الغد
هو ثعلب السياسة بلا منازع، وزير الخارجية الأميركي منتصف القرن الماضي، هنري كيسنجر، والتي تصادف ذكرى وفاته اليوم.
الرجل يختلف الكثيرون حوله بين ممدوح ومذموم، إلا أن هناك إجماعا عالميا بين خبراء العلاقات الدولية أنه ساحر السياسة، وميكافيلي الإستراتيجية الأميركية الدولية الواحدة تلو الأخرى بعد الحرب العالمية الثانية.
هو اللاجئ اليهودي ألماني الأصل، الذي هرب من النازية إلى الولايات المتحدة ليتخرج من أعرق الجامعات هناك، هارفرد، ويصل إلى أعلى مراتب السياسة، ومنها رئيسا لمجلس الأمن القومي الأميركي، ليترك بصمات في الساحة الدولية، أهمها إنقاذ إسرائيل من هزيمة أكتوبر 1973 عبر تطبيق نظرية "الدبلوماسية المكوكية"، ولعب دورا حاسما في إنهاء الحرب الأميركية في فيتنام، وهو ما مكنه من حصد جائزة نوبل، إضافة إلى الوصول إلى تفاهمات مهمة مع الاتحاد السوفيتي للحد من سباق التسلح النووي، وتمهيد الطريق لتطبيع علاقات الولايات المتحدة مع الصين، والتي توجت بزيارة الرئيس الأميركي، ريتشارد نيكسون، إلى بكين عام 1972.
نستذكر كيسنجر ليس ابتهاجا برجل يرى البعض فيه أشد الموالين لإسرائيل، ومجرم حرب بسبب عدوان الولايات المتحدة البشع على فيتنام، كما أنه متهم بتأجيج الانقلابات السياسية في أميركا اللاتينية، لكن مسيرته مسيرة رجل استطاع، بذكائه وحنكته، من تحقيق اختراقات غير مسبوقة خدمة لسياسات بلاده في العالم، وهذا مربط الفرس في الحكم.
واحد وعشرون من الكتب ما تركه كيسنجر للأجيال القادمة، لعل أهمها "سنوات البيت الأبيض"، و"الدبلوماسية"، و"النظام العالمي"، و"درب السلام الصعب"، و"نحو دبلوماسية للقرن الحادي والعشرين".
ولعل من أشهر أقوال مهندس بناء جسور الدبلوماسية الأميركية حول العالم: "نادرا ما تكون الحقائق نفسها واضحة، على الأقل في السياسة الخارجية. ويعتمد معناها وتحليلها على السياق". وهذا فعلا ما نراه في خضم تطاحن دول العالم في سعيها لتحقيق مصالحها.
يقدم كيسنجر، الذي مات عن عمر ناهز الـ100 عام، دروسا لمن يمتهن فن السياسة، خصوصا قدرته العالية على التلاعب بفكر خصومه، خصوصا والأجواء السياسية ملتهبة من حوله، وفي هذا قوته.
ومن قناعاته الفلسفية التي نختم بها، متأثرا بالمؤرخ اليوناني القديم ثيوسيديدز، "أن الحاضر لا يكرر الماضي تماما، لكن يشبهه حتما، وبالتالي يجب أن يكون المستقبل كذلك". وهو فعلا ما علينا إدراكه عربا، ونحن نصارع ما نصارع في سعينا لكتابة التاريخ مجددا، إن نجحنا في ذلك في نهاية المطاف!