لبنان بين نارين.. هدنة مؤقتة واحتلال إسرائيلى* حسين دعسة
الدستور المصرية -
المسارات تتفتت، مؤشرات الحرب ما زالت تغلى تحت الرماد، هناك تفاؤل خادع، هناك نوايا ودول وسيطة مخلصة تبحث عن وقف جاد ونهائى لكل أشكال إطلاق النار، ومظاهر الحرب، وإنهاء مخلّفات الاحتلال والحروب، من عودة الحياة، ترسيم الحدود، وضع حقوق الدولة فى حصر السلاح وضبط واقع الحياة ودعم الجيش اللبنانى فى مقابل الجيش المحتل، جيش الاحتلال الإسرائيلى الصهيونى.
عمليًا، ما قبل 72 ساعة من الآن، بالمطلق العسكرى والأمنى والدبلوماسية، لن يكون ما بعد 72 ساعة من مخاوف الانفلات الشعبى أو حراك حزب الله وبقية الفصائل المسلحة فى لبنان، كل لبنان الذى نعرفه بعد الائتلاف والتوافق الوطنى القومى على اتفاق الطائف فى غضون ذلك، يبرزُ الدور السعودى فى لبنان كعامل مهم لإنهاء الحرب على غرار ما حصل فى اتفاق الطائف عام 1989.
بعد إعلان الهدنة، بكل أطيافها، اليوم، وفق مصادر، تقف العواصم من الدول الوسطاء، القاهرة، عمان، وغيرهما، فى المنتصف، بما فى الهدنة من مآلات، ويتردد أن العاصمة السعودية، الرياض، انتبهت لأخذ دور محورى فى الضغط باتجاه وقف إطلاق النار، وذلك بتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه برى.
فى هكذا حدث، غالبًا، الدول الوسطاء، بالذات الأردن ومصر وقطر وتركيا، تقدم خبرات دبلوماسية وسياسية، بينما كشف فى العاصمة اللبنانية، بيروت، أن السعودية، وربما الدول التى تعرف بمجموعة الخمسة، تعودُ لتدخل بقوة إلى الساحة اللبنانية بعد الحرب الحالية، بينما دور إيران «سينحسر» عسكريًا ليس فقط فى لبنان بل أيضًا فى اليمن باعتبار أنه سيكون مشمولًا بالتسوية، كما تقول المصادر السياسية والأمنية، وأكدتها مصادر متوافقة حصل عليها «الدستور»، مؤكدة أن هذا الخلط، عمليًا، قد يؤدى إلى اختلال كل المفاوضات تحت كل المسارات.
.. لنقف عند: لبنان بين نارين! وهذا الدخان الأبيض الحقيقى، الذى قد يتبعه الدخان الأسود، الواضح من مسارات الإدارة الأمريكية والبنتاغون، والرئيس ترامب وألاعيب السفاح نتنياهو وحكومة التطرف التوراتية الإسرائيلية النازية، أن ما يجرى تحت الطاولات يتجاوز النوايا الحسنة الداعية إلى إيصال السلام والاستقرار إلى لبنان، كل لبنان، أى خروج الاحتلال الإسرائيلى الصهيونى، وتحول الهدنة المؤقتة من ١٠ أيام، انفجارها وتشتتها أقرب من عدها... ذلك أن وجود الاحتلال الإسرائيلى بات الاستحقاق الذى كرّسه «أولًا» وأعلنه «ثانيًا» الرئيس الأمريكى ترامب، الهدنة لصالح الاحتلال بقرار من ترامب والسفاح نتنياهو.
.. هذا لا علاقة له بما قدمت وسعت له وجاهدت الدول الوسطاء، السعودية، الأردن، مصر، قطر، تركيا، باكستان، والمتابعة والتخطيط والضغط الأمنى والسياسى، الولايات المتحدة الأمريكية.. وهذا أفرز اتصالات وتصريحات دبلوماسية وأمنية أوروبية، ومن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامى، واتحاد التعاون الخليجى /دول الخليج العربى.
* تحليل «الجنون»:
.. عندما نؤشر فى «الدستور» إلى ما قبل 72 ساعة قبل إعلان تنفيذ الهدنة، كان المحلل السياسى اللبنانى «محمد الجنون»، يكتب: «قصة وقف حرب لبنان.. تفاصيل التسوية المرتقبة»، فعلًا، كما مررت لنا مصادر دبلوماسية توافقت مع مصادر إعلامية لبنانية، تقيم خارج لبنان، وكانت الوثيقة التى أرّخت وتداولت اعتبارًا من تاريخ 15-04-2026، وكشف فيها:
* أولًا:
بدا واضحًا أن مسار التسوية الأمريكية- الإيرانية لوضع حدّ لحرب المنطقة قد ثبّت نفسه، فيما لبنان دخل عمق هذه التسوية التى لم تكتمل عناصرها بعد.
كان طاغيًا الكلام عن وجود توجه لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، حسبما يقول المصدر، المحلل الجنون، ويضيف: ما يؤكد تمامًا أنّ المفاوضات الإيرانية- الأمريكية فى إسلام آباد لم تفشل وقد شملت فعليًا الملف اللبنانى بشكل خاص ليكون جزءًا منها، على اعتبار أن ملف لبنان لا يمكن حلّه بمعزلٍ عن تسويةٍ دولية.
* ثانيًا:
قصة وقف إطلاق النار المُرتقب فى لبنان بعد حرب استمرّت لـ45 يومًا وفق- المسارات- الآتى:
* أ:
حصول اتصالات أمريكية- إيرانية رفيعة المستوى لشمول المنطقة بأكملها فى هدنة طويلة الأمد
* ب:
دخول الدّور السعودى على الخط بشكل خاص، والخليجى بشكلٍ عام، كعامل ضغط محورى لإنهاء توتر المنطقة، خصوصًا مع الحصار البحرى الأمريكى على مضيق هرمز، وتهديد إيران للملاحة البحرية فى البحر الأحمر
* ج:
اقتناع إسرائيل بأن الحرب العسكرية لوحدها ليست كفيلة بتغيير الواقع
* د:
اقتناع إيران بأن النموذج السابق لم يعُد نافعًا، وبالتالى الاتجاه نحو تغيير جديد أساسه الانفتاح على الأمريكيين شرط تطبيق بنود أساسية، وهى: معالجة الملف النووى وتقليص دعم وكلاء إيران من دون إنهاء نفوذهم فى مناطقهم.
* ماذا عن لبنان؟
ما تكشفه تحليلات ومصادر سياسية، حسب المحلل الجنون، أنها التقت رئيس مجلس النواب نبيه برى وأن الأخير يرى أن الحل يرتبط بالتسوية الإيرانية- الأمريكية، وقد أعرب عن هذا الأمر مؤخرًا من دون الغوص فى تفاصيله. فى الوقت نفسه، تقولُ المصادر إن برى لن يكون مُطمئنًا لأى شىء قبل أن يدخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
فى الأفق السياسى والأمنى، ميدانيًا وعمليًا، الحديث عن هدنة فى لبنان سيؤسس لأمور محورية، وهى:
* 1- استكمال التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل الذى بدأ الثلاثاء، وبالتالى لا عودة إلى الوراء، والأمر هذا سيسهم إلى حد كبير فى رسم ملامح المرحلة المقبلة.
* 2- ذهاب إيران، ضمن التسوية مع أمريكا، إلى تحجيم دور «حزب الله» العسكرى على قاعدة أن «معركة العام 2026 هى الأخيرة».
* 3- دخول «حزب الله» مرحلة جديدة تؤسس لتنازله عن سلاحه لصالح الدولة اللبنانية وفق قاعدة أساسية، وهى ضمان عدم تعرض لبنان لأى احتلال، ناهيك عن انسحاب إسرائيل من أى أرضٍ لبنانية تم احتلالها.
* 4- التزام «حزب الله»- بأوامر إيرانية- بعدم خوض أى قتال مستقبلى، ذلك أن الترتيبات الدولية هى التى ستحكم السلام فى لبنان وليس اتفاقًا ثنائيًا بينه وبين إسرائيل فحسب.
.. ووفق كل التطورات الآنية، الدولة اللبنانية تدخلُ أزمة الهدنة؛ دلالات وقف إطلاق النار المؤقت، الواضح أمنيات، بضغوط أمريكية وألاعيب إسرائيلية، إن دلالة المسار الجديد تعنى:
* أ:
تفاوض مباشر مع إسرائيل.
* ب:
تحجيم دور حزب الله.
بروز الدور الخليجى مجتمعًا، فى لبنان إذا ما استقرت وقائع الأحداث... وما سيظهر، ممارسات أوروبية وعربية خليجية، على الخط اللبنانى مُجددًا مع تعزيز الدور الخليجى مجتمعًا مقابل احتفاظ إيران بنفوذها على حزب الله كقوة إقليمية سيتم الاعتراف بها، كقوة سياسية، دون اشتراط كيف سيتم التوافق على الدور السياسى والأمنى والاقتصادى والإدارى لحزب الله.
* ترامب يحذر حزب الله بعد وقف إطلاق النار.. والاحتلال الإسرائيلى يضرب
فى صباح الجمعة، 17 أبريل 2026.. ومع مؤشر الساعة 07:03، ضج المجتمع الدولى بما أعلن عنه الجيش اللبنانى وهو يؤكد انتهاك دولة الاحتلال الإسرائيلى العنصرية اتفاق وقف إطلاق النار.
الجيش اللبنانى قال، فى بيانه، إن إسرائيل انتهكت اتفاق وقف إطلاق النار فى الساعات التالية لدخوله حيز التنفيذ منتصف الليلة الماضية.. وإنه يجدد دعوته المواطنين إلى التريث فى العودة إلى القرى والبلدات الجنوبية التى نزح سكانها، وذلك فى ظل «عدد من الخروقات للاتفاق».
وأكد الجيش تسجيل «عدد من الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى قصف متقطع يطال عددًا من القرى»، رغم اتفاق الهدنة التى من المفترض أن تستمر 10 أيام. كما شددت قيادة الجيش اللبنانى على «ضرورة الالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة حفاظًا على سلامتهم، لا سيما خلال ساعات الليل، وتجنب الاقتراب من المناطق الخطرة».
إلى ذلك، قال مراسل «سكاى نيوز عربية» إن المدفعية الإسرائيلية قصفت مدينة الخيام وبلدة دبين جنوبى لبنان، رغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. كما ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام، الرسمية فى لبنان، أن القصف شمل بلدة بنت جبيل جنوبى لبنان.
.. وكعادته فى الحرب والإبادة والدمار، جيش الاحتلال الإسرائيلى منذ الساعات الأولى من صباح الجمعة أعلن عن استمرار تمركز قواته جنوبى لبنان بعد وقف إطلاق النار. وحث الجيش اللبنانيين على عدم الانتقال إلى جنوب نهر الليطانى، وذلك بعد حركة نزوح كبيرة من جنوب لبنان من جراء الحرب التى استمرت لأسابيع.
* المفارقة المبكية
تجد فى هكذا أحداث سياسية عديد المفارقات المضحكة، وأحيانًا المبكى منها، أشد إيلامًا.. إذ أصدر الرئيس الأمريكى ترامب تحذيرًا لحزب الله بعد وقف إطلاق النار، بث تقريبًا الساعة 04:45، بتوقيت القدس المحتلة.. وقال ترامب، معلقًا على وقف إطلاق النار الذى تم التوصل إليه بين- دولة الاحتلال الإسرائيلى العنصرية- إسرائيل ولبنان لمدة عشرة أيام: «آمل أن يتصرف حزب الله بشكل جيد ومناسب خلال هذه الفترة المهمة. إذا فعلوا ذلك فسيكون ذلك أمرًا رائعًا بالنسبة لهم».
.. الرسالة، بصيغها، جاءت فى رسالة نشرها على منصة التواصل الاجتماعى «تروث»، وهى منصة تواصل اجتماعى سياسى وإعلامى أسسها ترامب: «آمل أن يتصرف حزب الله بشكل جيد وسليم خلال هذه الفترة المهمة».. «لا ينبغى قتل الناس بعد الآن».
وقال فى ذات الرسالة: «إذا فعلوا ذلك فسيكون ذلك رائعًا بالنسبة لهم». وأكد ترامب حاجة المنطقة للسلام، مضيفًا: «لا ينبغى أن يُقتل الناس بعد الآن.. يجب أن نحقق السلام أخيرًا».
* قبل هدنة هشة: مفاوضات واشنطن.. الأسرار والمسار
كنا فى «الدستور» قد نشرنا تفاصيل البيان الذى تمخض عن مفاوضات الاجتماع المباشر فى وزارة الخارجية الأمريكية، وضم لبنان ودولة الاحتلال الإسرائيلى، والولايات المتحدة، وبما ورد فى البيان المشترك للمفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية، وهو يركن إلى ما انتهت إليه مفاوضات العاصمة الباكستانية إسلام آباد، بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وفى الشأن اللبنانى، عسكريًا وأمنيًا، وفى مسألة إعادة الإعمار وحصر وجمع السلاح، كانت العبارات واضحة، أنه تم التوافق على «إطلاق مفاوضات مباشرة فى زمان ومكان يتم الاتفاق عليهما». وهذا يعنى أن البداية كانت جيدة قياسًا إلى ما انتهت إليه الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد.
المثير فى حيثيات البيان، وصف الولايات المتحدة ما جرى بأنه «إنجاز تاريخى»، معربةً عن دعمها لمواصلة المحادثات، وكذلك لخطط الحكومة اللبنانية لاستعادة احتكار السلاح وإنهاء النفوذ الإيرانى المفرط. كما أعربت عن أملها فى أن تتجاوز هذه المحادثات نطاق اتفاق عام 2024، وأن تفضى إلى اتفاق سلام شامل. وأكدت دعمها هذا المسار، جامع الأسرار، إذ يعلن، ويؤكد: حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها فى مواجهة الهجمات المستمرة من حزب الله. وشددت على أن أى اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم بين الحكومتين، برعاية الولايات المتحدة، وليس عبر أى مسار منفصل. كما لفتت إلى أن هذه المفاوضات قد تفتح المجال أمام مساعدات كبيرة لإعادة الإعمار وتعافٍ اقتصادى للبنان، وتوسيع فرص الاستثمار لكلا البلدين.
* «الثنائى الشيعى».. مسار معارض منذ البداية
كل ما يحدث، ما قبل اتفاق الهدنة، وإلى الآن، أن «الثنائى الشيعى» عارض منذ البداية ذهاب الدولة اللبنانية إلى طاولة واجتماعات المفاوضات المباشرة، فى واشنطن، مع عدو لا يزال يدّك البلدات والقرى الجنوبية والبقاعية، ما ورد فى الطرح الإسرائيلى لجهة تأكيدها الالتزام بـ«العمل مع الحكومة اللبنانية لتحقيق نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير الحكومية، وتفكيك البنية التحتية للإرهاب فى لبنان، بما يضمن أمن شعبى البلدين». وما استفز «الثنائى» استعداد إسرائيل «للانخراط فى مفاوضات مباشرة لحل جميع القضايا العالقة والتوصل إلى سلام دائم يعزز الأمن والاستقرار والازدهار فى المنطقة».
.. كان لافتًا أن المحلل السياسى اللبنانى، أندريه قصاص، طرح عدة أسئلة، برهن المستقبل، وهى:
* ١:
هل تشكّل هذه المفاوضات بداية فعلية لمسار سلام، أم مجرد محطة جديدة فى إدارة الصراع؟
* ٢:
هل تريد دولة الاحتلال الإسرائيلى تسوية وحلولًا، أم فرض شروط؟
* ٣:
هل سيكتفى الدور الأمريكى بإدارة الحوار، أم تمارس ضغطًا فعليًا لتحقيق توازن فى الشروط؟، وهل تسعى إلى تسوية متوازنة، أم إلى اتفاق يراعى أولويات حليفتها إسرائيل؟
* «معاريف» تكشف السر
إسرائيل ولبنان، خصوصًا بعد الاجتماع الذى حصل بين سفيرى لبنان وإسرائيل فى واشنطن، الثلاثاء الماضى، كان يحيط به عديد الأسرار.
صحيفة معاريف الإسرائيلية، نشرت تقريرًا موسعًا، يكشف عن بعض أسرار ما يحدث:
* أولًا:
«الحكومة اللبنانية طالبت بإجراء مفاوضات مع إسرائيل»
تقول معاريف إن الحكومة اللبنانية طالبت مؤخرًا وبشكل متكرر بإجراء مفاوضات مع إسرائيل، فى حين أن رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، قال بوضوح إنه لا يوجد وقف لإطلاق النار فى لبنان الذى يعتمدُ على المفاوضات المباشرة لتحقيق الهدف المذكور.
* ثانيا: «مقاطعة الماضى القريب.. وأعلنوا أننا أعداء»
السؤال المطروح مع الهدنة المؤقتة لـ10 أيام، هو: لماذا الآن تحديدًا يطالب اللبنانيون، الذين فرضوا علينا مقاطعة فى الماضى القريب، وأعلنوا مرارًا وتكرارًا عن أننا أعداء، ورفضوا التقاط الصور معنا فى المناسبات الدولية بالخارج، وقاطعونا، وانتقدوا بشدة كل من يؤيد التطبيع مع إسرائيل، بمفاوضات مباشرة؟ الإجابة المختصرة والبسيطة هى: إنهم يريدون وقف إطلاق النار، ويخشون أن تتسع رقعة الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله، وأن تضر بمصالح الدولة، حتى تصل إلى حد انهيارها.
* ثالثا:
«أى مساس بحزب الله سيخدم مصالح المؤسسة اللبنانية»
وفق التقرير الإسرائيلى: «من المهم الإشارة إلى أن الحكومة اللبنانية وأغلبية الشعب اللبنانى لا يكترثون كثيرًا لحزب الله، باستثناء الطائفة الشيعية، وأى مساس بحزب الله سيخدم مصالح المؤسسة اللبنانية وأغلبية الشعب.
معظم جنوب لبنان مدمر بالفعل، والجنوب، الذى أهملته أجيال من الحكومات اللبنانية، ليس ذا أهمية للنخبة اللبنانية.
ومن الأسرار المؤلمة «...» أنه بعد أن بدأت إسرائيل بهدم المبانى فى بيروت، بالإضافة إلى تحذيراتها من مهاجمة مواقع استراتيجية فى كل أنحاء لبنان، وليس فى الجنوب فقط، أدرك القادة اللبنانيون ضرورة التوصل إلى وقف فورى لإطلاق النار. الأمر هذا ليس بدافع حب إسرائيل أو تعاطف مع سكان الشمال، بل خوفًا من اندلاع حرب شاملة ستلحق ضررًا بالغًا بما تبقى من لبنان».
* رابعًا:
«صعوبة استعادة سيادة الدولة»
لبنان، نتيجة الحرب والإسناد لحرب طوفان الأقصى فى السابع من تشرين الأول أكتوبر 2023، تعانى أزمة اجتماعية واقتصادية حادة، وأن الحرب مع جيش الاحتلال الإسرائيلى، تسببت فى دمار واسع النطاق فى جنوب لبنان، وخسائر فادحة، ونزوح جماعى من الجنوب إلى العاصمة وشمالها.
صعوبة استعادة سيادة الدولة، ونزع سلاح حزب الله، أو على الأقل إضعافه، ووقف القتال، وجلب المساعدات الدولية. كذلك، ترى السلطة اللبنانية فى المفاوضات المباشرة فرصة لفصل دولة لبنان عن دولة حزب الله وإنقاذ البلاد من الانهيار. فى المقابل، يعارض حزب الله، بقيادة نعيم قاسم، هذه المفاوضات بشدة، ويصفها بأنها استسلام مُذل، فيما بقى موقفه من الهدنة الصمت، على الأقل خلال الساعات التى ألزمته الصمت.
* خامسًا:
«المفاوضات ستركز على نزع سلاح حزب الله»
تقرير معاريف يضع علامات استفهام: «بينما يؤكد- السفاح- نتنياهو، من الجانب الإسرائيلى، أن المفاوضات ستركز على نزع سلاح حزب الله والتوصل إلى تسوية سلمية تاريخية، وأن إسرائيل لا توافق على وقف إطلاق النار مسبقًا.
يوضح لبنان أن المفاوضات المباشرة تهدف حصرًا إلى تحقيق وقف إطلاق النار، لا أكثر ولا أقل.
وأيضًا، المهم، فى الوقت نفسه، لم يتحدث أحد من الجانب اللبنانى عن التطبيع».
وتابع: «يطالب لبنان بوقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيلى، وتعديل الحدود القائمة، فيما لا تزال هناك 13 أو 14 نقطة خلاف على الحدود البرية، تشمل مزارع شبعا، وجبل دوف، والغجر، وهذه النقاط ليست من الأولويات القصوى حاليًا، ولكن قد تُثار لاحقًا».
* الربيع: نتنياهو يُرضى ترامب ويكسب الوقت
على حبل مشدود سيسير لبنان، إلى الهدنة، شروطها وما بعدها. هذا الحبل يمكنه أن يلتف حول عنق البلد ومواطنيه، ويمكنه أن يتحول إلى شرنقة مليئة بالتعقيدات القابلة لأن تنفجر ما بين الداخل والخارج. خصوصًا بالنظر إلى مذكرة التفاهم التى أعلنتها وزارة الخارجية الأمريكية، وتنص على جملة نقاط، أهمها وأخطرها احتفاظ إسرائيل بحقها القيام بعمليات عسكرية ضد حزب الله، فى حال رصدت أى تحرك من قبل الحزب أو مقاتليه، إضافة إلى مهمة الدولة اللبنانية بسحب سلاح الحزب وحصره فقط بيد أجهزة الدولة الرسمية، كما تنص المذكرة على كبح جماح المجموعات المسلحة غير تابعة للدولة. كما تفتح مذكرة التفاهم الباب أمام مسار سلام بين البلدين، ما يصر عليه دونالد ترامب.
استنادًا لما يراه رئيس تحرير موقع المدن اللبنانى، منير الربيع، الذى أفرد رؤية تؤكد أن الذى يحدث:
أ:
- هو وقف جزئى لإطلاق النار.
ب:
- لا يتضمن انسحابًا إسرائيليًا من الجنوب.
ج:
- تثبيت نقاط سيطرة.
د:
-إضافة إلى كلام السفاح نتنياهو، يعنى هو توسيع الحزام الأمنى وربطه مع المنطقة التى تسيطر عليها إسرائيل فى جنوب سوريا.
هـ:
- التفاهم على كل هذه النقاط، سيكون من خلال مسار تفاوضى مباشر بين لبنان وإسرائيل، وهو ما سيحصل على مسارين:
* الأول:
تشكيل وفد التفاوض لبدء المفاوضات فى ظل الهدنة.
* ثانيًا:
كشف الرئيس الأمريكى ترامب عن توجيه دعوة لرئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس حكومة اليمين المتطرف التوراتى الإسرائيلية، السفاح نتنياهو لزيارته فى البيت الأبيض وعقد لقاء، وهذا أيضًا ستكون له محاذير كبيرة.
.. وحول ذلك، يرسم الربيع قراءته التى تعتمد على أن: ترجمة لمسار سعى الأميركيين إلى فرضه، وتداخلت فيه عناصر إقليمية ودولية عديدة، بدءًا من وقف النار فى إيران، وصولًا إلى المساعى السعودية بحثًا عن وقف لإطلاق النار فى لبنان. بينما ذهب الأمريكيون بعيدًا، وباستعجال إلى الدفع باتجاه تواصل مباشر بين عون ونتنياهو، كانت واشنطن تسعى إليه من خلال تواصل هاتفى للإعلان عن الهدنة، وهو ما رفضه عون. وكان ترامب قد أعلن عبر تغريدة على وسائل التواصل الاجتماعى عن اتصال مرتقب بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو. وقع الخبر كالصاعقة على اللبنانيين وعلى عون أيضًا الذى لم يوافق وبقى مصرًا على المطالبة بوقف إطلاق النار. هذه الفكرة الأمريكية قديمة، وقد نصح بها سابقًا توم باراك، وكررها أكثر من مرة السفير ميشال عيسى، وهى أن معالجة «المشكلة بين لبنان وإسرائيل يمكن أن تحصل من خلال اتصال بين عون ونتنياهو وأنه يجب عليهما التحدث سويًا». هذا ما أصر عليه الأمريكيون ورفضه لبنان، بينما حصل الاتصال بين روبيو وعون، وحصلت ترتيبات لإجراء اتصال هاتفى بين الرئيس الأمريكى ترامب وعون الذى طالب بالحصول على وقف للنار، وتلقى وعدًا بذلك، وقد أبلغ ترامب عون بأنه يعمل على الوصول إلى وقف إطلاق النار، فتمنى عون أن يكون سريعًا وشكره على الجهود التى تبذلها الولايات المتحدة الأمريكية. ووفق مصادر متابعة، فإن التركيز انصب على الوصول إلى وقف النار خلال ساعات، وطلب لبنان ضمانات بشأن ذلك.
* قد يكون فى الأمر التباس وكشف أسرار.. كيف؟!
ليل الأربعاء الماضى، وفق ما يكشف رئيس تحرير المدن اللبنانى، وفيما كان الكابينيت الأمنى الإسرائيلى مجتمعًا للبحث فى وقف إطلاق النار، وسط انقسام حاد بين الوزراء، خصوصًا أن غالبية الأعضاء رفضت وقف النار، كان ترامب يجتمع مع وزير الخارجية ماركو روبيو وسفير أمريكا فى لبنان ميشال عيسى. فى اللقاء جرى البحث فى أن يتم ترتيب اتصال بين نتنياهو وعون، مقابل السعى الأمريكى للوصول إلى وقف لإطلاق النار. تبلغت السفيرة اللبنانية بالأمر، فنقلت الرسالة إلى بعبدا، لكن عون لم يوافق.
وصلت المعلومات وأصداء الاجتماع إلى مسئولين آخرين فى الدولة اللبنانية. وبينما كان لبنان ينتظر نتيجة الاتصالات الأمريكية مع إسرائيل لوقف النار، كانت المعلومات التى يتم نقلها إلى بيروت تتحدث عن وقف جزئى للنار، مع ضمانات بعدم استهداف بيروت أو الضاحية الجنوبية، ووقف الغارات الجوية إلا فى مناطق جنوب الليطانى والمناطق التى يطلق منها حزب الله الصواريخ.
.. ولأن المسائل، لها حساسية خاصة، قد يكون فى الأمر خطوة فى الفراغ وكشف أسرار.. كيف؟!
* 1:
شدد لبنان فى مطالبه على ضرورة إعلان وقف النار بشكل كامل، وهو ما لم يعلنه السفاح نتنياهو، بسبب الخلافات الداخلية التى شهدتها جلسة الكابينت.
* 2:
كان الجزء الآخر من الصورة التى يريد نتنياهو أن يحصل عليها بعد صورة لقاء السفيرين فى واشنطن، هو الاتصال الذى يفترض أن يجريه مع رئيس الجمهورية جوزيف عون لإعلان وقف النار.
* 3:
كثف الأمريكيون من ضغوطهم لحصول الاتصال بين عون ونتنياهو، حصلت مشاورات فى الداخل اللبنانى، حول كيفية توحيد الموقف لتفادى ذلك، خصوصًا أن «الدم لم يبرد بعد»، وأن لبنان كان موعودًا بوقف النار بعد اجتماع السفراء، وهو لم يحصل، لذلك فإن أى خطوة أخرى على خط المفاوضات يفترض أن يسبقها إعلان وقف النار.
* 4:
أبلغ الرئيس اللبنانى عون السفيرة اللبنانية فى أمريكا، رفضه التواصل مع نتنياهو، وطلب تثبيت الاتصال مع روبيو.
ووفق مصادر بعبدا فإنه كان اتصالًا إيجابيًا وقد شدد فيه عون على المطالبة بوقف النار، وأكد تعويل لبنان على المساعى الأمريكية لتحقيق ذلك، وأن المفاوضات يمكن أن تنطلق بعد حصول وقف النار.
* 5:
دبلوماسية العمل تعتمد على وقف إطلاق النار، ارتبط أمريكيًا بمساع تتصل بالإشارة إلى فصل لبنان عن إيران، وبنتيجة مباحثات لبنانية- أمريكية مشتركة، لا سيما فى ظل استمرار الوساطات بين إيران وأمريكا لتمديد وقف النار بينهما، علمًا بأن المعلومات من إيران تشير إلى وجود خلافات كثيرة، أبرزها عدم التوافق على مصير اليورانيوم العالى التخصيب، بسبب رفض إيران إخراجه إلى الخارج، كما هى تتمسك بمواصلة التخصيب، إضافة إلى الخلاف على مسألة الإفراج عن الأموال المجمدة، وإصرار طهران على دعم حلفائها فى المنطقة.
* 6:
غالبًا،و فق سياسة اليمين الإسرائيلى الصهيونى المتطرف، أصر الإسرائيليون على فرض منطقة عازلة واستمرار احتلالهم للمناطق التى وصلوا إليها فى جنوب الليطانى، واستمرار عزل تلك المنطقة عن لبنان، وهو ما ترجموه فى عملية استهداف جسر القاسمية، وهو الجسر الأخير الذى يربط منطقة جنوب الليطانى بلبنان ككل. تركزت النقاشات أيضًا حول مصير الأهالى، فى ظل رفض إسرائيل عودتهم فى حال وقف النار، مع سعيها لفرض رقابة مشددة على أى تحرك باتجاه مناطق وقف النار كى لا يعمل حزب الله على إدخال عناصر جديدة إلى هناك. فى التعليق على هذه المعطيات، قال مسئولون لبنانيون إن نتنياهو يسعى إلى كسب المزيد من الوقت ليظهر كأنه حقق انجازًا من خلال السيطرة على بنت جبيل، والحديث عن فرض منطقة عازلة تبلغ حدودها حتى نهر الليطانى. وبعدها يريد الإسرائيليون العمل على وضع آلية واضحة مع الدولة اللبنانية حول كيفية العمل لسحب سلاح حزب الله، مقابل وضع جدولة للانسحاب، كما أن لبنان يتمسك برفض المنطقة العازلة ويتمسك بالانسحاب الإسرائيلى الكامل، وهذا ما لن يقبل به الإسرائيلى إلا بتطبيق شروطه وشروط الأمريكيين حول سحب السلاح والدخول باتفاقات أمنية وسياسية بعيدة المدى، وهذا ما قد يهدم سياق كل المفاوضات من اسلام آباد، إلى واشنطن، وربما الحقها قبرص، وفق المعطيات..
.. إنها هدنة، لأيام، أحدث فيها السفاح، هتلر الألفية الثالثة نتنياهو، شهوة الإبادة الجماعية والتهجير ومحاولات تصفية كل القضايا والحقوق، والاعمار.
لهذا، وأمام كل دول العالم والوسطاء، تحديدًا مصر والأردن، والخليج العربى، الرئيس عون ناشد المجتمع الدولى: لبنان يحتاج لمساعدات عاجلة.
بينما، الأفق الجيوسياسى يرسمها، مفاوضات واشنطن، بهدف كشف رهانات الاحتلال، ومنها رهان فصل حزب الله عن ملالى طهران- إيران.
* هناك فى الذاكرة
فتحت انطلاقة المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية، فى العاصمة الأمريكية واشنطن، بشكل مباشر، بين البلدين الجارين العدوين. لتعود إلى الذاكرة البشرية، التى تقول لنا، إنها ليست المرة الأولى التى تحدث بين البلدين.
فى الذاكرة ست جولات تفاوض، منها مفاوضات الهدنة 1949، ثم مفاوضات 17 آيار 1983، والمفاوضات العسكرية فى الناقورة التى لم تفض إلى نتيجة 1984، ثم المفاوضات التى سبقت تفاهم نيسان برعاية أمريكية- فرنسية- سورية، وقد أنتجت ما عرف بـ«تفاهم نيسان». ثم مفاوضات ترسيم الحدود البحرية وتوقيع التفاهم فى تشرين الأول/ أكتوبر 2022. تلته المفاوضات التى أسفرت عام 2023 عن تفاهم وقف الأعمال العدائية فى 27 تشرين الثانى/ نوفمبر 2024.
فى حالة لبنان، وهى صعبة، تعيش وأزماتها وحروب الوكالة، والتهجير والتعتير «وفق المصطلح الشعبى اللبنانى»، أن براجماتية المصالح، قديمها وجديدها، عدا عن الحالية، بدأت تتفوق على الخلافات بكل نفرداتها السياسية الأيديولوجية، التقليدية.. وهى اليوم مدفوعة بضرورة نظرات إلى جيوسياسية المنطقة، وبوصل المجتمع الدولى والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى، وارتباط ذلك معطيات الأمن القومى العربى، والوطنى، والتنسيق المهم فى ذلك يأتى من العمل القومى المشترك بين الأردن ومصر ودول الخليج العربى، وتوافقات المجتمع الدولى.. المؤكد بوجود القرين الأمريكى.