى مش مركز إيواء، بس الأهل مش راضين."
تتفاوت الأمراض النفسية التي يعانيها نزلاء القسم القضائي من ناحية خطورتها. هناك بعض الاضطرابات النفسية الذهانية كالفصام العقلي، قد يتعرض المريض فيها إلى حالة انتكاسة مجدداً حال انقطاع الأدوية، بحسب رئيس جمعية الأطباء النفسيين الأردنيين، الدكتور علاء الفروخ. يتطلب ذلك وجود كفيل لمتابعة علاجه بعد الإفراج عنه.
يقول آسر عامر: "كان معنا واحد من اللي طلعوا انتحر قبل شهرين (منذ عدة أشهر) تقريباً، وهو جاهل بإعطاء الإبر، انتكس لأنه ما كان يأخذ الإبرة بشكل جيد.. وظروفه كانت صعبة؛ أهله كانوا ضده كنت أحكي له يصبر ويتحمل بكفي إنه طلعنا من اللي كنا فيه، أمه بترن فجأة وبتقلي انتحر، صراحة لم أتوقع ذلك".
آسر عامر لم يكن مجرد نزيل سابق، بل كان شاهداً على أسباب أخرى تُقيد الإفراج عنه. أمضى آسر أكثر من 12 عاماً في القسم القضائي على إثر جريمة قتل ارتكبها بسبب مرض نفسي، رغم وصوله للشفاء الاجتماعي بعد قرابة الخمس سنوات. يقبع بعض النزلاء في القسم القضائي رغم وصولهم للشفاء الاجتماعي، بسبب عدم توفر شرط الصلح مع أهالي "المغدورين". يقول آسر: "بمجرد ما أصلحت ما قعدت بعديها شهر ونص شهرين على بين ما كملت الإجراءات، كنت مروح".
يقول المحامي صخر الخصاونة إن القانون الأردني لا يوجد به نص يشترط الصلح مع ذوي المغدور أو وجود الكفيل للإفراج عن النزلاء المحكومين بعدم المسؤولية، لكنّ الملف يتقاطع مع ممارسة الحاكم الإداري للمسؤوليات المنوطة به في ظل تشريعات متضاربة، كملف نزلاء القسم القضائي، الذي تتداخل فيه عدة قوانين، منها "قانون منع الجرائم الأردني"، الذي يمنح الحاكم الإداري(المحافظ)مجموعة من الصلاحيات تصل حدّ الحبس، كإجراء وقائي في بعض الأحيان، حال عدم وجود الصلح أو الكفيل.
ويضيف المحامي الخصاونة، أن المنطقة الجغرافية التي يقع فيها الحاكم الإداري تجبره في الكثير من الأحيان على إلزام عقد صلح بين النزيل وأهل المغدور؛ تحسباً لحدوث أي نزاعات انتقامية مستقبلية بين الطرفين، رغم عدم وجود نص قانوني مباشر في هذا الصدد.
يقول آسر عامر، النزيل السابق: "المجتمع لا يفهم كلمة مرض نفسي، أنا اسمي مجرم قاتل بالنسبة لأهله فكانوا يقولوا خليه يتعذب أكبر فترة ممكنة... أهله أرادوا أن أظل محتجزاً، هم ما بيقولوا مستشفى بيقولوا سجن".
"عمر جاهز يطلع"
يعيش عمر زياد* فصولاً تشبه ما عاشه أحمد، مع اختلاف أنه يحظى بدعم اجتماعي "حقيقي" من عائلته.
قبل أسابيع فقط، تمكن عمر من رؤية والده الذي يرقد على سرير الشفاء، في زيارة لم تتعد عشر دقائق تحت حراسة أمنية مشددة، لتغلق بعدها أبواب القسم القضائي عليه من جديد.
تقول سحر إن شقيقها عمر كان يعاني مرضاً نفسياً منذ 15 عاماً، ولكن لم يؤثر مطلقاً على حياته. لافتة إلى تعرضه لثلاث انتكاسات طيلة سنوات مرضه، جاءت الأخيرة بعد تقليل جرعات الدواء من الطبيب المعالج. زادت حالته سوءاً، بسبب بعده عن أطفاله وعدم قدرته على رؤيتهم لفترة طويلة، بحسب سحر.
وعن يوم الحادث، تؤكد سحر أن أخاها لم يُقدم على ارتكاب جريمة بشكل متعمد. بحسب ما جاء في وقائع القضية، فإن "المغدور" وبعد صلاة الفجر فوجئ بعمر -وهو لا يعرفه مسبقاً- يجلس داخل مركبته وحصلت بينهما مشادة كلامية. نزل عمر من السيارة وشاهد "حربة" في يد المغدور خلصها من يده، وعاجله بطعنة في رقبته. تروي سحر تفاصيل مشابهة، لافتة إلى أن عمر كان قد ضل الطريق في إحدى المدن الأردنية ليلاً أثناء عودته من عمله إلى عمّان؛ ما دفعه إلى ركن مركبته بقطعة أرض حتى ساعات الصباح، وعندها، تفاجأ شقيقها بتعرضه لاعتداء من قِبل القتيل، صاحب الأرض، باستخدام "شبرية"، أدى إلى طعنه في عينه."
بينت سحر أن مشهد الدم أفقد عمر السيطرة على نفسه، وأثناء تحريك مركبته محاولاً الفرار دعس القتيل أكثر من مرة من دون وعي.
تقول سحر: "تبلغنا إنه ميت مش مصاب، الدكتور بحكي احنا كنا نتعامل مع حالة منتهية".
تسرد سحر بحرقة ما حدث لشقيقها في تلك الليلة، مبينة أنه تعرض لهجوم أيضاً من أبناء المغدور بالحجارة والضرب المبرح، ما عرضه لكسور في الجمجمة وإصابات خطيرة متفرقة في جسده أدخلته في غيبوبة لأكثر من ثلاثة أشهر، فيما مكث في أحد المستشفيات لمدة عام قبل نقله للقسم القضائي.
حصلت معدة التحقيق على محضر قضية عمر، والتي ثبت فيها عدم مسؤوليته عن عدة جنايات، بما في ذلك القتل والتعذيب، مع قرار قضائي بوضعه في مستشفى المركز الوطني للصحة النفسية، إلى أن يتم إثبات شفائه الاجتماعي بتقرير من لجنة طبية.
فيما بعد، ورد كتاب من مدير مستشفى المركز الوطني يفيد بأن المحكوم عليه كان يعاني فصاماً عقلياً، ويعيش فترة انتكاسة مرضية، لكنّه خضع للعلاج واستقرت حالته. كما أشار إلى أنه كان يتمتع بدعم اجتماعي وتنطبق عليه شروط الشفاء الاجتماعي، وأنه لم يعد يشكل خطراً على نفسه أو الآخرين، ما يبرر خروجه من المستشفى. وبشهادة الأطباء، فإن عائلته أبدت استعدادها لاستقباله وتقديم الرعاية اللازمة له.
 
 
Image1_820252622243290299989.jpg
Image2_820252622243290299989.jpg
 
 
 
 
لكنّ المحكمة نظرت في ظروفه الاجتماعية، خاصة أن المحكوم عليه منفصل عن زوجته ويقيم بمفرده، وفي حال عدم التزامه بالعلاج، يتعرض لانتكاسة صحية، ما قد يعرض السلامة العامة للخطر، فقررت استمرار احتجازه.
تضيف سحر أن انفصال شقيقها عن طليقته غير مرتبط بمرضه من الأساس، فيما عزت الجهات القضائية استمرار احتجازه لعدم وجود الصلح وحيثيات أخرى رفضت الإفصاح عنها وفقاً لسحر، مضيفة أن كل ما تم الحديث عنه أسباب لم يذكرها الأطباء. وقالت إن لدى شقيقها سندا أسريا، وتعهدا من قبل عائلته المكونة من ثلاث شقيقات ووالده ووالدته باستلامه ومتابعة شؤونه، فيما طالبت الجهات القضائية عائلته الانتظار ستة أشهر أخرى للبت في ملفه.
تتساءل سحر كيف لها أن تصبر ستة أشهر أخرى: "اليوم الحرية إلها قيمة عند البشر، كيف يعني نخليه 6 أشهر".
"الشفاء الاجتماعي" شرط للخروج
في المقابل أمضى شاكر عبد الرحمن* نحو 22 عاماً في القسم القضائي التابع للمركز الوطني للصحة النفسية، بعد ارتكابه جريمة تحت تأثير مرض نفسي مزمن. ورغم مرور أكثر من عقدين على الحادثة، والحكم بعدم المسؤولية، لم تتمكن عائلته من عقد صلح مع ذوي المغدور، ما أبقاه رهن الاحتجاز في القسم القضائي طيلة هذه الفترة.
يقول شقيقه: "آخر مرة زرته إلا أصبعه الإبهام معفن أسود أسود بس ما قصروا هم على طول حولوه إلى المستشفى".
عدم إجراء الصلح لم يكن السبب الوحيد لتقييد حرية عبد الرحمن لأكثر من عقدين، فبحسب تقييم الأطباء، لم يصل أيضاً إلى مرحلة "الشفاء الاجتماعي" الذي يُعدّ شرطاً لمغادرة القسم القضائي، حتى تقاطعت أقداره مؤخراً مع إصابته بـ"غرغرينا" أدت إلى بتر قدمه، ما عجّل بالإفراج عنه. حالة عبد الرحمن تثير تساؤلات حول مستوى الرعاية الطبية المقدمة داخل القسم القضائي، خاصة في ظل نقص الكوادر التمريضية.
أظهر تقرير سابق قمنا بإعداده، حول الكوادر التمريضية في مستشفى المركز الوطني للصحة النفسية، انخفاض المؤشر المتصل بعدد الممرضين العاملين في مجال الصحة النفسية عموماً في الأردن، مقارنة بالأعداد المُسجلة في دول مجاورة؛ إذ بلغ 3.3 من العاملين بالتمريض لكل 100 ألف نسمة.
لم تقتصر معاناة نزلاء القسم القضائي على ظروف الاحتجاز فقط، حيث اشتكى النزلاء من الإهمال الطبي لا سيما فيما يتعلق بالأسنان التي تعد واحدة من أعراض الأدوية النفسية، رغم وجود عيادة أسنان في القسم القضائي. في حين تقتصر الخدمة في العيادة على تقديم علاجات بسيطة فقط، أما باقي علاجات الأسنان، فتستدعي نقل النزيل إلى المستشفى وسط إجراءات صعبة.
في حالة عامر لم يذق طعم النوم لأشهر. يستذكر معاناته: "والله العظيم طاحونتي تسعة أشهر ما نيّمتني الليل والنهار إلا ما كنت أطلع خوفاً من الزنازن". يتفق معه أحد أقارب نزيل آخر: "المكان عبارة عن سجن، ووضعهم الصحي سيئ، ويعني ما بيهتموا فيه صحياً، بيعطوه إبرة فقط، وبيشتكي من الخدمات حتى أسنانه رايحين".
الامتناع عن تقديم الخدمة مخالف للقانون 
يحظر على مقدم الخدمة -وفقا لما ورد في قانون المسؤولية الطبية والصحية- الامتناع عن تقديم الخدمة في الحالات الطارئة، أو الانقطاع عن تقديمها في جميع الأحوال إلا إذا خالف متلقي الخدمة التعليمات أو كان الامتناع أو الانقطاع راجعاً لأسباب خارجة عن إرادة مقدم الخدمة.
حصلت معدة التحقيق على رد وزير الصحة، بشأن الشكوى المقدمة من رئيس الهيئة الإدارية في جمعية تفاؤل لحماية وتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، حسين النجار، حول احتجاز أشخاص في القسم القضائي ممن انطبقت عليهم شروط الشفاء الاجتماعي.
وبحسب رد وزير الصحة السابق فراس الهواري، فإن النزيل الذي ارتكب الفعل الجرمي تكون حياته معرضة للخطر من قبل أهل المغدور، في حال عدم وجود الصلح، وعليه لا يكتب له شفاء اجتماعي. وهناك بعض الحالات التي لا يوجد لها أي دعم اجتماعي؛ بمعنى أن أهل النزيل لا يرغبون في إخراجه خوفاً من ارتكاب الجرم مرة أخرى، خاصة إذا ترك العلاج وكان تحت تأثير الانتكاسة المرضية.
يؤكد عضو لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان في مجلس النواب الأردني، باسم الروابدة، بعد إجراء زيارة للقسم القضائي، وجود نزلاء ممن انطبقت عليه شروط الشفاء الاجتماعي، وعلى إثر ذلك خاطب رئيس مجلس النواب لتوجيه سؤال لوزير العدل حول نزلاء القسم القضائي الذين انطبقت عليهم شروط الشفاء الاجتماعي خلال العامين 2023 - 2024، فضلاً عن توجيه سؤال عن حول حجم الخسائر المادية والمالية التي تتكبدها الحكومة من جراء استمرار احتجاز وإيواء هؤلاء النزلاء.
نزلاء يفضلون السجن العادي على البقاء في القسم القضائي
يُعدّ المحتجزون في القسم القضائي "نزلاء". قد يكون ذلك المسمى الفعلي لهم، لكن ظروف الإقامة هناك تختلف عن ما قد توحي به كلمة "نزلاء".
يحتجز نزلاء القسم القضائي المحكومون بعدم المسؤولية كتدبير احترازي لغرض العلاج والشفاء، وليس لتنفيذ عقوبة، ما يستدعي توفير بيئة علاجية مناسبة.
لا تختلف ظروف احتجاز نزلاء القسم القضائي، الذي أنشئ ضمن عملية التوسعة خلال عام 2012، وتم الانتهاء من تجهيزه سنة 2015، عن ظروف احتجاز السجناء، وذلك خلافاً لتوصيات الأمم المتحدة حول مبادئ حماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي ونفسي؛ إذ يقبع النزلاء في "مهاجع (عنابر)" مغلقة تحت حراسة أمنية مشددة، على عكس ظروف الاحتجاز في القسم القديم، الذي انتقل إليه النزلاء لمدة تسع سنوات أثناء عملية توسعة القسم القضائي الحالي، كما لا يُسمح للنزلاء بممارسة أي أنشطة بحسب نزلاء سابقين، رغم الإعلان عن وجود صالة رياضة وقاعات ترفيهية عند افتتاح القسم.
يصف جميل* (الذي عمل سابقاً في القسم القضائي) العنبر "ألف" بالقول: "في الغرفة الواحدة توجد ثلاثة شبابيك كلها مغلقة بسياج معدني لا يُرى منه شيء". ويضيف أنه حين يدخل القسم يعجز عن البقاء فيه فترات طويلة: "رائحة رطوبة تشعرك بالاختناق". لافتاً إلى أن هناك ساحة شاسعة متصلة بكل قسم خلال سنوات عمله لم يخرج النزلاء لها قط: "في كراسي حديد مغطاة بخشب وفيه نافورة ماء، ساحات واسعة لكنها مهجورة".
ووفقا لرواية جميل، التي تتطابق مع كلام عدد من قابلناهم، فإن النزلاء لا يرون ضوء الشمس إلا ما ندر: "تتسلل خيوط الشمس لوقت قصير، يفتقر المكان لضوء الشمس."
يقول النائب الروابدة إن وضع القسم التابع للمركز "مزرٍ جداً" بحسب ما رآه.
في السياق ذاته يؤكد الممرض آدم عزيز: "زمان كان القسم القضائي سعته قليلة، يعني نحو 60 مريضاً، كانوا فعلاً يخرجون من المهجع الساعة السابعة صباحا أو عند الفطور، ويبقون لبعد الساعة 7:00 مساء بروحون ويأتون على الحديقة، أما حالياً ما بطلعوا إلّا يعني حسب نظام السجون ممكن يطلعوهم تشميسة ساعة زمان ويرجعوهم".
تنص مبادئ الأمم المتحدة، حول حماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي، بأن تكون بيئتهم وأحوالهم المعيشية في مصحات الأمراض العقلية، بما فيهم "الأشخاص الذين ينفذون أحكاماً بالسجن بسبب ارتكابهم جرائم"، أقرب ما يمكن لأحوال الحياة الطبيعية من خلال توفير مرافق للأنشطة الترويحية والاتصال.
وأوصى مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)في دليل "السجناء من ذوي الاحتياجات الخاصة" بعدم بناء مستشفيات سجون للأمراض النفسية.
"لا يُعدّ بناء مستشفيات سجون للأمراض النفسية مُجدياً من حيث التكلفة، نظراً لارتفاع تكلفة تشغيلها، وقدرتها الاستيعابية المحدودة، وانخفاض معدلات الإفراج منها، وغالباً ما تُلحق بالفرد وصمة عار شديدة ومستمرة. ويعمل العديد منها خارج نطاق إدارات الصحة المسؤولة عن مراقبة جودة التدخلات الصحية".
أورد المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في تقريره السنوي الثاني لرصد أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة وحقوقهم للعامين 2019 - 2020، أن المركز الوطني للصحة النفسية قام بعمل قسم علاجي "خمس نجوم" يتميز بجمیع أشكال الترفیه والمزایا، أما باقي المراكز فهي شبيهة بالسجون حيث توضع قضبان حمایة مماثلة للزنزانة، وذلك استناداً لما كشف عنه مشاركون في مجموعة تركيز (مجموعة صغيرة يتم استطلاع رأيها لأغراض بحثية). ورغم افتتاح القسم القضائي الجديد عام 2021، فإن معاييره المشابهة للسجون لم تتغير.
يقول آسر: "أنا رحت على السجن قعدت قبل لانتقل على الفحيص بأمر قضائي، زي السجن، نفس الشيء بوابة سجن".
أما جميل الذي اعتاد التعامل مع النزلاء، ويقر بوجود علاقة طيبة معهم، يجد فكرة الإقامة بشكل دائم مع نزلاء، بعضهم معرض لانتكاسة نفسية في أي لحظة، مرهقة. يقول: "أفضل أن أسجن 60 عاماً على أن أقضي عاماً واحداً في القسم القضائي".
تواصل مقطوع
أكد نزيل سابق أن شقيقة أحمد كانت تزوره شهرياً وتمنحه مبلغاً ضئيلاً لا يتجاوز الثلاثين ديناراً، وكان يقوم بغسل ملابس النزلاء مقابل عشرة قروش أحياناً لتلبية احتياجاته. لكن بوفاتها توقفت الزيارات.
يزور خلف ابنه منصور باستمرار. يقطع مسافة طويلة ليلتقي بابنه مدة لا تتجاوز خمس عشرة دقيقة، يُسمح له خلالها بتحميمه أيضاً.
منصور، شاب ثلاثيني يعاني مرضاً نفسياً مزمناً ويقبع في القسم القضائي منذ 15 عاماً، بسبب ارتكابه جريمة قتل، في حين يقبع شقيقه في "مركز الكرامة" بسبب مرض نفسي مزمن أيضاً.
نزيل آخر يروي ما عايشه مع منصور بالقول إنه حاول الانتحار مسبقاً؛ بسبب تعرضه (منصور) لانتكاسات متكررة، وحاجته إلى عناية طبية ومراقبة حثيثة، وبيئة علاجية أفضل من القسم القضائي لتحسن حالته.
ويضيف: "كان ينام بالحمام فكل رأسه وجلده أجرب، أبوه كان يجي من آخر الدنيا كل أسبوع يسمحوله يعقمه ويحممه".
لدى منصور "صك صلح"، ورغم هذا ما زال بالقسم. يتساءل النزيل عن حال منصور: "كثير تعبان ليش يضل بالقضائي؟! هاد لو ينقلوه عند أخوه (أخيه) يريحوا حالهم ويريحوا أبوه (أباه)". ويضيف: "طيب هذا مريض نفسي، هذا بده سجن؟ هذا بده يعني ساحة زي الناس".
أما شقيقة عمر فتؤكد وجود تشديد مطبق فيما يتعلق بالمكالمات والزيارات للقسم القضائي، حيث يسمح لها بزيارته ثلاث مرات بالأسبوع لمدة لا تتجاوز الربع ساعة على أقصى تقدير، والحديث معه هاتفياً لمدة ثلاث دقائق، مرة واحدة أسبوعياً.
حد فاصل بين حق الحرية والعلاج
يُحتجز نزلاء القسم القضائي بقرار من السلطة القضائية، وتقتصر صلاحيات المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على توثيق أي قرارات صادرة عن الجهات التنفيذية بشكل مخالف للقانون، والتدخل لحل الإشكاليات والمخالفات المرصودة.
يدعي بعض الأشخاص إصابتهم بمرض نفسي للتنصل من الجرائم التي ارتكبوها، ويحتاج هؤلاء الأشخاص إلى مكان توقيف خوفاً من هروبهم، بحسب الأمين العام للمجلس الأعلى لذوي الإعاقة مهند العزة. ويشير إلى أن هذا الأمر يعد واحداً من الأسباب التي تجعل القسم القضائي مكاناً أقرب للاحتجاز بدلاً من كونه مستشفى، ما يستدعي تقييم الحالات والمتطلبات الشخصية لكل نزيل على حدة، واتخاذ القرار حول مكان إيداع الشخص.
يقول رئيس جمعية الأطباء النفسيين الأردنيين، الدكتور علاء الفروخ، إن التمييز بين شخص يدعي إصابته بمرض نفسي، ومريض نفسي فعلي، ليس بالأمر السهل؛ لذلك يخضع المريض لمراقبة الأطباء والكوادر الطبية، وإجراء فحوصات نفسية وعقلية واختبارات شخصية لمدة كافية للبت في حالته.
يرى الأمين العام للمجلس الأعلى لذوي الإعاقة، مهند العزة، أن معايير بناء القسم القضائي تحتاج إلى مراجعة، ففي الوقت الذي يضم القسم "جناة"، فهو يضم أيضاً أشخاصاً لديهم إعاقات نفسية مزمنة وبحاجة إلى أجواء علاجية مختلفة، خاصة أن البعض منهم يقيم بالقسم منذ سنوات، وربما تمتد مدة بقائه لسنوات أطول، لحين وصوله للشفاء الاجتماعي، أو عقد صلح، أو وجود الكفيل.
يلفت العزة إلى أنه زار مستشفى المركز الوطني للصحة النفسية والقسم القضائي، ويقر بوجود تشابه كبير بينهما، باستثناء فارق واحد لا يراه هيناً، وهو أن شبابيك الغرف مغطاة بالحديد مع وجود ثقوب ضيقة، بالكاد ينفذ منها الضوء.
علاوة على ذلك، لا يقدم القسم القضائي خدمات الدعم النفسي والإرشاد لتعديل السلوك "الإجرامي" للنزلاء، بما يمكنهم من التكيف والاندماج في المجتمع فور خروجهم بعد وصولهم للشفاء الاجتماعي، في حين يقتصر دور الاختصاصي الاجتماعي في القسم -بحسب نزلاء سابقين- على متابعة وترتيب إجراء المكالمات بين النزلاء وذويهم، عوضاً عن تقديم الدعم لتحسين وتقويم الحالة النفسية والسلوكية للنزيل.
يقول الروابدة: "[النزيل] عبارة عن مسجون!.. لا يوجد اهتمام من أي جهة، عبارة عن نزيل يأكل ويشرب. هذا بده رعاية سواء من التنمية الاجتماعية أو من وزارة الصحة أو من الجهات اللي على الأقل تحاول يعني توصله لمرحلة علاجية".
ويتساءل عن ذنب الموقوف، الذي تبقى حريته مسلوبة، رغم كتابة تقرير من قِبل لجنة مكونة من ثلاثة أطباء تقر بشفائه اجتماعياً. ويرى أن المسؤولية تقع على عاتق وزارة التنمية الاجتماعية، التي يجب أن تقدم لهؤلاء "الموقوفين" الرعاية في حال تخلي ذويهم عنهم.
غياب تشريعات الصحة النفسية
بحسب دراسة منشورة عام 2025، تحت عنوان "دراسة عبء الاضطرابات النفسية في الأردن: دراسة إيكولوجية على مدى ثلاثة عقود"، سجّل الأردن زيادة بنسبة 280 في المائة في حالات الاضطرابات النفسية في الفترة بين عامي 1990 و2021، مع تسجيل نحو مليوني (1,953,087) حالة في 2021. دراسة أخرى أعدتها وزارة الصحة الأردنية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، نشرت عام 2024 تحت عنوان: "الوقاية وإدارة حالات الصحة النفسية في الأردن: مبررات الاستثمار"، خلصت إلى أن تكلفة علاج الاضطرابات النفسية على الاقتصاد الأردني عام 2023 بلغت نحو 251.8 مليون دينار أردني (355.1 مليون دولار أميركي)، أي ما يعادل 0.75 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
يواجه واقع الصحة النفسية في الأردن تحديات كبيرة، من أبرزها نقص الكوادر المتخصصة، فضلاً عن نقص الأسِرّة في مراكز الرعاية النفسية، حيث تبلغ نسبتها 5.9 أسرة لكل 100,000 نسمة، وهي أقل من المعدل العالمي(11 سريراً عام 2020)، وفق تقرير منظمة الصحة العالمية "أطلس الصحة النفسية 2020" (Mental Health Atlas 2020).
أطلقت وزارة الصحة الأردنية خطة العمل الوطنية للصحة النفسية والإدمان 2022 - 2026، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، والتي تعكس التزام الوزارة بتعزيز خدمـات الصحـة النفسـية المجتمعية المتكاملـة فـي البلاد. لكنّ الأردن لم يشرع قانوناً خاصاً بالصحة النفسية، رغم توصيات المركز الوطني لحقوق الإنسان في تقريره الموازي الثاني للعام 2023 بضرورة مبادرة الحكومة بإقرار تشريع خاص، يضمن توفير جودة عالية لخدمات الصحة النفسية.
وفقاً لتقرير منظمة الصحة العالمية "أطلس الصحة النفسية 2020" (Mental Health Atlas 2020)، تمتلك نحو 75 في المائة من الدول الأعضاء سياسة أو خطة مستقلة بالصحة النفسية، فيما عملت 51 في المائة من الدول الأعضاء على مواءمة سياساتها أو خططها المتعلقة بالصحة النفسية بشكل كامل مع الصكوك الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان.
ويرى الأمين العام للمجلس الأعلى لذوي الإعاقة، مهند العزة، أن قانون الصحة العامة وقانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية، لا تساعد بوضعها الحالي على إعطاء الأشخاص ذوي الإعاقات النفسية الحق في الاختيار واتخاذ القرار.
يقول العزة إن القانون نصّ بشكل صريح على حظر الإيداع القسري في أي مستشفى أو مركز، بالمخالفة لإرادة الشخص وحريته: "يعني بالقانون هذا ممنوع"، مضيفا: أن الكثير من الحالات تخضع لقانون الصحة العامة، الذي يعد "قديماً" فيما يتعلق بالمواد التي تتعلق بسلطة إيداع الأشخاص قسرياً، لافتاً إلى ضرورة تعديل هذه المواد.
وقّع الأردن في آذار(مارس) 2007 على البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة CRPD، التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2006، وصادق على هذه الاتفاقية رسمياً عام 2008، ما يعني أن الأردن أصبح بموجب هذه الاتفاقية ملزماً بشكل رسمي وقانوني بتطبيقها، وتعديل قوانينه المحلية بما يتوافق معها.
تقدمت معدة التحقيق بطلب لوزارة الصحة لإجراء مقابلة مع مدير مستشفى المركز الوطني للصحة النفسية (مستشفى الفحيص)، ومدير القسم القضائي في المستشفى، إلى جانب طلب لمقابلة مدير مديرية صحة ذوي الإعاقة والصحة النفسية في وزارة الصحة للحصول على توضيحات بشأن ما توصل إليه التحقيق، كما تقدمت بطلب للمجلس القضائي لمقابلة أمين عام المجلس، إلا أنه لم يصلها رد من جميع من تم ذكرهم حتى تاريخ نشر هذا التحقيق.
وفقاً لنزيل سابق، فإن أحمد لم يفقد الأمل، ويؤمن بأن ابنتيه ستتوليان تكفيله يوماً ما. لكنّه يتساءل: "كيف يمكن لإنسان عاش محتجزاً لسنوات طويلة، وكان تواصله مع العالم الخارجي يقتصر على شاشة تلفاز في صالة الطعام وجهاز راديو قديم،  ويكون محاطاً بمرضى نفسيين، أو أطباء يزورونه مرة أسبوعياً، أن يتأقلم مع الحياة خارج هذا المكان؟".
ويضيف أن أحمد، بلا شك، سيغمض عينيه طويلاً قبل أن يعتاد رؤية الشمس، وقد يحتاج إلى وقت أطول ليعتاد طعم الحرية.
"مرة وحدة حكالي تعالي ليلة وبعدين بتعرفي شو أنا بعيش جوة"
توفي والد عمر في الحادي والعشرين من شهر تموز (يوليو) 2025. تقول سحر إن احتجاز شقيقها كان أحد أسباب انتكاسة والدها، أما عمر الذي عانى الألم مرتين؛ ألم احتجازه، وألم تأنيب الضمير على والده، استطاع بشق الأنفس أن يودع والده قبل أن يحتضن التراب جثمانه للأبد.
 
*أنجز هذا التحقيق بدعم من أريج