عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Apr-2026

جنون نتن ياهو*إسماعيل الشريف

 الدستور

«لن يوقفنا أحد، لا لاهاي، ولا محور الشر، ولا أي جهة أخرى» نتن ياهو.
 
يُحكى أن ضفدعًا رأى ثورًا ضخمًا يشرب من النهر، فاستبدّ به الإعجاب والغِيرة، وعاد إلى قومه مُدّعيًا أنه لا يقل حجمًا عن الثور، غير أن قومه كذبوا زعمه قائلين: «بل هو أكبر منك بكثير». فراح ينفخ نفسه شيئًا فشيئًا، وكلما سألهم: «هل صرت مثله الآن؟» قالوا: «لا». حتى بالغ في انتفاخه فانفجر ومات.
 
هذه الحكاية في جوهرها مرآة عاكسة لحال مجرم الحرب نتن ياهو في المشهد الراهن؛ فمن يتابع سلوكه وتصريحاته يستشعر أن هذا الرجل بلغ درجة متقدمة من جنون العظمة، إذ يُقَدِّم نفسه كما لو كان قائدًا لدولة عظمى، مُتناسيًا أن كيانه ما كان ليصمد في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر لحظةً واحدة لولا الدعم الغربي غير المحدود الذي يتلقاه.
 
لا يكف نتن ياهو عن ترديد تصريحاته بأنه أعاد رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد، بل وينتقد شمعون بيريز ساخرًا من إيمانه بأن أمن الكيان لا يتحقق إلا بالسلام، ليطرح في المقابل تصورًا مفاده أن القوة هي القادرة وحدها على فرض النظام وصياغة الواقع. والمثير أنه لا يتحدث بوصفه سياسيًّا فحسب، بل يبدو أحيانًا كأنه يؤدي رسالة مقدسة، أو يجسد نبوءة إلهية محتومة. وحين ينزلق السياسي إلى الحديث باسم الدين، ويفسّر النصوص المقدسة، ويقوّم الأنبياء، فإنه يكشف في العمق عن صورة نرجسية متضخمة، تجعله يرى نفسه كائنًا متعاليًا فوق البشر جميعًا.
 
وقد تجلّى هذا الانحراف الفكري بوضوح في تصريحه يوم التاسع عشر من الشهر الجاري، حين أقدم على المساواة بين السيد المسيح عليه السلام وبين جنكيز خان، أحد أشهر سفّاكي الدماء في مسيرة التاريخ الإنساني، ليبني على ذلك فكرة بالغة الخطورة والقبح: أن القوة والغلبة وحدها هي معيار القيمة، وأن التاريخ ليس إلا ساحةً للبطش والتغلب، وأن العالم لا مكان فيه للأخلاق، بل هي وهم لا مكان لها في حسابات القوى. ومن هذه الذهنية النفعية المتغطرسة، وبعد أن دفع المنطقة إلى حافة الهاوية وعجز عن إسقاط النظام الإيراني، راح يدعو الإيرانيين إلى قلب نظام الحكم، وهو نفسه الذي يمعن في قتلهم وقصفهم، ثم لا يعدو نظرته إلى الحرب كونها فرصة سانحة لمدّ أنابيب النفط والغاز نحو ميناء حيفا كبديل آمن لمضيق هرمز.
 
لقد أضرم نار الفتنة والحرب في ربوع المنطقة بأسرها؛ فالمشاهد المروعة التي نراها، والدمار الهائل الذي يطال كل شيء، والحرائق التي تعانق عنان السماء، والصواريخ التي تنهمر على الرؤوس، وقتل الأطفال الأبرياء في مدارسهم، ومحو غزة عن الوجود، وإبادة أهلها رجالًا ونساءً وأطفالًا دون تمييز، كلها شواهد دامغة على اتساع الكارثة ووحشية ما يُرتكَب من جرائم. ولن يهدأ هذا المجرم حتى يُخضع الشرق الأوسط كله لمشروعه المزعوم، وهو مستعد للبطش بكل من تُسوّل له نفسه الوقوف في طريقه. إنه رجل تحكمه الكراهية، ويغذيه وهم القوة، ولا يبالي بعدد الأرواح التي تُزهق، ولا المدن التي تُدمَّر، ما دام يلهث وراء نبوءته المزعومة.
 
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تمادى في غيّه ليوجه تهديدات صريحة إلى أوروبا نفسها، تلك القارة التي تبنت إنشاء كيانه الغاصب ورعته حتى قام. لقد بلغ به جنون العظمة أن وقف أمام الكاميرات، رافعًا أصابعه في وجه الحكومات الأوروبية، ليُملي عليهم أوامره بصوت متعجرف قائلًا: «أطالب الحكومات الغربية بأن تفعل ما يلزم لمكافحة معاداة السامية، وتوفير الحماية والأمن اللازمين للمجتمعات اليهودية حول العالم... أطالبهم بالتحرك الآن». والمفارقة المذهلة أنه على الرغم من كل هذا الاستفزاز الصريح، لا يجرؤ زعيم أوروبي واحد على انتقاده، أو مجرد التعبير عن تحفظه، بل يتركون له الحبل على الغارب، ليحرق المنطقة بأسرها دون محاسبة، خوفًا على مواقعهم ومناصبهم، وخوفًا من سطوة اللوبيات الصهيونية وإحكام قبضتها على مفاصل صُنع القرار.
 
هذا هو وجه العالم القبيح حين تُسلَّم مقاليده إلى مجانين فقدوا صوابهم وانتكست فطرتهم. وإذا تحقق ولو جزء يسير ما يحلم به هذا المهووس، فسيبلغ الهول والجزع بالناس حدًّا لا يُطاق، حتى يمرّوا على القبور فيغبطون أصحابها، ويتمنون لو كانوا مكانهم، كما أخبرنا رسولنا الكريم، عليه أفضل الصلاة والسلام.