عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Feb-2026

أنسنة الخريطة بين تراب الذاكرة وماء السرد في رواية «تراب ومزنة»

 الدستور-د. شذى فاعور

 
كنت قد شاركت في حفل إشهار رواية (تراب ومزنة) للكاتب الأردني رائد سمّور، وكان لي قراءة نقدية تشريحية لحقيقة ماثلة وبائنة في تلك الرواية؛ ففضلا عن كونها شكّلت إشكالية تجنيسية فقد كانت تحديا لي بمعرفة الجانب الذي تتمثله تلك الرواية ويبرز فيها، وقد كان هذا الجانب هو ارتباك المكان الجغرافي وأنسنته. فلو أتينا للمصدر من أنسن فهو (الأنسنة)، وهي مشتقة من الإنسان، حواسه ومشاعره وآرائه، وهذا ما رمى إليه سمور في الرواية، فالإنسان من طين، والتراب له لسان نرى الإنسان فيه من خلاله، والماء هو حياة الإنسان وسرّ الأنسنة الجغرافية.
 
وتعدّ الأنسنة طريقة للانعكاس ومرآوية الجسد البشري، وتخلق فرصا للتآلف البصري والعاطفي والإنساني بين محاور الكون وأجزاء النظام الكوني والبيئي، فالإنسان هو ابن التربة وابن الطين، وجسده هو جسد الكون برمّته. وقد لاحظت ذلك في رواية (تراب ومزنة) لرائد سمّور، حيث استخدم ما يسمى بالوظيفة الإيهامية - وفقا للطيف زيتوني في معجم مصطلحات نقد الرواية - وتلك الوظيفة التي يتداخل بها العالَمان: الداخلي والخارجي، ففي الأنسنة يتماهى الحقيقي مع المتخيل وهذا ما فعله سمّور.
 
ومما لا شكّ فيه بأنّ رائد سمّور أراد من الأنسنة خوض حلول جسدي فلسفي داخل جسد الأرض وداخل حدود الوطن وترابه ومحافظاته، لقد جعل من كل مكان في الأردن إنسانا أو جسدا بعيدا عن طبيعته الفيزيائية وخصائصه النفسية، لقد عبّرت تلك الأماكن عن كلمات وتوقيعات نفسية إسقاطية من سمّور إلى جسد المكان، وأصبحت رواية سمّور لوحة مشبعة بالتفاعل والحركية.
 
 تحوّلت الخريطة في السرد عند سمّور من كونها تمثيلًا مكانيًا جامدًا وحيّزا جغرافيا باهت الألوان، إلى كائن حيّ نابض مشبع بمعنى التراب الإنساني، وتُمنَحُ فيها الأماكن صفات إنسانية تُعيد تشكيل علاقتها بالذاكرة والهُوية؛ فالتراب أو تراب الذاكرة يحيل إلى رسوخ التجربة الإنسانية وطبقاتها الزمنية وجدولتها الدماغية في اللاوعي، بينما ماء السرد الداخلي يرمز إلى السيولة في الحدث والحركة الديناميكية وإعادة التشكيل عبر الحكي.
 
 عكس سمّور تجربته الإنسانية على المكان الجغرافي، وقد تبادر السؤال في ذهني: كيف منح سمّور الخريطة صوته وذاكرته وجرحه؟، وكانت الإجابات تأتي متلاحقة من مجموعة توقيعات له في جسد الرواية، فقد جاء فيها قوله: (الوطن ليس مكانا نعود إليه بل جرحا نمشي به)، وأضاف في موضع آخر: (الوطن ليس ما نملكه ولا ما نفقده بل ما لا نستطيع نسيانه)، حيث تحوّل المكان إلى شاهد وفاعل سردي حقيقي في أنسنة الذاكرة المكانية. ومن أبرز العبارات التي تمثّل حضور الذاكرة الإنسانية في جسد المكان قوله واصفا وادي عربة: (وادي عربة ليس منفى لكنه يشبه ما يراه الإنسان حين يغمض عينية طويلا ولا يجد إلا صوته في الداخل هنا لا أحد يرافقك إلا أنت: وأخطر ما فيك)، ويصف عمان ويقول:(كيف لمدينة أنْ تضم كل هذا الشتات ثم تنام كل ليلة وكأنّها لم تتعب).
 
 وإذا أتينا لمفهوم التراب، فنحن بالضرورة نستحضر مفاهيم الترسّب والأثر والأطلال والبقاء والرسوخ والشقوق والانهيارات؛ فالذاكرة الإنسانية هي طبقات ترابية تشبه الأرض والمكان، أو فلنقلْ بأنّ المكان يشبهها بطبقات الحفر في الماضي والنبش باستعادة الذكريات ومحاولة طمس الحاضر. حيث يتبين لنا هذا المفهوم من خلال قول سمّور:(لأنّ ثمّة جروحا لا تشفى إلا بالسير، وثمّة أمكنة لا تحبك إلا إذا خذلتك المدن)، وعن مفهوم العبور فوق التراب وفي جسد الطبقات يضيف سمّور: (كل الأماكن تبدأ بلا اسم إلى أن نعبرها). ويضيف في موضع آخر:(كأنّ الأرض تحفظ صوتا لم يُنس حتى لو لم يعدْ أحد ينصت إليه). وعن حضور التجسيد الإنساني في شقوق الروح وتراب الذاكرة، يصف سمّور مجموعة من الأماكن فيقول: (لم يكن المخيم طريقا ولا قرية على الخريطة بل شقّ في الذاكرة انفتحت فيه الأرض لتقول: لن أبتلعكم لكنني لن أعدكم بشيء)، ويصف الحسا فيقول: (الحسا ليست مكانا بل شقّا في الروح).
 
 أما عن علاقة الماء بالتجسيد؛ فهو القوة المائعة والسائلة التي تُجري الحياة في جسد المكان، فهو التشكيل والجمال وإعادة رسم الملامح والحدود المكانية والجغرافية، وأستحضر هنا القوة التجسيدية المائية في وصفه لمجموعة من الوديان والبحيرات والسيول، فهو يصف سيل الزرقاء فيقول: (الماء هنا لا يلمع ولا يهمس كأنّه قصيدة بل ينساب كجثة تتظاهر بالحياة). وعن وادي الحسا يقول: (الوادي ليس عميقا فقط بل عارٍ كأنّ الجلد انحسر فجأة وكشف عن هشاشة لا تراها العين). ويضيف: (في الأزرق حتى الينابيع تصاب بالخذلان)، ويأتينا وصف وادي الموجب فيقول: (الجميل أن لا ترى الماء لكن الأجمل أن تعرف أنّه لم يتوقف حتى إن لم يصلك صوته). وعن مطل وادي الموجب يقول: (هل هذا صدع جيولوجي أم جرح قديم لم يلتئم بعد؟).
 
 استخدم سمّور في سبيل التجسيد المائي تقنيات زمانية تمثّل التسارع والتباطؤ الزمني مثل: التناوب الزمني والقفز الزمني والانتظار الزمني النفسي، فقد استحضرتُ أمثلة على ذلك من خلال قول سمّور: (لكنّ تراب شعر أنّ الأرض نفسها كانت تتقلب كأنّ الزمن يوشك أن يخرج من رقاد طويل ليرى من يزوره)، ويصف المسرح الروماني بأم قيس : (أو كأنّ المكان تعب من الانتظار)، وعن الرمثا يقول: (لأنّ المدينة تعلم أنّ المستقبل هنا ليس موعدا بل تحدّ للبقاء)، وأجمل المشاهد الوصفية التجسيدية المائية عند قوله:(الطريق بين الحرانة وعمرة بدا أقصر من الزمن كأنّهما أخوان ضالان أحدهما حمل الحجر والآخر اختار الحلم)، وعن أمّ الجمال يقول: (ربما لأنّ مدنا كهذه لا تموت بل تتحول إلى أرواح حجرية تهمس للمارين: كنا هنا وأنتم تأخرتم كثيرا)، وحضر التجسيد المائي في مطلع حديثه عن مدينة السلط بتقنية الوجود الزمني أو الغموض الزمني أو عدم الحاجة إلى الزمن من أصله، حيث يقول عن السلط :(بل تظهر وجهها تدريجيا كما تفعل أمّ تعرف أنّ الحنان يحتاج الى زمن) و يضيف: (السلط لا تعلق الزمن على الجدران بل تخففه في الشاي والضحكة وفي السقف الذي لا يرمم إلا عند الحاجة). إذن فقد اشتغل سمّور في التراب والماء على فكرة الجسد الإنساني بين الثبات والتحول، وربطه بحقيقة الارتباك الجغرافي وأنسنة الخريطة.
 
استدعى سمّور كذلك لغة الحواس في العناصر الطبيعية والجمادات؛ ليساهم في تكثيف الدلالة والرمزية والمزيد من الإسقاطات المؤنسنة، وكأنّ ذاته العاقلة تحولت وتماهت مع اللاعاقل وتركت وظيفتها الحيوية البيولوجية إلى وظائف سردية تشويقية. فرائد سمّور لم يكتف باستدعاء الحواس بل اشتغل على استعارة أخرى مركزية وهي أنسنة الخريطة. ومن الأمثلة على استدعاء الحواس قوله عن جرش: (بل تشبه من تدّعي النوم كي تنصت لما يقال عنها)، وعن إربد: (لاتحاول أن تقنعك هي تمشي بجانبك ثم تترك لك القرار)، وبين الثبات والظهور والتخفي والإسقاطات الإنسانية يذكر سمّور مجموعة من الأماكن مثل: أم قيس حيث يقول عنها: (أم قيس تقف هنا، لا لتبكي بل لتثبت أن البكاء لا يكفي) وعن الرمثا يقول: (أحيانا أشعر أنّ هذه المدينة تكتب مذكراتها لكنّها تخفي الصفحة الأخيرة). وعن الكرك يقول: (إلى مدينة لا تنام، لكنها تحلم كما لو أنّها جرحت وهي مستيقظة). ومن أفعال الأنسنة السردية في عبارات رائد سمّور:
 
* فعل الوقوف أثناء النوم هو الثبات الإنساني الإعجازي وعدم القدرة على النسيان فعن لطفيلة قال: (فقط مدينة تنام واقفة).
 
* فعل الاختباء وهو سردية تكشف سريّة ذلك المكان وغموض إنسانيته في حديثه عن أذرح: (المدينة التي اختبأت من التاريخ ولم تعاقب).
 
* فعل الإنجاب يستحضر بالضرورة معه نتيجة مُرضية بعد تعب وجهد في عملية الولادة، وتمهّد كذلك لحضور آلية التربية الحقيقية، حين قال: (الحميمة أنجبت دولة لكنّها لم ترب على الغطرسة).
 
* فعل الجمال والاهتمام بالشكليات، وهي أفعال إنسانية أنثوية، وهي تجسيد لجسد امرأة تهتم بجمالها لكنها تخفي أحزانها ونجاتها من مشكلاتها، وفي إشارة منه إلى أن مدينة الزرقاء جميلة لكنها تنجو من مشكلات الحياة البيئية والاجتماعية، ففي حديثه عن الزرقاء: (الزرقاء مدينة لو خلق الجمال فيها لشك بنفسه، لكنّها أجمل مما تظهر لأنّها نجت وهذا بحد ذاته معجزة).
 
* فعل الارتداء وهو فعل إنساني يكشف حالة الفرح والانتشاء الإنساني الجمالي ففي وصفه مدينة الفحيص يقول: (الفحيص لا تخبئ طفولتها بل تلبسها أمام الجميع كأنّها وسام).
 
* فعل الحديث والتذكر، وهما سمتان إنسانيتان حواريتان تعكسان مرآوية الحدث وتدمجان المتلقي في واقع المشهدية، فحسب وصفه: (الآن إلى الطفيلة حيث تبدأ الجبال بالحديث، قالت مزنة وحيث تبدأ الشجرة بالتذكر)
 
* فعل الصراخ الإنساني يفيد البوح من مصادر الطبيعة بفعل إنساني متكرر، والمفارقة بأن البوح حمل بوحا جغرافيا شفيفا: (حيث الموجب يفتح فمه على هاوية، كأنّه يصرخ بما لم يقال في كتب الجغرافيا).
 
* فعل الرسم، وهو إعادة تشكيل الحدود وفقا لبرمجة أنسنية تجسيدية، فقد وصف سموّر مأدبا: (المدينة التي رسمت فلسطين على أرض كنيسة).
 
* فعل الاحتضان وهو فعل تجسيدي حميمي مقارب للتجربة الإنسانية الحقيقية، دافئ حتى في حرفه وتشكيل استعارته، فعندما تدخل الأغوار: (هنا الأرض لا ترتفع لتراك بل تنخفض كي تحتضنك).
 
* فعل المشي والسير عمّان في معرض حديثه عن عمّان: (هذه مدينة لها ساقان تمشي كل واحدة منهما في اتجاه لا يعرف الآخر)، ولكن المفارقة والصدمة كانت باستعارية غريبة بأنسنة عمّان بقدمين لكنهما قدمان أعوجان وبذلك أصبحت عمان شخصا يمشي بقدمين متعاكستين وهما عمان الشرقية والغربية، ويجعلان عمان لا تمشي باتزان. وبهذا يُسقط سمّور حالتي الاختلاف بينهما في أنسنة متفردة من نوعها.
 
 وفضلا عن ذلك فقد استدعى سمّور إنسانية العناصر البيئية الطبيعية أو الجمادات الخاملة ومنها:
 
* حجارة البتراء حين قال: (الحجر هنا لا يصيح لايزهو لكنّه يعلمنا كيف نصمت باحترام). وذلك لنقل المشاركة والإحساس والحلول الإنساني في الحجر وجعله ينطق.
 
* وبين الصمت والكلام جاءت الأنسنة لتخدم التفاعل الإنساني الحقيقي، حين تحدث عن الشجر في عجلون: (الأشجار ليست مجرد خلفية هي شخصيات صامتة تحرس السر). و: (هذه الشجرة تشبه شخصا سُئل كثيرا عن حاله فأجاب دائما : بخير رغم أنه انكسر منذ زمن).
 
* كان غرض الأنسنة المواساة الروحية الإنسانية والدخول إلى عمق الفعل الإنساني اللاواعي. حين تحدث عن الغيم: (الغيم يمشي فوق الجليل، كأنّه يواسي أرضا لا ترى إلا حين تشتاقها روحك). تحدث سمّور عن المآذن في قصر القسطل: (هناك مآذن لاتسمع لكنّها تعرف من يمر تحت ظلها)؛ فالمآذن الصمّاء هي استعارة إنسانية للمعرفة المكانية وحفظ الذاكرة في اللاوعي.
 
* وفي حديثه عن القلاع وعلى الرغم من ثبات القلاع إلا أنها حملت يأسا لقلة زائريها وإهمال ساكنيها أو من يمر عبرها، بلعت صوتها أو صفعت زائرها، وهذه الأنسنة ماهي إلا نقل لشعور العتاب الإنساني. وذلك يحضرنا حين قال عن قلعة الكرك: (كأنّك تمشي في حنجرة مدينة كانت تصرخ ثم قررت أن تبتلع صوتها) وعن قلعة الشوبك: (لكنّ هذه القلعة تبدو لي وكأنّها تغفر لكن بعد أن تصفعك برفق).
 
تخلص هذه الورقة إلى أن أنسنة الخريطة عند رائد سمّور لم تكنْ تزيينًا بل استراتيجية سردية داخلية، تُعيد رسم المكان بوصفه ذاكرة حيّة، وتعيد تشكيل الجمادات بأنسنتها وبعث روح التجسيد فيها، وتكشف كيف يصنع السرد خرائط بديلة وأماكن مؤنسنة، تنطق بقدر ما تصمت.