عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Jan-2026

في ذكراك الثامنة عشرة.. الخراف والجداء*إسماعيل الشريف

 الدستور

(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) [الضحى: 9،8]
 
كان والدي، رحمه الله، واسع الصدر، هادئ الطبع، لا يستفز بسهولة، غير أنني رأيته مرة واحدة غاضبا كما لم أره من قبل. كان الفقراء يتوافدون إلى منزلنا، وقد سنّ والدي آنذاك نظامًا يقضي بأن نعطي كل سائل دينارًا. وفي أحد الأيام، تزامن حضوره مع مجيء رجل اعتاد المجيء كثيرًا، وكنت أضيق به إذ لم تبدُ عليه أي من علامات الفقر. اعترضتُ، فما كان من والدي إلا أن غضب غضبًا شديدًا، ووبخني بكلمات كثيرة، بقيت محفورة في ذاكرتي، منها عبارته الحاسمة: ولو جاءك على حصان أبيض. ومن شدّة غضبه اختفيت عن نظره، أحمل في داخلي غضبي لتوبيخه إياي أمام السائل، الذي حتمًا فرح بما اعتبره انتقامًا له مني.
 
وبعد ساعات، وحين هدأت أعصابه، استدعاني قائلاً: «اجلس». لم يبتسم، ثم قال بهدوء: «سأحدثك بقصة». على جبل الزيتون في القدس، جلس سيدنا المسيح عليه السلام يحدّث تلاميذه بقصة رمزية، فقال: في يوم القيامة، يجلس على عرش، وتجتمع أمامه شعوب العالم كافة، فيفرز بعضهم عن بعض، كما يفرز الراعي الخراف عن الجداء. يضع الراعي أي السيد المسيح عليه السلام الخراف عن يمينه، والجداء عن يساره، ثم يلتفت إلى الذين عن يمينه ويقول لهم: ادخلوا الجنة، فقد جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريبًا فآويتموني، وعريانًا فكسوتموني، ومريضًا فزرتموني، ومحبوسًا فأتيتم إليّ. فيندهش الأبرار ويسألون: ومتى رأيناك جائعًا أو عطشان أو عريانًا أو غريبًا أو مريضًا أو محبوسًا وفعلنا هذا؟ فيجيبهم: الحق أقول لكم: بما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار، فبي فعلتم.
 
ثم يلتفت إلى الذين عن يساره فيقول بلهجة القضاء: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدّة لإبليس وجنوده، فقد جعت فلم تطعموني، وعطشت فلم تسقوني، وكنت غريبًا فلم تؤووني، وعريانًا فلم تكسوني، ومريضًا ومحبوسًا فلم تزوروني. وحين يحتجون بأنهم لم يروه في هذه الأحوال، يجيبهم: بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الصغار، فبي لم تفعلوا. وهكذا يمضي هؤلاء إلى العذاب الأبدي، والأبرار إلى الحياة الأبدية.
 
وأخيرًا ابتسم والدي، فابتسمتُ بدوري وسط العرق الذي يغمر وجهي، ولعل ذلك ما دفعه إلى الابتسام. ثم قال: «هذه ليست قصة رمزية فحسب، فميزان الآخرة كما قال السيد المسيح عليه السلام يقوم على الرحمة، وخدمة المحتاج في جوهرها خدمة لله، فلا مكان في الملكوت لمن أغلق قلبه أمام جوع الآخرين ومعاناتهم، أما الحياة الأبدية فتفتح أبوابها لمن جعلوا الرحمة لغتهم اليومية.»
 
ثم سألني: «وماذا تذكّرك هذه القصة في الإسلام؟» فعادت إليّ ثقتي بنفسي، إذ كنت أعرف بعض الجواب، فتلوْت بين يديه قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا (9)).
 
فقال: «محاولة جيدة ومقبولة، لكنني سأضيف حديثًا نبويًا مشابهًا في جوهره لقصة السيد المسيح عليه السلام.» ثم روى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضتُ فلم تعدني. فيقول: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني. فيقول: يا رب، كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني. فيقول: يا رب، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟ رواه مسلم.
 
سألته: «أليس غريبًا هذا التشابه؟» فأجابني: «هذا دليل على أن جميع الأديان مصدرها واحد.»
 
وأعترف أنه برحيل والدي، لم يعد منزلنا بذلك السخاء، باستثناء صديقنا المشترك الذي رحل هو الآخر، وكان كلما جاء يلقاني بابتسامة تحمل معاني كثيرة. أما الآن، فأكتفي بأن أعتذر للسائل بابتسامة ودودة واعتذار صادق.
 
رحمك الله يا أبي، ما زلتَ حاضرًا، معلمًا، ومُلهمًا.