الغد-ديمة محبوبة
موقف يتكرر كثيرا مع مختلف الفئات العمرية، إذ يفتح كثيرون هواتفهم، يقرأون الرسائل، ثم يغلقون الشاشة من دون أن يكتبوا ردا، أو يكتفون بتمرير إصبعهم لقراءة الرسائل وسماع الرسائل الصوتية من الإشعارات من دون الدخول إليها، قبل أن يغلقوا الهاتف بلا رد.
هذا الموقف المتكرر لا يعد تجاهلا أو برودا، بل هو شعور داخلي بالتعب من مجرد التواصل، إذ إن الرد بكلمة واحدة قد يبدو أحيانا مهمة تحتاج إلى طاقة.
وتؤكد هذه الظاهرة دراسة حديثة بعنوان "الانتباه المُختطف: كيف تربك إشعارات وسائل التواصل الاجتماعي عمليات المعالجة المعرفية"، نشرت في مجلة "Computers in Human Behavior".
التفاعل المستمر مع الهاتف
ووجدت الدراسة أن الإشعارات الرقمية قد تسبب تباطؤا مؤقتا في المعالجة المعرفية يستمر نحو سبع ثوان لكل إشعار، وأن هذا التأثير يرتبط بتكرار التفاعل مع الهاتف أكثر من الوقت الكلي الذي يقضيه الشخص أمام الشاشة.
وتتحدث علياء صوالحة عما يحدث معها، فتقول: "أنا أقوم بكل واجباتي اليومية من عمل، وتنظيف البيت، والجلوس مع عائلتي، لكن بمجرد أن أدخل البيت أشعر أنه لا طاقة لدي للتواصل مع أحد، رغم أن هاتفي بيدي، وكلما وصلتني رسالة أو صورة لا أجد طاقة للرد أو التواصل".
وتبين أن هذه الحالة تشعر بأنها تتضاعف مؤخرا، عازية السبب إلى ارتباطها الكبير بشاشة الهاتف خلال الأعوام الماضية، منذ أحداث كورونا، والحرب على غزة واليوم ما تعيشه المناطق من توتر ونزاعات، ما جعلها تميل إلى الابتعاد عن التواصل.
توتر مخفي نتيجة رسائل متكررة
في حين تتعمد روضة أحمد الاستماع إلى الإشعارات أو قراءتها من الشاشة الخارجية، من دون الدخول إلى الرسائل، وهو ما لا يدركه الطرف الآخر أنها اطلعت على الرسالة. ويمنحها ذلك مساحة للتفكير إن كان الأمر يستحق الرد أم يمكن تأجيله لوقت لاحق.
لكن هذا السلوك يجعلها أحيانا تنسى الرد، إذ تشعر وكأنها أجابت في داخلها، ما يسبب لها مشكلات نتيجة عدم انتباهها لرسائل الآخرين.
وتقول إنها لا تعرف سبب هذا الشعور، فحتى عندما لا يتطلب الأمر جهدا كبيرا، تشعر بالتعب وعدم القدرة على الرد أو حتى إمساك الهاتف.
وتضيف أن تجارب سابقة أثرت عليها نفسيا، بعدما تلقت أخبارا مزعجة عبر رسائل "واتساب"، ما جعلها تتردد كثيرا قبل فتح أي رسالة، خوفا من أن تحمل كلمات قد تسبب لها الانزعاج.
لذلك، أصبحت أي رسالة تشكل لها قدرا من التوتر، وإن كان بسيطا، لذلك تفضل إبقاء هاتفها على الوضع الصامت، معتقدة أنه في حال كان الأمر مهما، سيتصل بها الشخص ويخبرها به.
الجهاز العصبي يحتاج لفترات من الراحة
يشرح اختصاصي علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع أن هذه النتائج تعكس ضغطا غير مرئي على الدماغ حين يكون الشخص متاحا طوال الوقت، إذ تظل أجزاء من الجهاز العصبي في حالة تنبه مستمر، ما يجعل الرد على الرسائل أو التفاعل أمرا مرهقا، حتى لو كان بسيطا.
من جانبها، تشير المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني إلى أن الجهاز العصبي يحتاج إلى فترات من الراحة والانفصال، وأن الاتصال الدائم يحرم الفرد من هذه الفرصة، فيصبح التواجد المستمر على الخط مصدرا للإرهاق النفسي والجسدي، وكأن الفرد يقوم بعمل يتطلب جهدا كبيرا أكثر من كونه وسيلة للتواصل.
ويصف عمر تجربته بأنه أحيانا يقرأ رسائل أصدقائه ثم يغلق الهاتف مباشرة، مؤكدا أن ذلك ليس لعدم اهتمامه بل لأن شعوره بالضغط، وإحساسه بعدم وجود وقت لديه للانفصال عن هذا العالم، يجعلانه عاجزا عن كتابة أي رد، حتى لو كان كلمة واحدة.
كل إشعار يفتح بابا لإرهاق إضافي
وتتحدث أم ليلى عما يحدث معها مؤخرا، فتقول: "أشعر أن كل رسالة تحتاج إلى طاقة، وكأن الرد عليها يسحب جزءا من تركيزي. أحيانا أتركها لأيام، رغم أنني أحب أصدقائي وأهلي".
وتبين أنها تعمل بمجال التسويق لعدد من الصفحات على "إنستغرام"، مضيفة أن تواجدها المستمر على وسائل التواصل الاجتماعي جعلها متعبة نفسيا، حتى إن قراءة الأخبار القصيرة أو مشاهدة منشورات بسيطة تشعرها بالإرهاق أحيانا، وكأن عقلها يحتاج إلى إجازة من كل هذه الرسائل والتنبيهات.
وتوضح الكيلاني أن السبب لا يكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في طريقة استخدامها والضغط النفسي المصاحب لها، إذ إن الدماغ البشري لا يستطيع الاستجابة المستمرة لكل رسالة أو إشعار، وكل إشعار يفتح بابا صغيرا لإرهاق إضافي.
ومع مرور الوقت، يصبح الرد حتى بأبسط الكلمات مهمة مرهقة، ويبدأ الفرد في تأجيل التفاعل، ما يزيد من شعور العزلة والضغط النفسي.
معرفة الحدود الشخصية واحترامها
ويشير جريبيع إلى أن هذا السلوك أصبح جزءا من ثقافة التواصل الحديثة، حيث يشعر الشباب بالمسؤولية عن الرد السريع، ويخشون أن يفسر التأخير على أنه تجاهل. لكنه يؤكد أن الفهم الاجتماعي لهذه الظاهرة يجب أن يرافقه وعي شخصي، فالتواصل لا يعني أن يكون الإنسان متاحا دائما، ولا يعني أن كل رسالة تحتاج إلى رد فوري، بل إن معرفة حدود الطاقة النفسية واحترامها جزء من الحفاظ على الصحة العقلية.
ومنعا للإحراج، تلجأ رزان، التي تعمل في إحدى الشركات الخاصة، إلى إغلاق الإشعارات عند وصولها إلى المنزل بعد أن تكون قد أنهت واجباتها الوظيفية، والتفرغ لأبنائها ووالدتها الكبيرة بالسن، مع إبقاء خط الهاتف متاحا في حال ورود اتصال. ويعفيها ذلك من الإحراج الناتج عن رؤية الرسائل من دون الرد عليها.
وفي الصباح، وخلال توجهها إلى العمل، تعيد تشغيل الإشعارات لتفقد إن كان هناك رسائل مهمة تحتاج إلى إجابة أم لا، ولم يعد ما تفعله يشعرها بالذنب كما كانت بالسابق، ما يهمها أن تفعل ما يشعرها بالراحة النفسية.
كما لا تميل إلى التفاعل مع المجموعات الكبيرة، سواء العائلية أو الخاصة بالعمل أو الأصدقاء، إذ تحرص على كتم إشعاراتها في معظم الوقت، وتكتفي بالاطلاع عليها من الخارج، ولا ترد إلا في حال وجود أمر مهم.
وتؤكد أن هذا الأسلوب منحها وقتا أكبر لنفسها، إذ إن الاستجابة المستمرة للرسائل لا تنتهي، وتشكل عبئا نفسيا هي في غنى عنه.
مساحة خاصة يحتاجها العقل
وأخيرا، ووفق مختصين، يبدو أن الجميع اليوم أكثر اتصالا من أي وقت مضى، لكن هذا الاتصال المستمر قد يجعل أبسط أشكال الرد تبدو مرهقة. فالسعادة الرقمية ليست دائما حقيقية، والطاقة العقلية تحتاج إلى مساحة للراحة بعيدا عن التدفق المستمر للمعلومات، فحتى كلمة واحدة قد تتطلب أحيانا شجاعة أكبر من مجرد الضغط على زر "إرسال".