عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Aug-2026

شرارة تِل: مقاومة قرية واحدة أربكت إستراتيجية إسرائيل في الضفة

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
رمزي بارود* - (بيبولز وورلد) 28/7/2026
 
خلال اقتحام عسكري لبلدة تِل الصغيرة الواقعة جنوب غربي نابلس، بدَّدت لحظة واحدة من التحدي المباشر وهم الخضوع الفلسطيني الكامل. وقد رفض أبناء البلدة ومزارعوها التراجع في مواجهة الاقتحامات العسكرية المتواصلة، ومصادرة الأراضي، واعتداءات المستوطنين وعنفهم.
 
 
وفي المواجهة التي أعقبت ذلك، تمكّن فلسطيني من انتزاع سلاح جندي إسرائيلي وفتح النار على القوات المقتحمة قرب البؤرة الاستيطانية غير القانونية "حفات جلعاد"، ما أسفر عن مقتل جنديين وإصابة ثلاثة آخرين.
وكان ما تلا ذلك هو الغضب المتوقع والمتواصل للاحتلال: سارعت القوات الإسرائيلية والمستوطنون المسلحون المدعومون من الدولة إلى شن سلسلة من المداهمات في تِل والبلدات المجاورة، والتي أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين، وإحراق منازل، وتحويل مبانٍ سكنية إلى مراكز ميدانية للتحقيق.
وفي إطار حملة سريعة من العقاب الجماعي، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلية أكثر من سبعين فلسطينيًا، بينهم أكثر من أربعين من بلدة تِل وحدها، بالتزامن مع توسيع الاقتحامات العسكرية لتشمل جنين، وطوباس، وطولكرم، ورام الله، والخليل، وبيت لحم، وأريحا.
وسارع رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس إلى إصدار أوامر بتنفيذ "عملية عسكرية واسعة النطاق". وأدانت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيزي، بصورة قاطعة الهجمات المشتركة التي شنها الجيش والمستوطنون، ووصفتها بأنها "مذابح ضد مدنيين عزّل"، مجددة دعوتها إلى فرض حظر فوري على توريد الأسلحة إلى إسرائيل وفرض عقوبات تجارية عليها. مع ذلك، يقتضي فهم الشرارة التي انطلقت في تِل فهم حالة الاحتقان القابلة للانفجار التي تحولت إليها الضفة الغربية المحتلة.
الحسابات البدئية لنتنياهو
لم يكن رد نتنياهو الفوري على حادثة تِل خروجًا على السياسة القائمة، وإنما كان تفعيلًا لعقيدة قديمة ومتجذرة: كل عمل من أعمال المقاومة الفلسطينية، مهما كان محدود النطاق، ينبغي تحويله إلى أداة لتسريع سرقة الأراضي الفلسطينية برعاية الدولة.
على مدى عقود، استخدمت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية المقاومة المحلية كغطاء لتحقيق طموحات ديموغرافية وإقليمية قديمة. وقد بلغت هذه الإستراتيجية في ظل الائتلاف اليميني المتطرف الحالي مستويات غير مسبوقة من السرعة والوحشية.
حجم الدمار
منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وبينما تركز اهتمام وسائل الإعلام العالمية بصورة رئيسية على أهوال غزة، وسعت إسرائيل هجومها بصورة منهجية في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة:
• قُتل أكثر من 1.090 فلسطينيًا، بينهم ما لا يقل عن 239 طفلًا، على أيدي القوات الإسرائيلية والمستوطنين المسلحين المدعومين من الدولة. 
• أُصيب أكثر من 6.800 فلسطيني بالرصاص الحي، والشظايا، والاعتداءات الجسدية، بينما أصبحت اعتداءات المستوطنين وحدها مسؤولة عن النسبة الأكبر والمتزايدة من الإصابات الأخيرة في صفوف المدنيين. 
• شُرِّد أكثر من 10.000 فلسطيني قسرًا نتيجة هدم المنازل، وهجمات المستوطنين العنيفة، والقيود المشددة على الوصول والتنقل. كما أُفرغت بصورة منهجية تجمعات بدوية وريفية كاملة في تلال جنوب الخليل والأغوار الفلسطينية من سكانها، في إطار عمليات تطهير مستمرة. 
• زُجّ بأكثر من 11.000 فلسطيني في مراكز الاحتجاز خلال مداهمات عسكرية ليلية، حيث تم احتجازهم بموجب تدابير الاعتقال الإداري التعسفي من دون توجيه تهم أو محاكمات. 
• وفي ظل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي مُنح صلاحيات رسمية للإشراف على الشؤون المدنية في الضفة الغربية، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عشرات آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية "أراضي دولة"، في أكبر عملية استيلاء متواصلة على الأراضي منذ "اتفاقيات أوسلو". وبالتوازي مع ذلك، جرى إضفاء الشرعية بأثر رجعي على عشرات البؤر الاستيطانية غير القانونية، كما دُفع قدمًا بإنشاء آلاف الوحدات السكنية الاستيطانية الجديدة.
الأهداف الإستراتيجية الكامنة وراء التصعيد
تخدم الحملة الإسرائيلية المنهجية في الضفة الغربية ثلاثة أهداف سياسية وعسكرية متميزة لنتنياهو وحكومته:
أولًا: استباق فتح جبهة ثانية
أدركت إسرائيل أنه إذا اندلعت في الضفة الغربية انتفاضة شاملة ومنظمة، في الوقت الذي كان فيه جيشها غارقًا في حملة إبادة جماعية مرهقة ومفتوحة في غزة، فإن احتواء الجبهتين معًا سيصبح شبه مستحيل. وبعد إخفاقها في سحق المقاومة الفلسطينية في غزة على الرغم من تفوقها العسكري الساحق، لجأت إسرائيل إلى استخدام عنف استباقي واسع النطاق في الضفة الغربية لإرهاب السكان وإخضاعهم بالكامل.
ثانيًا: حماية نتنياهو بتعزيز نفوذ اليمين المتطرف
لكي ينجو نتنياهو من التداعيات السياسية الداخلية لهجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، ومن فشل جيشه في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، كان في حاجة إلى الحفاظ على تماسك ائتلافه الحاكم. ولذلك منح وزيري اليمين المتطرف، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، حرية شبه مطلقة لتنفيذ أجندتهما الأيديولوجية التي تشمل توسيع المستوطنات غير القانونية، وضم المنطقة (ج)، وتسليح ميليشيات المستوطنين، وتكرار اقتحام المسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة وتغيير الوضع القائم فيه.
ثالثًا: إخفاء الفشل باستعراض القوة الهجومية
في محاولة يائسة لتجنب الظهور بمظهر القائد العاجز العالق في حرب استنزاف متعددة الجبهات، لجأ نتنياهو إلى تنفيذ مداهمات عسكرية، وضربات بطائرات مسيّرة، واقتحامات مدرعة لمخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، من جنين وطولكرم إلى نابلس، بهدف ترسيخ صورة القوة والسيطرة أمام قاعدته اليمينية في الداخل.
إرهاب المستوطنين وإفلاس السلطة الفلسطينية
وجدت حملة التوسع التي ترعاها الدولة عاملين رئيسيين سهّلا تنفيذها على الأرض:
الميليشيات الاستيطانية المنفلتة
بعد أن سلّحتها وزارة الأمن القومي بقيادة إيتمار بن غفير، اندمجت عصابات المستوطنين المسلحة بصورة كاملة في تشكيلات شبه عسكرية تحظى برعاية الدولة. وينفذ المستوطنون بصورة منتظمة مذابح وهجمات منظمة ضد القرى الفلسطينية، تشمل إحراق المنازل، وتدمير بساتين الزيتون، وسرقة الماشية، وإطلاق الرصاص الحي على المدنيين، تحت الحماية المباشرة للجيش الإسرائيلي، وبمشاركته الفعلية في كثير من الأحيان.
إخضاع السلطة الفلسطينية وشّلها
تخلت السلطة الفلسطينية بالكامل عن واجبها الأساسي المتمثل في حماية شعبها. وبدلًا من وضع إستراتيجية وطنية للدفاع، أو توفير حد أدنى من القيادة السياسية في مواجهة سرقة الأراضي، واصلت أجهزتها الأمنية التنسيق الأمني مع الاحتلال.
كما شنت السلطة حملات ضد مجموعات المقاومة المحلية، وصادرت الأسلحة وقمعت المظاهرات الشعبية، لتؤدي عمليًا دور جهاز إداري متعاقد من الباطن لإدارة إخضاع الفلسطينيين بالنيابة عن إسرائيل.
لماذا تفشل التحليلات السائدة؟
سوف يعمد معظم الإعلاميين والمحللين السياسيين، على الأرجح، إلى تفسير التصعيد الحالي من خلال حسابات برلمانية ضيقة. وسيشيرون إلى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ويجادلون بأن نتنياهو يؤجج العنف بهدف تعزيز أصوات اليمين المتطرف، وإرضاء بن غفير وسموتريتش، والتفوق على منافسيه السياسيين. وستُصدر الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان تحذيراتها المعتادة، بينما ستعرب منظمات إنسانية، مثل "أطباء بلا حدود"، عن قلقها إزاء المداهمات التي استهدفت مرافق طبية، مثل مستشفى نابلس التخصصي، في حين سيكتفي الاتحاد الأوروبي وسواه من التكتلات السياسية بإطلاق دعوات جوفاء إلى "خفض التصعيد من جميع الأطراف".
وفي الوقت نفسه، تواصل الحكومة الأميركية تزويد إسرائيل بمليارات الدولارات من الأسلحة الثقيلة، بما يعزز فصلًا جديدًا من فصول التواطؤ التاريخي.
لكنّ ما تعجز هذه التحليلات عن إدراكه باستمرار هو حقيقة الفاعلية الفلسطينية. وهي تتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم ضحايا سلبيين ينتظرون تدخلًا دوليًا أو تحولًا سياسيًا في تل أبيب أو واشنطن. لكن ما جرى في تِل أثبت أن واقع الحصار الكامل، والإذلال اليومي، والتجريد الوجودي من الأرض والحقوق، لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.
لم تبدأ حالة التمرد في المكان الذي توقعه المحللون العسكريون التقليديون، وإنما اشتعلت في بلدة زراعية صغيرة، على أيدي أناس قرروا أن المقاومة هي الرد الوحيد المتبقي على الإبادة الهادئة والمتدرجة.
ولن تظل الضفة الغربية صامتة إلى الأبد؛ وسوف تنهض في الزمان والمكان اللذين يختارهما شعبها، بما سيجعل التوقعات السياسية التقليدية عديمة الجدوى.
*د. رمزي بارود Ramzy Baroud: صحفي ومؤلف ورئيس تحرير صحيفة "ذا بالستاين كرونيكل" الإلكترونية. وهو مؤلف ستة كتب، وسيصدر كتابه الجديد "قبل الطوفان" Before the Flood عن دار (سفِن ستوريز برس). وتشمل كتبه الأخرى: "رؤيتنا للتحرر" Our Vision for Liberation’؛ "أبي كان مقاتلاً من أجل الحرية" My Father was a Freedom Fighter؛ و"الأرض الأخيرة" The Last Earth. وهو زميل بحث أول غير مقيم في "مركز الإسلام والشؤون العالمية".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Spark in Tell: How a Village Resistance Disrupted Israel’s West Bank Strategy