الدستور
في سياق ديناميكي يعكس تغيرات جوهرية في النظام الدولي، فقد تجاوزت ماليزيا مرحلة الانكفاء على الذات، وانشغالها بمشاكلها الداخلية. وتمكنت من أن تستأنف حضورها القوي، وأن تجرؤ على الكلام في مواجهة القوى الكبرى، وأن تقدر على «الحياد» في ظل التنافس الضاري بين الولايات المتحدة والصين. ولعل ما يعينها على ذلك هو نموذجها المعتدل، وازدهارها الكبير كأحد النمور الآسيوية. إلا أن ما استجد في المشهد الماليزي هو «اللهجة الحازمة «، والبراجماتية الشديدة في التعامل مع الغرب وقوى الشرق الصاعدة. وبالنسبة للشرق الأوسط، فإن الكثيرين يتابعون نشاط رئيس الوزراء أنور في الدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني، وثمة ارتياح لأخذ علاقات مصر وماليزيا لمستوى «الشراكة الاستراتيجية «، وتعزيز العلاقة مع دول الخليج، والأهم تعزيز التعاون الإستراتيجي بين آسيان ومجلس التعاون الخليجي والصين، وهي تسهم في صياغة نظام دولي أكثر توازنًا واستقلالية وسط تحديات عالمية متزايدة.
ويرى الكثير من الخبراء العرب أن ماليزيا بوزنها، وحيوية مجتمعها المدني و بجرأة قادتها على الكلام في مواجهة القوى الغربية قد ساهمت في الحركة العالمية المتصاعدة لدعم الشعب الفلسطيني .
وردا على احتجاز سفينة «مادلين»، تحضر ماليزيا «أسطول الألف» لكسر حصار غزة، وأعلنت مؤسسات مجتمع مدني ماليزية عزمها تدشين أكبر أسطول بحري لفك الحصار عن غزة، وذلك بعد استيلاء إسرائيل على سفينة مادلين وهي في طريقها إلى القطاع المحاصر.
وقال رئيس مجلس تنسيق المنظمات الإسلامية الماليزية عزمي عبد الحميد إن نتائج اتصالاته مع هيئات ومنظمات من مختلف أنحاء العالم مشجعة جدا لتسيير أسطول بألف سفينة.وتستند مبادرة «أسطول الألف» إلى القانون البحري الدولي، مع التركيز على الطابع الإنساني البحت للشحنات، ووجود مراقبين وفرق إعلامية لضمان الشفافية.
وجاءت هذه الخطوة بعد حادثة الاستيلاء الإسرائيلي على سفينة الإغاثة «مادلين» في المياه الدولية، والتي كانت تقل مساعدات طبية وغذائية بالإضافة إلى ناشطين من بينهم السويدية غريتا تونبرغ.
ويذكر أن هذه المبادرة تستلهم روح أسطول الحرية عام 2010، لكنها تتسم بمشاركة أوسع على المستوى العالمي، في محاولة لتحريك الرأي العام الدولي ضد استمرار الحصار الذي يخالف المواثيق الدولية.
ومن ناحية اخري أكد رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم ثبات موقف بلاده من مسألة قطاع غزة وكذلك إيران، رغم كل الضغوط الأمريكية التي تجري ممارستها خلال مفاوضات الرسوم الجمركية على الواردات الماليزية، وأن موقفها يتماشى مع قلقها البالغ الذي أعربت عنه مرارا إزاء الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، ودعت إلى وقف إطلاق النار.
كما تؤيد كوالالمبور قرار إقامة دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود عام 1967.
ونقلت وكالة «برناما» عن رئيس الوزراء قوله: «رغم الضغوط والتهديدات والاعتراضات على موقفنا من فلسطين وغزة أو علاقاتنا الجيدة مع إيران، فإن هذا لن يُغير موقفنا الثابت كدولة مستقلة ذات سيادة، ولا رؤيتنا.»وأكد إبراهيم أن ماليزيا تواصل الدفاع عن موقفها الثابت تجاه القضية الفلسطينية في مختلف المحافل الدولية متعددة الأطراف، بما في ذلك جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والأمم المتحدة.
ولقد أثار رئيس الوزراء الماليزي، أنور إبراهيم، جدلاً واسعاً بتصريحاته التي انتقد فيها بشدة «نفاق الغرب» فيما يتعلق بالصراع في غزة، وخاصةً الموقف الألماني المؤيد لإسرائيل. وخلال زيارته الاخيرة لبرلين، وجه إبراهيم انتقادات لاذعة للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، متسائلاً عن «نفاق الغرب» في تعامله مع الأحداث في غزة. وأكد إبراهيم على ضرورة وقف «نفاق الغرب» في تعامله مع الأحداث هناك، مشيراً إلى أن المشكلة لا تقتصر على هجوم 7 أكتوبر.
وأشار إلى أن «الغرب» يتهم «الشرق» بالبربرية، في حين أن «الشرق» أظهر إنسانية أكبر في تعامله مع الأزمة.
ووجه إبراهيم سؤالاً مباشراً إلى المستشار الألماني حول سبب هذا «النفاق» في الموقف الألماني من غزة، ولم يتردد إبراهيم في استخدام مصطلح «إبادة جماعية» لوصف ما يحدث في غزة.
وفي المقابل لم يصدر رد فعل مباشر من المستشار الألماني على الفور، وقد وصف أحد المعلقين رد فعل المستشار بأنه «قلب قاس» لعدم تأثره بكلام إبراهيم، في حين حظيت تصريحات أنور إبراهيم بإشادة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أشاد الكثيرون بشجاعته في مواجهة الموقف الألماني.وانتقد البعض «النفاق» الغربي في التعامل مع الأزمة، وأيدوا موقف إبراهيم. وبعد فترة ساهمت مواقف أنور إبراهيم والضغوط الدولية والداخلية ميرتس على وقف تصدير السلاح للحكومة العنصرية في إسرائيل.
ويبدو أن ماليزيا نجحت في اُبراز استقلاليتها، وتعزيز وزنها كأحد القوى الآسيوية، وأحد القوى المهمة في منظمة التعاون الإسلامي، وأحد قادة الجنوب العالمي.
وتمكنت ماليزيا من خلال رئاستها للتجمع الآسيوي خلال العام الحالي من ابراز مفهوم «مركزية آسيان»، وذلك كمبدأ يدعم استقلالية دول آسيان، ويعزز قدرتها على اتخاذ قراراتها بعيدًا عن تأثير القوى الكبرى، مثل الصين والولايات المتحدة. وقد تجلى هذا التوجه في دعم ماليزيا لسياسة الحياد، إذ تعمل على تحقيق توازن دقيق في منطقة تعج بالتحديات الجيوسياسية، وفي مواجهة التحولات الاقتصادية في العالم التي تؤثر على استقرار المنطقة وتنميتها.
وفي الوقت نفسه ترتكز رؤية ماليزيا لرئاسة آسيان على ثلاثة محاور رئيسية: السياسة والأمن، والاقتصاد، والثقافة الاجتماعية. ففي المجال الأمني، تسعى ماليزيا لتعزيز التعاون بين آسيان ودول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة التهديدات المشتركة، مثل الإرهاب والقرصنة البحرية.وهذه خطوة مهمة لأن آسيان ومجلس التعاون الخليجي هما كتلتان اقتصاديتان بارزتان عالميًّا، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لآسيان نحو 3.6 تريليونات دولار، مع تعداد سكاني يتجاوز 680 مليون نسمة، ما يؤهلها لأن تصبح رابع أكبر اقتصاد عالمي بحلول عام 2030.
من جهة أخرى، تتمتع دول الخليج بناتج محلي إجمالي يبلغ نحو 2.3 تريليون دولار، ما يجعلها شريكًا مثاليًّا لدول آسيان في تعزيز التعاون الاقتصادي.ووصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى أكثر من 100 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، ويمتد التعاون إلى المجال الثقافي والسياحي، حيث تسعى ماليزيا إلى جعل آسيان وجهة مفضلة للسياح من دول الخليج. .
ويبقى أن تجربة ماليزيا مهمة، فهي تسعى للحياد في ظل التنافس دون الانزلاق إلى صراعات جيوسياسية.
وتسعى ماليزيا بتبنيها للحياد من خلال إستراتيجية متوازنة، لتحقيق عدة أهداف أبرزها: تعزيز التعاون مع الخليج والصين دون المساس باستقلالية الرابطة، إقامة شراكة إستراتيجية متعددة الأطراف لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، وبناء شبكات اقتصادية وتجارية جديدة تدعم الاستقرار الإقليمي، ومع التركيز على الشراكات المستدامة، يمكن أن يكون التعاون بين الأطراف الثلاثة نموذجًا للتعامل مع التحديات العالمية بطريقة متوازنة وفعّالة، تحقيق توازن بين المتطلبات الاقتصادية والأمنية والثقافية. وفي الوقت نفسه فتح آفاقً جديدة لتعزيز مكانة آسيان ومجلس التعاون الخليجي كقوى إقليمية فعالة تسهم في صياغة نظام عالمي أكثر استقرارًا وازدهارًا.
في النهاية، فإن تجربة ماليزيا تحظى بإعجاب، ومتابعة ما إذا كانت هناك فرصة لتحقيق تعاون متعدد الأطراف ناجح، يعزز مصالح الأطراف المشاركة، ويؤسس لنظام عالمي أكثر استقرارًا وازدهارًا.
ومن جانب آخر ينتظر الرأي العام العربي مزيدًا من مبادرات ماليزيا تجاه القضايا العربية، وما إذا كانت لغتها الجديدة وحضورها القوي على الساحة الدولية سيحدث فرقا في قضية فلسطين.