عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-May-2026

استقلال الأردن: بناء الدولة، حماية الهوية*حسن الدعجة

 الغد

في الخامس والعشرين من أيار (مايو)  من كل عام، لا يُحيي الأردنيون ذكرى سياسية عابرة، بل يستذكرون لحظة تاريخية محورية بشّرت بميلاد الدولة الأردنية الحديثة، وعززت إرادة أمة اختارت بناء استقلالها على الوعي والشرعية والاعتدال والتنمية البشرية. لم يكن استقلال الأردن مجرد نهاية للانتداب البريطاني عام 1946، بل كان بداية مشروع وطني شامل بقيادة الهاشميين ذوي الرؤية السياسية العميقة. هذه الرؤية حوّلت الأردن من دولة ناشئة ذات موارد محدودة إلى أمّة ذات حضور إقليمي ودولي مؤثر، رغم كل التحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي أحاطت بها منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا.
 
 
جاء استقلال الأردن في منعطف تاريخي مضطرب، حيث كانت المنطقة العربية تشهد تشرذمًا وصراعات وتحولات جذرية. مع ذلك، نجح الأردن منذ البداية في ترسيخ نموذج متميز قائم على بناء المؤسسات، واحترام سيادة القانون، وتعزيز مفهوم الدولة الوطنية الموحدة. ولذلك، لا تُقاس قيمة استقلال الأردن بتاريخ إعلانه فحسب، بل أيضًا بالاستقرار السياسي والأمني والمؤسسي الذي حققته الدولة الأردنية منذ ذلك الحين، في منطقة تُعد من بين أكثر مناطق العالم اضطرابًا.
منذ عهد الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين وحتى عهد جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، ظل الاستقلال مشروعًا متطورًا باستمرار، يتجاوز مجرد الاستقلال السياسي ليشمل استقلال صنع القرار الوطني، والتنمية البشرية، وتعزيز الهوية الوطنية الموحدة، وحماية مصالح الدولة في ظل بيئة إقليمية معقدة. وعلى مر العقود، أظهر الأردن قدرة استثنائية على التكيف مع الأزمات دون أن يفقد توازنه أو مبادئه الأساسية، مما جعله نموذجًا للاستقرار والاعتدال والحكمة السياسية.
إن الحديث عن استقلال الأردن اليوم يعني الحديث عن دولة استطاعت الحفاظ على أمنها واستقرارها رغم الحروب المحيطة بها، وعلى تماسكها رغم الأزمات الاقتصادية والضغوط الإقليمية والدولية. فبينما انهارت دول أخرى وتفككت مجتمعات في المنطقة، ظل الأردن قويًا بفضل مؤسساته، ووعي شعبه، والثقة المتبادلة بين قيادته ومواطنيه، وهي معادلة شكلت أساس الاستقرار الوطني الأردني على مدى عقود. لم يكن هذا الاستقرار وليد الصدفة، بل كان ثمرة رؤية سياسية حكيمة، ومؤسسات دولة راسخة، وجيش عربي محترف وجهاز أمني متفانٍ في حماية الوطن والحفاظ على مكتسباته. على مر التاريخ، أثبت الأردنيون قدرتهم على تجاوز التحديات بروح وطنية عالية وفهم عميق لخطورة الموقف، مما عزز صمود الدولة وحافظ على تماسكها الداخلي في خضم بيئة إقليمية مضطربة ومتقلبة.
 لعلّ ما يُميّز التجربة الأردنية هو أن الاستقلال لم يصبح مجرد خطاب احتفالي أو مناسبة بروتوكولية، بل ظلّ مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالعمل الوطني اليومي، وبقدرة الدولة على حماية استقلالها، وصون كرامة مواطنيها، والاضطلاع بدورها الوطني والإنساني. لم يكن الأردن يومًا دولةً منعزلة؛ فمنذ تأسيسها، حملت رسالة عربية وإنسانية واضحة، تجسّدت في الدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والدفاع عن القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية من خلال الوصاية الهاشمية التاريخية. كما اضطلع الأردن بدور محوري في دعم الاستقرار الإقليمي، وتقديم المساعدات الإنسانية، واستضافة موجات من اللاجئين، انطلاقًا من قيمه الوطنية والإنسانية الراسخة.
علاوة على ذلك، يرتبط استقلال الأردن ارتباطًا وثيقًا بتنمية الشعب الأردني، الذي كان ولا يزال ثروة الأمة الحقيقية. فعلى مدى عقود، استثمر الأردن في التعليم والجيش والأمن والإدارة والرعاية الصحية، رغم محدودية الموارد، ونجح في بناء نموذج للتنمية البشرية قائم على الكفاءة والانتماء والاعتدال. ونتيجة لذلك، أصبح الأردنيون حاضرين ومؤثرين في مختلف المجالات، إقليميًا ودوليًا، مما يعكس نجاح الدولة في بناء رأس مال بشري يجسد معنى الاستقلال. وقد أثبت الأردنيون، في الداخل والخارج، قدرتهم على الابتكار والتميز، مما عزز صورة الأردن كأمة تعتمد على شعبها كأساس للتنمية والاستقرار والتقدم.
وفي ضوء التحديات العالمية الراهنة، بما فيها الأزمات الاقتصادية والتحولات السياسية والنزاعات الإقليمية، تتجدد أهمية الاستقلال كمسؤولية وطنية جماعية، لا مجرد ذكرى تاريخية. ويتطلب الحفاظ على استقلال الدولة اليوم تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ سيادة القانون، وحماية الوعي الوطني من حملات التشكيك والفوضى. كما يتطلب الأمر تطوير الاقتصاد والتعليم والإدارة بما يتماشى مع تطلعات الدولة الأردنية الحديثة. علاوة على ذلك، يستلزم تعزيز الاعتماد على الذات، ودعم الشباب وتمكينهم، وغرس قيم الانتماء والمسؤولية الوطنية، لكي يبقى الأردن قادرًا على مواجهة التحديات بثقة وثبات. فالأمم القوية ليست فقط تلك التي تمتلك الموارد، بل هي أيضًا تلك التي تمتلك شعبًا واعيًا ومؤسسات قادرة على حماية الدولة ومصالحها في جميع الظروف والتغيرات.
إن استقلال الأردن ليس حدثًا من الماضي، بل هو قصة مستمرة من الصمود والتنمية والتحديث. إنه استقلال دفع الأردنيون ثمنًا باهظًا من التضحيات والجهود على مدى عقود، ولعبت القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي - والأجهزة الأمنية والمؤسسات الوطنية دورًا حيويًا في حمايته وتوطيده. لذلك، فإن الاحتفال بيوم الاستقلال هو احتفال بالدولة الأردنية بكل رموزها ومؤسساتها وإنجازاتها، واحتفال بقصة أمة ظلت قوية رغم قسوة جغرافيتها وتعقيدات سياستها. يمثل يوم الاستقلال مناسبة وطنية لتعزيز الرواية الأردنية الجامعة، القائمة على قيم الانتماء والولاء والهوية الوطنية، والاعتزاز بتاريخ الوطن وتضحيات أجداده، ولترسيخ صورة الأردن كدولة للاعتدال والاستقرار والنجاح في بيئة إقليمية مضطربة.
في يوم الاستقلال، يستذكر الأردنيون بفخر مسيرة أمةٍ قُدِّر لها أن تكون واحة أمن واستقرار واعتدال في قلب منطقة مضطربة. ويجددون عهدهم بمواصلة البناء تحت القيادة الهاشمية، مؤمنين بأن قوة الأردن كانت وستبقى في وحدته، وفي وعي شعبه، وفي إيمانهم الراسخ بأن الوطن ليس مجرد أرض، بل هوية وكرامة ورسالة.