الغد
تمير هايمن
نشهد تصاعدا في النشاط المعادي لإيران، دبلوماسيا وعسكريا. ومن المنطقي أن نفترض أنه في حال عدم التوصل إلى اتفاق، فإننا نسير على طريق يؤدي إلى تجدد الحرب.
الخبر السار هو أن الوضع الراهن، القائم بين خيارَي الهجوم والتوصل إلى اتفاق، ينطوي على مخاطر كبيرة؛ فالإيرانيون يواصلون تطوير قدراتهم النووية، ويخوضون حربا اقتصادية مع الولايات المتحدة على قدم المساواة، مما يعزز مكانتهم الإستراتيجية في الخليج. لذلك، فإن أي تغيير في أي من الاتجاهين أفضل من استمرار الوضع الحالي.
أما الخبر السيئ، فهو أنه لا توجد إجابة شافية عن سؤال ما الذي سيختلف هذه المرة، ولا عن المخاوف من أن تنتهي الأمور على نحو مختلف، ولا عن سؤال ما الذي يمكن فعله ولم نفعله في الماضي.
وإلى جانب كل ذلك، يجب أن نأخذ في الحسبان السياق الإشكالي لهذه الحرب الجديدة، وهو السياق السياسي. سواء وقع الهجوم في ظل إشكاليات الانتخابات في إسرائيل، أو قبل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، أو خلال فترة تشهد تحالفات سياسية، فإن للحرب، في جميع هذه الحالات، بُعدا سياسيا بارزا.
يهدد هذا البُعد تماسك المجتمع الإسرائيلي، ويُضعف شرعية الحرب في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد يدفع الجيش الإسرائيلي إلى قلب أكثر الأوضاع السياسية توترا، في واحدة من أكثر الفترات تعقيدا في تاريخ إسرائيل السياسي. ولم نتطرق بعد إلى الضرر المحتمل الذي قد يلحق بصورة إسرائيل في الولايات المتحدة، والتي وصلت أصلا إلى أدنى مستوياتها تاريخيا، وهو ضرر قد يتفاقم بشكل كبير جراء خوض حرب مشتركة أخرى.
إذن، لماذا الآن؟
هل الحرب مع إيران ضرورية حقا في هذا التوقيت؟ الإجابة ببساطة هي أن هناك حاجة عملياتية، فضلا عن فرص إستراتيجية وعملياتية تشجع المخططين في إسرائيل والولايات المتحدة. لكن لا شيء من ذلك يستدعي خوض حرب في مثل هذا التوقيت الحساس سياسيا.
ومع ذلك، سنوضح الحاجة العملياتية. ففي الآونة الأخيرة، رصدنا تسارعا في وتيرة استعادة إيران قدراتها العسكرية، بدءا من تسريع إعادة بناء مشروعها النووي بمكوناته الثلاثة.
في مجال التخصيب: تعزيز الجاهزية العملياتية لموقع "جبل الفأس"، وهو موقع تخصيب تحت الأرض، من شأنه، وفقا للتقديرات الإيرانية، أن يسمح بنقل جميع قدرات إيران في التخصيب إلى موقع محصّن ضد الهجمات.
في مجال وسائل الإطلاق: نرصد تجدد إنتاج الصواريخ في إيران. ورغم أن الإنتاج يجري على نطاق أضيق بكثير مما كان مخططا له قبل الحرب، وأن معظم الصناعات العسكرية لم تتعافَ بعد، فإن الصواريخ تُطوَّر في ضوء الدروس المستفادة من الحروب الأخيرة، ويبدو أن عملية التعلم العملياتي الإيرانية دقيقة للغاية.
في مجال المجموعة النووية: نشهد هنا أيضا إعادة تأهيل المواقع المرتبطة بمشروعات الأسلحة النووية، ويبدو أن هناك عددا كبيرا من علماء الذرة المستعدين للتطوع ليحلوا محل أولئك الذين أُحبطت مشروعاتهم في عملية "الأسد الصاعد".
أما السبب الثاني لتسريع وتيرة الإنتاج، فهو الفرصة الإستراتيجية. تمر إيران بوضع اقتصادي متردٍّ للغاية، إذ استهلكت جميع احتياطياتها النفطية المخصصة للتصدير، ولذلك يُتوقع أن يتفاقم وضعها بشكل كبير في المستقبل القريب. ومع ذلك، فإن التقييم السائد هو أن هذه الأزمة الاقتصادية لن تؤدي إلى انهيار البلاد. ومن هنا، يُعتقد أن الضربة العسكرية، أي استهداف البنية التحتية للاقتصاد الوطني الإيراني، قد تكون القشة التي قصمت ظهر البعير.
إضافة إلى ذلك، هناك "تأثير ترامب". فهذا الرئيس هو آخر رئيس يُرجَّح أن يوافق على مواصلة المغامرة في الخليج، وبعد انتخابات التجديد النصفي، قد يخسر حزبه السيطرة على الكونغرس، مما يضعف موقفه. وهذا العامل يسرّع وتيرة الأحداث ويضيّق النافذة الزمنية المتاحة للهجوم إلى حد كبير، بحيث تصبح محصورة بين انتخابات التجديد النصفي، المقررة في 3 تشرين الثاني، وأداء أعضاء الكونغرس الجدد اليمين الدستورية في 4 كانون الأول.
على الرغم مما سبق، من الضروري، قبل الشروع في مغامرة عسكرية أخرى، التأكد من استيعاب دروس الحرب السابقة.
يتعلق الدرس الأول بضرورة الحفاظ على التماسك بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن أهداف الحرب، والالتزام بأي هدف متفق عليه، بكل ما يترتب على ذلك. وبعبارة أخرى، إذا كان الهدف هو إسقاط النظام، فيجب الاتفاق قبل بدء الحملة على ضرورة وجود عنصر بري واسع النطاق. وإذا لم يكن هناك اتفاق على ذلك، فلا ينبغي اعتماد إسقاط النظام هدفا للحرب. ولا يجوز تحديد أهداف غير قابلة للتحقيق.
أما إذا كان الهدف هو تقويض القدرات الإستراتيجية، فيجب ضمان القضاء التام على المشروع النووي مسبقا. وهذا يتطلب دفع ثمن ينبغي التأكد سلفا من استعداد الطرف المعني لتحمّله.
أما إذا كان الهدف هو تأخير البرنامج النووي فحسب، فمن المستحسن بشدة تجنب التوقعات الخاطئة، والتأكد من عدم وجود خيار آخر أو وسيلة بديلة لتحقيق الهدف نفسه بتكلفة أقل بكثير، مثل العمليات الخاصة والسرية.
ويتعلق الدرس الثاني بآلية إنهاء الحرب. فالإيرانيون هم من سيقررون إنهاءها، وليس الأميركيون، ما دام الهدف ليس إسقاط النظام. لذلك، من الأهمية بمكان عدم افتراض أن الحملة ستكون قصيرة، ما لم يُخلَق حافز يدفع إيران إلى إنهائها بما يخدم مصالح النظام القائم، بصرف النظر عن شخصية المرشد الأعلى وهويته.
وعادة ما يتمثل هذا الحافز في التوصل إلى اتفاق مبدئي يحقق للإيرانيين بعض المكاسب أيضا، وإن كانت أقل بكثير مما كان بإمكانهم تحقيقه قبل الحرب.
وخلاصة القول، يجب أن نستوعب مدى قدرة إيران على الصمود وعزمها على القتال حتى النهاية إذا وصلت إلى حالة من اليأس، وأن نضع إستراتيجية الخروج في ضوء ذلك.
أما الدرس الثالث، فيتعلق بالمفاجآت. فقد علّم الحصار الإيراني لمضيق هرمز الإيرانيين مدى هشاشة النظام الجيوسياسي العالمي في هذا العصر، في ظل الحرب في أوروبا، وأزمة الطاقة، وتعطيل التجارة البحرية، وظهور أهداف جديدة عالية القيمة، مثل مراكز البيانات والبنية التحتية للحوسبة والرقائق الإلكترونية.
ستستغل إيران جميع نقاط الضعف، بما فيها تلك التي ظهرت حديثا، وسيكون ثمن ذلك خوض حملة طويلة، ومن المرجح جدا أن توافق إيران على تحمّل هذا الثمن. لذلك، يجب أن نستعد لحرب طويلة، وأن نعمل على حماية الأصول الحيوية على المدى البعيد، وأن نكون مستعدين لتحمّل عواقب هذا التطور.
شطب الاعتبار السياسي
لكي نخوض حربا يحظى هدفها بثقة كاملة من الرأي العام الإسرائيلي، بوصفه نابعا من حاجة عسكرية لا من اعتبارات سياسية، يجب تجنب توقيت الانتخابات في إسرائيل. وينبغي أن تنطلق الحملة من منطلق الوحدة، لا وسط ضجيج المفاوضات الحساسة المتعلقة بالتحالفات السياسية. كذلك، يجب استبعاد الاعتبارات الأميركية. فإذا شاركت إسرائيل في الحملة، فينبغي أن يكون ذلك لأسباب أمنية، لا بدافع استمالة رئيس أميركي أعلن، للمرة الأولى، دعمه لرئيس وزراء قبل انتخابات مصيرية، ولا بسبب أسعار الديزل في الولايات المتحدة.
إن أي إجراء يُتخذ في ظل عملية سياسية في هذا التوقيت يُعد غير ضروري وخطيرا، باستثناء الرد الإسرائيلي على هجوم إيراني، أو تجاوز إيران خطا أحمر في المجال النووي، مثل استئناف التخصيب، أو نقل المواد المخصبة إلى مخابئ، أو تحقيق اختراق في برنامجها النووي.
ما التصرف الصحيح؟
لا يوجد حاليا أي مبرر لخوض حرب مع إيران في ظل أزمة الانتخابات في إسرائيل. فالتطورات في إيران مقلقة بالفعل، وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق جيد، فمن المرجح أن نتجه نحو حملة عسكرية أخرى.
لكن قبل إقلاع الطائرات، لا بد من استخلاص دروس الحملة السابقة واستيعابها. فالكفاءة التكتيكية الكاملة ووجود فرصة عملياتية مواتية لا يكفيان وحدهما لكسب حرب ضد إيران. ولتحقيق ذلك، لا بد من امتلاك براعة إستراتيجية واعتماد تفكير متأنٍّ ومتروٍّ، يبدأ بتحديد الهدف النهائي المنشود، ويمر بالعمليات السياسية اللاحقة التي من شأنها أن تجعل تحقيقه ممكنا، ولا يصل إلا بعد ذلك إلى السؤال التالي: كيف يمكن توجيه ضربة قاضية ومذهلة؟