عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Nov-2025

دروس الحرب الأوكرانية*إسماعيل الشريف

 الدستور

تفقهوا قبل أن تسودوا- عمر بن الخطاب.
يُروى أن الرئيس صدام حسين كان شغوفًا بدراسة التاريخ، إلا أنه كان يتسم بانتقائية مفرطة في استخلاص العِبَر منه، فعقب لقائه بالسفيرة الأمريكية في الكويت، فسّر تصريحاتها حول الحياد الأمريكي على أنها ضوء أخضر لغزو الكويت، معتقدًا أن واشنطن لن تُقدِم على خوض مغامرة عسكرية قد تتحول إلى مستنقع آخر يُشبه فيتنام. لكن حساباته جانبها الصواب، فجاءت العواقب مدمّرة، ولا نزال نعاني تبعاتها حتى يومنا هذا.
على نحو مماثل، اعتقد القذافي أن تخلّيه الطوعي عن برنامجه النووي وتسليمه إلى الولايات المتحدة على متن باخرتين سيكون بمثابة بوليصة تأمين تضمن له الحماية والاستقرار. لكنه هو الآخر واجه مصيرًا مأساويًّا، شأنه في ذلك شأن زعماء آخرين سبقوه على هذا الدرب؛ من شاه إيران، إلى أشرف غني، وصولاً إلى حسني مبارك، جميعهم انخدعوا بفكرة أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تتخلى عنهم... حتى فعلت ذلك بالفعل.
ويبدو أن الرئيس الأوكراني، الذي جاء من خارج الأروقة السياسية التقليدية، لم يستوعب الدروس القاسية التي خطّها التاريخ بأحرف من دم. فقد أسّس استراتيجيته على تعهدات غربية، ودخل في صراع عسكري طاحن مع روسيا مقتنعًا بإمكانية تحقيق النصر، ووضع ثِقة مُطلقة في التحالفات الدولية، مُخطئًا في تقييم الدوافع الحقيقية للدعم الأمريكي. واليوم، تجد أوكرانيا نفسها محاصرة بخيارات كلها مُرّة، بعد إعلان الرئيس ترامب عن خطته المؤلفة من ثمانية وعشرين بندًا لإنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية، وهي خطة وصفها عدد كبير من المحللين والسياسيين وكأنها صُمّمت في الكرملين ذاته، إذ تميل كفة منافعها بالكامل لصالح روسيا. وقد اختُزلت لاحقًا إلى ثمانية عشر بندًا دون أن يمسّ هذا التعديل جوهرها أو روحها الأساسية. ومن أبرز ما تضمنته:
     حظر انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي ما لم تُجمع جميع الدول الأعضاء على قبول عضويتها، وهو شرط يكاد يكون تحقيقه ضربًا من المستحيل، خاصةً أن هذه المسألة كانت في صلب الأسباب المباشرة التي أشعلت فتيل الحرب منذ البداية.
     إعلان وقف فوري لإطلاق النار على أساس الإقرار بالأمر الواقع، أي الاعتراف بالسيطرة الروسية على أجزاء من الأراضي الأوكرانية، تمهيدًا لإطلاق مفاوضات لاحقة بشأن المصير النهائي لتلك المناطق.
     تقليص حجم القوات المسلحة الأوكرانية بحيث لا يتعدى سقفها ثمانمئة ألف جندي.
     إعادة دمج روسيا تدريجيًا في المنظومة الاقتصادية العالمية ورفع جانب من العقوبات المفروضة عليها.
وإلى جانب ذلك، تشتمل الخطة على بنود إضافية تتضمن تعهدًا روسيًا بعدم شنّ عدوان على دول أوروبية أخرى، وضبط وتيرة التوسع الشرقي لحلف الناتو في القارة الأوروبية، وإجراء انتخابات رئاسية جديدة في أوكرانيا، فضلًا عن برنامج لإعادة إعمار البلاد.
وهكذا، تجد أوكرانيا نفسها محاصرة في مأزق وجودي حقيقي؛ فهي تفتقر إلى القدرة العسكرية اللازمة لحسم المعركة لصالحها، وفي الوقت نفسه لا تستطيع الإقرار بالهزيمة نظرًا للثمن السياسي الباهظ الذي لا تقوى على دفعه. كما أنها غير قادرة على التفريط بأجزاء من سيادتها الوطنية، ولا تملك في المقابل ترف رفض خطة السلام المطروحة، لأن ذلك سيُلقي بها في دائرة العزلة الكاملة، لتصبح فريسة سهلة المنال أمام الآلة العسكرية الروسية.
في مواجهة هذا المأزق الخانق، يتبيّن أن ثمة رابحًا أوحد من هذه الحرب، ألا وهو الولايات المتحدة الأمريكية. فقد نجحت واشنطن في تأمين حقوق استثمار الثروات المعدنية النادرة في أوكرانيا، وأحلّت غازها الطبيعي المسال محل الغاز الروسي في الأسواق الأوروبية، واستثمرت أجواء الصراع لتصريف مخزونات هائلة من الأسلحة القديمة التي كانت مُقررة للشطب، ممهدةً الطريق لتحديث ترسانتها العسكرية بأحدث الأنظمة التسليحية، ما عزّز جاهزيتها للمواجهات المستقبلية. كما رسّخت هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي، ووجّهت إنذارًا استراتيجيًا واضحًا إلى الصين، وأحكمت قبضتها على القرار الأوروبي. أما المكسب الاستراتيجي الأبرز، فتمثّل في استنزاف القدرات الروسية وإنهاكها على المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية كافة.
الدرس الجوهري الذي يتعيّن على دول العالم استيعابه هو: لا مكان للثّقة العمياء في حَلبة السياسة الدولية؛ فهي لا تعرف إلا لغة المصالح المجرّدة، وقانون الغاب هو الحاكم الفعلي للساحة الدولية. ففي عالم العلاقات بين الدول، لا وزن للأخلاق أو الشرف أو المبادئ، مهما تألقت الشعارات وتزينت بأبهى الحُلل.
هذه هي الحصيلة المُرّة لحرب أوكرانيا، التي خاضت المعركة نيابةً عن الغرب، ثم لفظها الجميع حين تغيّرت حساباتهم واقتضت مصالحهم ذلك؛ فالشعوب الأوروبية تغلي غضبًا من الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة، والولايات المتحدة ترى أن الحرب قد استنفدت أغراضها وحصدت ثمارها الاستراتيجية، وباتت الآن تتطلع إلى تحويل بوصلتها نحو الصين، بعد أن زجّت بأوكرانيا في أتون حرب طاحنة تحمّلت وحدها فاتورتها الدموية والاقتصادية الباهظة.