"كزهر اللي" للشيشاني.. وثيقة تاريخية تفوح بالجمال والمصداقية
الغد-عزيزة علي
حملت رواية "كزهر اللي" للروائية ميمونة الشيشاني، على عاتقها، مهمة صون التاريخ الشيشاني في الأردن، وتوثيق تفاصيل الهجرة والاغتراب، لتقدمه في نص سردي متين يجمع بين جمال اللغة وصدق التجربة، بحسب ما رأى المشاركون في حفل توقيع الرواية، أول من أمس، في المكتبة الوطنية.
وجاء الحفل برعاية ملكية سامية، وبحضور سمو الأمير هاشم بن الحسين؛ حيث التقى نخبة من الأدباء والنقاد لمناقشة الرواية والوقوف على ما تحمله من أبعاد تاريخية وثقافية، تبرز حضور المكون الشيشاني في المشهد الأردني وتوثق حكايات الهجرة والاندماج برؤية أدبية رصينة.
وقد جاء الحفل برواية "كزهر اللي"، وهي الجزء الثاني من رواية "دمعة ذئب"، ليؤكد أن الأدب، بما يمتلكه من قوة ورهافة، قادر على أن يكون خزانا للذاكرة ومرآة للهوية ورافدا للوعي الجمعي.
الحفل نظمه النادي القوقازي الأردني، وحضره الأستاذ فراس الضرابعة، مدير عام دائرة المكتبة الوطنية، مندوبا عن معالي وزير الثقافة، وعطوفة الأستاذ الدكتور نضال العياصرة، أمين عام وزارة الثقافة.
ومن بين المشاركين في الحفل الذي أداره الناقد محمد المشايخ: الدكتورة هند أبو الشعر، والدكتور راشد عيسى، والدكتور محمد السماعنة، والدكتور سمير بينو، الذين قدموا قراءاتهم وانطباعاتهم حول الرواية.
في مستهل الحفل، وصف الناقد محمد المشايخ، الروائية ميمونة الشيشاني بأنها "حارسة الذاكرة الشيشانية وسادنة تاريخه". واعتبر أن رواية "كزهر اللي" تمثل وثيقة تاريخية مصاغة بأسلوب أدبي لافت، يمكن إدراجها ضمن أبرز روايات أدب المقاومة.
من جانبها، قدمت الدكتورة هند أبو الشعر ورقة نقدية بعنوان: "سيرة الهجرة من خلال الرواية: كزهر اللي – للروائية ميمونة الشيشاني نموذجا"، طرحت فيها تساؤلات جدلية حول مفهوم الرواية التاريخية.
ورأت أبو الشعر أن هذا العمل الروائي غير مسبوق، وأنه يتميز بدرجة عالية من الجمال والمصداقية، إذ استطاعت الروائية أن تستنطق الزمان والمكان من خلال رسم الأحداث والشخصيات بدقة ومنطقية، من دون أن يشعر القارئ بالملل رغم أنها رواية من العيار الثقيل بلغ عدد صفحاتها (671) صفحة.
كما وجهت أبو الشعر نداء إلى الجهات المختصة لتحويل هذه الرواية بجزأيها إلى عمل سينمائي أو درامي، مؤكدة أنه سيكون قفزة نوعية تضاف إلى رصيد الأعمال التلفزيونية والسينمائية الأردنية.
من جانبه، قال الناقد والشاعر الدكتور راشد عيسى "في هذه الرواية حكايات صغيرة، بوح شعري، وهي وثائق اجتماعية، وسرديات تاريخية تعاين تفاعل الشخصية الشيشانية مع واقعها وأحلامها منذ لحظات اقتلاعها من القوقاز إلى مشوار انسيابها في الأرض الأردنية".
وأضاف عيسى "أن الرواية هي حكاية الطير الشيشاني المغترب عن عشه والمتصالح مع المكان أينما حل وارتحل. إنه طير من سلالة الصقر الذهبي الباشق، سيد القوة وسيد الروح الجميلة الشفيفة، طير يجمع النقيضين: العنفوان العالي والرقة الأنيسة الطيبة الودودة، تماما مثل عنوان الرواية "كزهر اللي" ودمعة الذئب".
وأشار عيسى إلى أن "زهرة اللي"، أو لليوم يشير لونها وشكلها إلى دلالات الحب والعاطفة والنقاء، وفي الوقت نفسه إلى دلالات القدرة على مجاملة الأرض التي تعيش فيها، وتحدي الصعوبات، والاستماع إلى نداء الحياة؛ فقد تنبت عند ضفة نهر أو تطلع من صدر صخرة جبلية، فهي تمتلك إرادة الحياة والجمال والقوة.
وأوضح عيسى "أن مفتاح الطير الشيشاني المهجَّر والمهاجر اختار الديار الأردنية موطنا آمنا يعيش فيه، فتماهى مع الأرض والناس تماهيا إيجابيا يأخذ ويعطي، مثابرا على إخلاصه اللامحدود في العطاء، لأن الفؤاد الأردني رحب به خير ترحيب، فلم يعد ضيفا، بل أصبح جزءا عريقا من هذا الحمى السماوي المنذور لاستقبال أنواع أخرى من طيور الشعوب المشتتة، التي ضاقت بها الرحاب، فلجأت إلى حضن الدفء والمحبة في أردن الطمأنينة والجمال، حتى أصبح الأردن محمية سماوية".
ورأى عيسى أن الرواية هي نموذج فريد لتلاقي حضارات الشعوب وخصوصيات البيئات الجغرافية المتباعدة، وهي في الوقت نفسه مثال رفيع على النص الأدبي المرحب بتجاور البوح الشعري والسرد القصصي والبناء الروائي والتوثيق التاريخي.
وأضاف عيسى "بنية الرواية تحرج الناقد الأدبي: فهل هي رواية تستدعي التاريخ أم تاريخ يستدعي فن الرواية؟ التاريخ يعني الحقائق والشواهد الواقعية، والرواية تعنى بأدغال النفس البشرية. هكذا أوقعتنا ميمونة بعفوية ماكرة في فخ الحيرة الممتعة".
وأشار عيسى إلى أن مدينة الزرقاء وجوارها تلعب دور البطولة المكانية في احتضان حياة الشيشانيين منذ أكثر من مائة عام، فتجاوزوا محنة الاغتراب والشتات من خلال اندغامهم الكامل بالمجتمع العربي الأردني واقعا ووجدانا، لكنهم كأي شعب أصيل ما غفلوا عن تدوين معتقداتهم الشعبية وتفاصيل فولكلورهم، واستذكار رموز أزهار اللي التي تنبت في الجبال الثلجية وبين ضلوع الرعاة والفرسان، وظلوا مستأنسين بعنفوان الذئب النبيل ومكابداته الشجاعة.
فمن حقهم أن يحافظوا على جماليات حضارتهم التليدة عبر الاستذكار والاسترجاع لخصوصيات تلك الحضارة قبل أن تقسو عليها ممحاة التاريخ، فكان هذا التصالح العظيم الساحر مع المكان الأردني، فأخلصوا له وتذاوبوا في مكارمه السمحة، وبادلهم الوئام والتقدير والإكرام، فحافظت زهرة اللي على أخلاقها، وراحت تنبت بكبرياء وحب في بستان القلب الأردني الجليل.
وخلص عيسى إلى أن الرواية تعد سجلا أدبيا وثائقيا لشتات الإنسان القوقازي الذي عرفه العالم فارسا مختلفا يضع وردة في رأس سيفه. وقد ثبت تاريخيا أن الذين هجروا من الديار القوقازية هم النبلاء وصفوة الناس من ذوي المكارم العالية والأصول الماجدة. كما تحمل الرواية سمة المأساة وتراجيديا الاغتراب لدى الشعب الذي استلب حقه في البقاء مع رائحة أرضه وهوائه وصهيل خيوله، وأريج زهرة اللي التي كانت دمعة الذئب تسقط عليها مثل قطرة الندى.
أما الدكتور سمير بينو، العين السابق ورئيس النادي القوقازي، فقد قدم ورقة بعنوان: "أهمية رواية كزهر اللي للمجتمع الأردني والشيشاني"، أشاد فيها بدور الرواية في حفظ التراث الشيشاني بعناصره المختلفة، وتوثيق حكايات الهجرة والاستقرار في الأردن، التي كانت مهددة بالاندثار لولا أن قامت الروائية بتخليدها في صفحات روايتها.
وأشار بينو إلى أهمية العمل للمجتمع الأردني، بما يتيحه من التعرف بعمق على المكون الشيشاني وإسهاماته الكبيرة خلال مرحلة تأسيس الدولة الأردنية وما بعدها. وفي ختام مداخلته، شكر الروائية ميمونة الشيشاني على الجهد المضني الذي بذلته في إنجاز هذا العمل على مدار خمسة أعوام متتالية.
أما الدكتور محمد السماعنة، فقد قدم ورقة بعنوان: "الشخصية الشيشانية في رواية كزهر اللي"، تناول فيها تحليلا معمقا للشخصية الشيشانية في مختلف حالاتها، مبرزا انسجامها مع دستور الأخلاق الشيشانية.
وتوقف السماعنة عند مفاصل عديدة من الرواية، مسلطا الضوء على الفصول التي تناولت الحرب الشيشانية - الروسية، مشيدا بما وظفته الروائية من تقنيات سردية متنوعة ومبتكرة، مكنتها من تطويع التاريخ وتقديمه للقارئ بصورة سلسة ومستساغة.
في نهاية الحفل، شكرت الروائية ميمونة الشيشاني المشاركين في كلمتها، قائلة: "الشكر لسمو الأمير هاشم على رعايته الكريمة، ولكل من شرفنا بالحضور. وشكري موصول لأهلي وأصدقائي، ولكل من دعموني من كتاب ومؤرخين وحُفاظ للثقافة الشيشانية. أما النادي القوقازي، فله كل التحايا على هذا الاحتضان الدافئ".
وأضافت الشيشاني "إنه فضول المعرفة وتخيل الحقيقة؛ هذا ما دفعني للبحث في تفاصيل الماضي، والتوغل في دروبه. كنت أظن أني هاربة من دروس التاريخ، فإذا بي أكتشف أنه لا مفر من الماضي، فهو يصحو في لحظة مجنونة، ويعود إلينا عبر أحلامنا وتساؤلاتنا".
وأضافت الشيشاني "بعد رواية دمعة ذئب، كان لزاما علي أن أكمل ما بدأته، فجاءت رواية كزهر اللي، رواية مبللة بالحب والدمع، مرصوفة بالشجاعة والصداقة، لقد ظننت أن الكتابة لجزء ثان ستكون أسهل، فإذا هي أصعب وأعمق. فقد استشهدت مئات الأقلام في ساحاتي، وأريقت الأحبار على أوراقي، وتلطخ قلبي بالذكرى".