الغد-صبحي فحماوي
في روايتها الأولى، الصادرة عن دار خطوط للنشر والتوزيع، تقدم الدكتورة ليندا عبيد سردًا يمكن وصفه بأنه مسح فني واجتماعي للمجتمع الأردني؛ إذ تتنقل بين الحواري والأزقة القروية والمدينية، وبين حكاية عاشقين سعيدين، ومشاعر امرأة محرومة ومعذبة بنصيبها الزوجي، وشاب جامعي ذكي يجد نفسه مظلومًا في السجن.
وتتنقل الرواية، بسلاسة لافتة، بين مجتمع الفقراء ومجتمع الأغنياء، وبين ثراء باذخ وجوع مقفر. ولا تقدم الكاتبة هذين العالمين منفصلين، بل ترسمهما متشابكين ومتداخلين، متقاربين حينًا ومتنافرين حينًا آخر؛ وكأنها تحمل عدسة تصوير وتركض بها بين مجتمعين متناقضين، فتشرح عذابات الفقراء وتسرد أحوال الأغنياء.
ومعظمنا يعرف أن ليندا عبيد اشتهرت في نصوصها القصيرة برسم الفوضى والرعب والقرف والاشمئزاز، إلى جانب الحب والعشق والتضاد والجماليات، وهي عناصر اعتدنا أن نقرأها في كتاباتها بشغف.
لكن أكثر ما أدهشني في قراءة "ماريونيت"، هو كثافة الانزياحات اللغوية فيها؛ أي خروج اللغة عن مألوفها، بهدف خلق صورة فنية جديدة، ومنح النص خصوصيته وتوهجه. ولعل الرواية، بما تتيحه من مساحة للخيال، من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على توظيف الانزياح، لأنه يتيح للكاتب أن يعيد تشكيل الواقع، وأن يجعلنا نرى الأشياء في هيئة لم نعتدها.
فالإنسان قد يتحول إلى خيط، والعين إلى غيمة سماوية، والحجر إلى كائن يتألم، والخلاط إلى مخلوق يصاب بالدوار والصداع. هنا لا تعود اللغة مجرد أداة لوصف الواقع، بل تصبح وسيلة لإعادة خلقه؛ تثقب سطح الأشياء لتكشف ما وراءها من مشاعر وأحاسيس، وقد تجعل الجماد يتكلم ويشارك الإنسان معاناته.
كتبت لي الدكتورة ليندا عبيد على صدر الرواية إهداءً تقول فيه: "إن الحياة مسرح دمى"، وأضافت: "ولدتُ ماريونيت إليك، علّك تجد بها ما يشبهك ويشبهنا".
وهي لم تقل إن الحياة "مسرح كبير"، كما في العبارة الشكسبيرية الشائعة، بل جعلتها مسرح دمى. و"الماريونيت"، دمية متحركة تُحرَّك من أعلى أو من الخلف بواسطة خيوط أو أسلاك أو قضبان، يمسك بها "محرك الدمى". وهنا يبرز السؤال الذي يرافق الرواية: من الذين يمسكون بخيوطنا نحن الدمى، ويحركوننا كما يشاؤون؟
وقد استدعتني هذه الفكرة إلى تذكر مسرحية "بيت الدمية"، لهنريك إبسن، ولا سيما شخصية نورا فيها، فضلًا عن تشابه اسم "ليندا" بين عالم الرواية وعالم المسرحية. لكنني لا أريد أن أحمّل الرواية أكثر مما تحتمل؛ فلنبقَ في "ماريونيت"، ولننظر إلى عالمها الخاص.
في هذا العالم، كان الناس يكدحون، رجالًا ونساءً، أما في "ما بعد العولمة" فقد صاروا، بحسب رؤية الساردة، دمى تحرك خيوطها سلطة رأس المال، الذي استولى على المجتمع وفرض منطقه على تفاصيل الحياة.
ومنذ الصفحات الأولى، تستوقفنا صورة ماري أنطوانيت: "وحدها ماري أنطوانيت كانت مشنوقة بزنار ثوبها في مدينة باردة بعيدة". صورة تختصر، بالنسبة إليّ، حكمًا على عالم الثراء المفرط، وتفتح بابًا للتساؤل: هل تستحضر الرواية زمن لويس السادس عشر وماري أنطوانيت بما يحمله من تناقضات اجتماعية أدت إلى تغيير مجرى التاريخ، أم أنها تستحضر عصرًا معاصرًا تحكمه سطوة رأس المال؟
ماريونيت امرأة سمراء البشرة، تبدو فلاحة أو ابنة بيئة شعبية، تعمل موظفة في طبقة تبدو غريبة عن ثراء عمّان. يصادف أن يختارها مديرها لتمثيل الشركة في حفل يقام داخل فندق من فنادق الخمسة نجوم. ولم يسبق لها أن دخلت فندقًا فخمًا كهذا.
تُدهشها قاعة الفندق وثرياته المتوهجة، ثم يدفعها فضولها إلى التجول في أرجائه، والتعرف إلى بركة السباحة وإلى روادها المترفين.
وهنا تكمن إحدى جماليات الرواية: أنها تنقلنا بسرعة من مجتمع فقير يعيش في بيوت مسقوفة بالزينكو، إلى عبدون ودير غبار ودابوق، عبر مجموعة من الرواة والأصوات. وهذا التعدد في الأصوات يتيح لنا رؤية المجتمع من زوايا متعددة، بدل أن نبقى أسرى راوٍ واحد مهيمن.
وهكذا يختلط عالمان مختلفان في المظهر والمخبر، وتفتح الرواية نفقًا تخييليا بينهما، فتجعل الحابل يختلط بالنابل، وتضع الفقير والغني في فضاء سردي واحد.
أما أنا فسأتفرغ للاندهاش بالانزياحات اللغوية التي تزخر بها الرواية.
في الصفحة السادسة عشرة، تقول الساردة عن فتاة صغيرة تُعِدّها نساء الحارة لعرس الليلة: "النساء يعددن عجينة السكر ويتناوبن على سلخ جلدي مرة بعد مرة".
النساء هنا يقصدن تجميل العروس وإزالة الشعر، لكن العروس تشعر بأنهن يتناوبن على سلخ جلدها. هنا ينتقل التعبير من مشهد تجميلي مألوف إلى إحساس بالعذاب. الانزياح ليس في الصورة وحدها، بل في المشاعر أيضًا: فرحة النساء بالتجميل تقابلها معاناة العروس، التي ترى ما يحدث لجسدها وكأنه عملية سلخ متكررة.
ثم يأتي العريس الذي ينتظر اكتمال طقوس الزفاف، فتستخدم الساردة لغة النصر والمعركة لتصوير العلاقة الزوجية. وهنا تتولد مفارقة بين لغة الحب والزواج من جهة، ولغة الصراع والانتصار من جهة أخرى.
لا تقلي الشمس أجساد الناس وحدهم، بل تصل إلى أجساد الأرصفة. وهنا تؤنسن الساردة الرصيف، فتجعله كائنًا له جسد يتلقى حرارة الشمس. إنها لا تصف الحر فحسب، بل تنقل إلينا إحساسه، وتجعل الحجر شريكًا في معاناة الإنسان الذي يكدح تحت الشمس.
وهذا أحد أجمل وجوه الانزياح في الرواية: أن يتجاوز الإحساس الإنسان ليصل إلى الجماد.
وفي الصفحتين التاسعة عشرة والعشرين، تقول الساردة: "خلّاط العصير يدور بسأم.. الرجل يحدق بالخلاط.. والعصير الزهري يدور ويدور.. العصير في الخلاط مصاب بالدوار.. والخلاط يغفو بعد أن ارتاح قليلًا من صداعه المزمن".
هنا ندخل عالمًا آخر من الانزياح. كيف عرفت الساردة أن الخلاط يشعر بالسأم؟ وكيف عرفت أنه مصاب بالدوار والصداع؟
إنها ببساطة تؤنسن الآلة، وتنقل إليها مشاعر الإنسان. فالخلاط يدور، والعصير يدور معه، حتى يصبح الدوران حالة نفسية لا حركة ميكانيكية. ولأن الدوار في حياتنا ليس مجرد حركة جسدية، بل يمكن أن يكون حالة اجتماعية ونفسية، يصبح الخلاط صورة مصغرة عن مجتمع مرتبك، يدور في مكانه ويخلط الأشياء ويخربطها.
وهنا تتسع دلالة الانزياح: فالناس يشعرون بالدوار، والحجارة تشعر بالحر، والخلاط يشعر بالسأم والصداع. كأن المعاناة لم تعد حكرا على الإنسان، وإنما امتدت إلى الأشياء من حوله.
وتقول الساردة أيضًا: "هل تعلمين أن أثرياءً في هذه المدينة يحتكرون فرنسا، ويصطحبونها معهم أينما ذهبوا.. الثياب فرنسية، والعطور فرنسية، ومجلات الموضة فرنسية، وتعليمات الإتيكيت فرنسية.. حتى المياه يا ليندا، مياهنا التي تصل إلى صنابير بيوتنا فنشربها ونغسل بها أصبحت فرنسية".
إنها صورة ساخرة للمجتمع الطبقي، تجعل "فرنسا"، نفسها شيئًا محمولًا ومستهلكًا، لا بلدًا فحسب. ويأتي التهكم ليكشف الفارق بين عالم يملك كل شيء وعالم يكافح من أجل الضروري.
وفي الصفحة 108 تقول الساردة: "لديّ أب بعينين حزينتين، وقميص مقلم يتسع لأحشر رأسي بين خيوطه وأختبئ".
هنا يبلغ الانزياح درجة شديدة الخصوصية. فالحب الأبوي يجعل الابنة تتضاءل في مخيلتها إلى الحد الذي تستطيع معه أن تحشر رأسها بين خيوط قميص أبيها. إنها لا تدخل قلبه مجازًا، كما جرت العادة في لغة المحبة، بل تدخل بين خيوط قميصه، وكأن جسدها يتحول إلى زغب دقيق أو خيط رفيع.
هذا الانزياح يحول الحب إلى فعل جسدي متخيل، ويجعل الابنة تتضاءل أمام عظمة الأب ومكانته في وجدانها.
ثم تقول: "ينظر إليّ بعينين غائمتين"، فتنزاح العينان الزرقاوان عن صورتهما الواقعية، لتصبحا سماء زرقاء غائمة. إنها صورة تجمع بين اللون والحالة النفسية، فتحول العين إلى فضاء.
وفي الصفحة 112 تقول: "والمدينة امرأة جميلة كاملة الفتنة". هنا تتحول المدينة إلى امرأة، وتتحول الأمكنة إلى جسد حي. إنها تقنية متكررة في الرواية: أنسنة المكان والجماد، وتحويل المشاعر إلى صور محسوسة.
وتتواصل هذه الانزياحات في الصفحتين 115 و116، حيث تقول الساردة: "تعبر السيارة الطرقات، تجر أقدامها بصعوبة، بينما تنظر الطرقات إليهن بحزن ودهشة". فالسيارة تجر أقدامها، والطرقات تنظر وتحزن وتندهش.
ثم تقول: "العتمة عنكبوت أسود كبير يطل من وراء النافذة". وتقول أيضًا: "عمّان امرأة فاتنة.. تقف جبالها السبعة بشموخ مارد ضخم.. يتمايل الشجر، والعشب يتلصص على حكايا الطريق".
هنا تتكامل منظومة الانزياح: العتمة تصبح عنكبوتًا، وعمّان امرأة، والجبال ماردًا، والشجر يتمايل، والعشب يتلصص. وهكذا تتحول الطبيعة كلها إلى كائنات حية تشارك الشخصيات حركتها ومشاعرها.
ولعل هذا هو سر جاذبية "ماريونيت": أنها لا تكتفي بأن تحكي لنا ما يحدث، بل تجعلنا نراه بطريقة أخرى. فالطريق لا يبقى طريقًا، والحجر لا يبقى حجرًا، والعين لا تبقى عينًا، والخلاط لا يبقى آلة، والمدينة لا تبقى مكانًا.
- كل شيء في الرواية قابل للتحول.
وهذا هو جوهر الانزياح اللغوي: أن تنقل الكلمة الشيء من صورته المألوفة إلى صورة جديدة، لا لتزيين العبارة فقط، وإنما لتوسيع قدرتنا على الإحساس بها وفهمها.
لقد جعلت ليندا عبيد من اللغة خيوطًا تحرك دمى الرواية، وربما جعلتنا نحن القراء دمى أيضا؛ نتحرك مع السرد من الحارة الفقيرة إلى الفندق الفخم، ومن الأرصفة الساخنة إلى عمّان الفاتنة، ومن الإنسان إلى الحجر، ومن الواقع إلى الخيال، ثم نعود في النهاية إلى الواقع نفسه، لكن بعد أن نراه بعين مختلفة. وهنا تكمن قيمة هذه الرواية: أنها تجعل الانزياح اللغوي وسيلة لاكتشاف الواقع، لا للهروب منه.