عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Sep-2026

أركيولوجيا العقل الاصطناعي*رمزي الغزوي

 الدستور

ربما ظلمنا الذكاء الاصطناعي حين منحناه شهادة ميلاد حديثة، ووضعنا مهده في مختبر تومض فيه الشاشات الزرقاء. فحكايته أقدم من الكهرباء والحاسوب والخوارزميات بآلاف السنين، ومن يحفر في طبقاتها سيعثر تحت كل طبقة على حلم أقدم منها، وربما يصل إلى يوم حدق فيه إنسان في حجر نحته، أو دمية صنعها بيديه، ثم خطر له ذلك السؤال الشقي الذي لم يغادر رأس البشرية منذئذ: ماذا لو استيقظ هذا الشيء؟، ماذا لو تحرك وفهم الإشارة ونفذ الأمر؟. كان الإنسان منذ طفولته الحضارية يحاول أن ينفخ شيئا منه في الأشياء، كأنه لم يكتف بأن يرى صورته في الماء، فأراد مرآة أخرى تتحرك.
 
لهذا لا أرى تالوس، العملاق البرونزي الذي تخيله الإغريق حارسا لجزيرة كريت، بعيدا كثيرا عن أحلامنا الراهنة، ولا حكاية الصانع الصيني يان شي الذي تخيل التراث أنه صنع مخلوقا يمشي ويغني. وفي بغداد نقل بنو موسى الحلم من الأسطورة إلى «كتاب الحيل»، وجعل الجزري الماء والتروس والصمامات تحرك الساعات والآلات والعازفين الميكانيكيين. كانت البشرية تحفر نفقا في جبل المستحيل، وكل حضارة تتقدم فيه أمتارا قليلة، حتى بدأ الحلم ينتقل من تقليد الجسد إلى اقتحام الرأس.
 
وحين ظهرت الآلات الحاسبة حدث التحول الأعمق؛ فالمطرقة حملت شيئا من قوة اليد، والعربة خففت عبء الظهر، أما آلة الحساب فقد حملت عملا كان يحدث داخل رؤوسنا. ثم جاءت بطاقات جاكار، وباباج وآلته التحليلية، وآدا لوفلايس التي رأت أن الرقم قد يمد يده إلى الموسيقى والرموز. وبعدها سأل تورينغ: هل تستطيع الآلات التفكير؟، حتى حصل هذا الحلم العتيق في دارتموث عام 1956 على اسمه الجديد: الذكاء الاصطناعي.
 
طوال الرحلة كنا نضع أجزاء منا خارجنا؛ عضلاتنا في الرافعات، سرعتنا في المحركات، ذاكرتنا في الكتب ثم السحابة، وحسابنا في الآلات. ولم نشعر بجرح كبير في كبريائنا حين هزمتنا السيارة في السرعة والحاسبة في الأرقام، فنحن لم نضع إنسانيتنا يوما في عضلة الساق أو جداول الضرب. ثم اقتربت الآلة من أكثر غرفنا حميمية ودخلت اللغة؛ صارت تكتب وتحاور وترسم وتؤلف رسالة حب واعتذار وقصة، واللغة عندنا ليست كلمات وحسب، إنها الوعاء الذي خبأنا فيه الحب والخوف والذاكرة والقصيدة وحكايات أطفالنا.
 
أمضينا آلاف السنين نصنع مرآة تشبهنا، ونضع فيها شيئا منا كل مرة، مطمئنين إلى صمتها. واليوم تكلمت المرآة، فارتد السؤال إلينا أقسى مما خرج منا: إذا لم تعد الكتابة والحساب والذاكرة والإجابة حكرا علينا، فما الذي يبقى لنا وحدنا؟. وربما لم تكن أعظم ورطة صنعها الذكاء الاصطناعي أنه جعلنا نسأل عما يجري داخل الآلة، وإنما أنه أجبرنا أخيرا على الحفر في الجهة الأخرى من المرآة: ماذا بقي داخل الإنسان؟