الغد
إن أردنا تقسيم الصهيونية التي نراها اليوم، سنرى نموذجين: النموذج الأول صهيونية علمانية قادت مرحلة تأسيس إسرائيل، واعتمدت كسب الوقت عبر «ملهاة عملية السلام» لغايات قضم الأرض، وتثبيت المستوطنين، وبناء القوة. لم يكن السلام هدفًا لها قط، بل أداة صهيونية استعمارية.
أما النموذج الثاني فهو الصهيونية الدينية، نموذج لا يرى في الأرض موضوع تفاوض، بل عقيدة، ولا يرى أن السلام غاية، بل يراه واقعًا تفرضه القوة. هذا النموذج لا يُعنى بإنهاء الصراع، بل بكيفية حسمه عسكريًا. إسرائيل الكبرى، بموجب هذا النموذج، هي دولة يهودية مهيمنة على كامل تراب فلسطين التاريخية، ودول عربية محتلة عسكريًا أو مستنزفة سياسيًا واقتصاديًا.
نتنياهو يمثل النموذج الثاني؛ فقد أعلن منذ التسعينيات أن الدولة الفلسطينية ليست حلًا، بل خطر. ولذلك لم يكن هدفه يومًا إنهاء الصراع، بل إدارته مع بقاء الاحتلال، عبر تقليص الفلسطيني إلى كيان أقل من دولة، منزوع السيادة والسلاح والرأي، وتحويل القضية من حق سياسي إلى ملف أمني.
غزة كانت المثال الحديث على ذلك، فحاول شارون المناورة بالانسحاب من الداخل والسيطرة على المحيط: الهواء، والماء، والحدود. لم يُنهِ الاحتلال، بل أعاد تشكيله، ولم ينتج سلامًا، فجاء الطوفان. وبكل موضوعية، إن أي حل دون وقف الاحتلال لا يحل القضية، بل يؤجج الصراع.
جاء التطبيع الإبراهيمي ليكرر الفكرة نفسها: تجاوز القضية بدل حلها. نجح شكليًا، لكنه لم يُنهِ الصراع، بل أعاد إنتاجه. ولهذا لا نعلم أي «طوفان» كان يمكن أن يولده هذا المسار بعد الطوفان الأول.
وفي هذا السياق، لا بد من وضع إيران في مكانها الصحيح. إيران الإسلامية لم تخترع مقاومة إسرائيل، فقد نشأت قبلها، لكنها دخلت عليها بمشروعها الذاتي، وهو العداء التاريخي لأميركا وإسرائيل. رفعت شعارها واستثمرت فيها، لكنها دخلت مدخلًا طائفيًا ساهم في تفتيت بعض الدول العربية، وأضعف قدرتها على مواجهة إسرائيل.
في مقاومة إيران المشروعة دوليًا للعدوان عليها، نصفق لأي صاروخ يصل إسرائيل وأميركا في نسختهم الطالبانية، لكن هذا لا يعني أن نقبل استهداف الأردن تحت أي مبرر. إذا استُهدف الوطن، فالوطن دائمًا على حق، وتُؤجَّل بيننا وبينه أي خلافات سياسية، ونصطف جميعًا على حدوده دفاعًا عنه.
ماذا نفعل؟ عربيًا، المطلوب مشروع قائم على المصالح الاقتصادية البينية، على غرار مشروع السوق والاتحاد الأوروبي. والوقوف مع الخليج ليس شعارًا، بل ضرورة عملية بقدر ما نستطيع، حتى نقوى ونمنع الانزلاق نحو الارتهان لإسرائيل أو أميركا بعد الحرب؛ فقد ثبت أن التحالفات الخارجية لا تبني أمنًا حقيقيًا، بل صورة مفبركة له، قد تنهار في أي لحظة.
فلسطينيًا، أنهى نتنياهو أوسلو عمليًا، وأعاد احتلال الضفة بسياسة خنق تمهيدًا للتهجير. ومع غياب حل الدولتين، يظهر واقع آخر: سلطة بقوانين غير متساوية، وطرح الحقوق المتساوية والدولة الواحدة كواقع يفرض نفسه.
أما في الأردن، فالجبهة الداخلية متماسكة، والناس ملتفة حول الدولة والدستور. ما يُقال في وسائل التواصل لا يعكس الواقع. لكن لا بد من القول بوضوح: نعتب على النخب والأحزاب التي ما زالت تعمل بعقلية تنظيم المظاهرات وخلق اصطفافات جانبية متشنجة، ولا تمارس السياسة. المرحلة تحتاج موقفًا سياسيًا عميقًا، ليس بالضرورة شعبويًا، لكننا نحتاج توجيه الشارع بموقف وطني واضح، يرفض استهداف الأردن تحت أي ذريعة!
تعزيز الجبهة الداخلية هو الأولوية. نقف خلف الدولة في هذه المرحلة، لأن التحدي أكبر من أي خلاف.
في النهاية، ما نراه ليس صراعًا عابرًا، بل إعادة تشكيل للمنطقة. شرق نتنياهو مشروع سيفشل في النهاية، ولكن لا يمكن مواجهته فرديًا؛ نحتاج مشروعًا عربيًا متكاملًا. فإن من لا يحدد موقعه بوضوح من هذا المشروع، سيجد نفسه ضحية له جنابك.